«زكريا الشلق» فى وداع مؤرخ كبير - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 17 أكتوبر 2026 7:58 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

«زكريا الشلق» فى وداع مؤرخ كبير

نشر فى : السبت 17 أكتوبر 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : السبت 17 أكتوبر 2026 - 6:25 م

(1)
كم هو موجع ومؤلم على نفسى وروحى أن أكتب هذا المقال فى وداع قيمة مصرية عظيمة، أحد بناة النهضة التاريخية، وحفّاظ الذاكرة الوطنية، وأحد آباء المدرسة المصرية «الأصيلة» فى الكتابة التاريخية المنهجية المستوفية لشرائطها العلمية والتوثيقية.


أتحدث عن المؤرخ الكبير والأكاديمى الرصين، وعميد المدرسة المصرية الوطنية فى الكتابة التاريخية الحديثة والمعاصرة؛ الدكتور أحمد زكريا الشلق (1948-2026)، الذى غادرنا عصر الأربعاء الماضى، بعد أن فتك به المرض ونال منه، عن 78 عامًا أمضى ما يزيد على نصف القرن منها فاعلًا ثقافيًا ومنتجًا معرفيًا (من خلال أعماله كمؤرخ) ومنخرطًا فى السياق التاريخى والثقافى والفكرى العام، ولم يقتصر على حدود قاعات الدرس فى الجامعة، بل مارس مفهوم الأستاذية بحقها، وكما يليق بها، مجسدًا أنبل وأسمى معانيها على المستويين الإنسانى والمعرفى.
ولعل طوفان الحزن الجارف الذى انفجر عقب رحيله على صفحات «السوشيال ميديا» بالعشرات، بل بالمئات، يؤكد قيمة الرجل وعظم أثره وتأثيره. ثمة إجماع لا يخرقه استثناء على نبله الإنسانى ورفيع خلقه، وتواضعه، وجميل خصاله، وتجسيده لقيمة «الأستاذية» بأرقى وأبدع ما يكون.
(2)
ومنذ كنتُ طالبًا بكلية الآداب جامعة القاهرة، أدرس اللغة والأدب والنقد، قبل ما يزيد على ربع القرن، كنتُ أتابع كتابات الدكتور أحمد زكريا الشلق التاريخية، وأعماله الرائعة بكثيرٍ من الشغف والفضول، خاصة مع ما كان يتمتع به - رحمه الله - من حضور هادئ ووادع وسمت مسالم حيى، وقدرة على التعبير والحديث يظنها الجاهل «سهلة المنال»، وما هى كذلك!
كان بارعًا فى اختيار موضوعاته والكتابة فيها والحديث عنها. أذكر أنه فى عام 2001 أثيرت مسألة الاحتفال بمرور مائتى عام على الحملة الفرنسية، وثار جدل وصخب كبيران (أظنه أقرب إلى الجدل البيزنطى العقيم!) حول مشروعية الاحتفال، وهل يجوز أن نحتفل بقدوم حملة استعمارية بغيضة، ونغفل آثارها الممتدة حتى وقتنا هذا، أم نبرز الجانب المعرفى والثقافى الذى بقى منها، مع إهمال وجهها الاستعمارى البغيض؟
وكان صوت الدكتور الشلق فى وسط هذه الجوقة المزدحمة بالآراء الأقرب إلى ضميرى وقناعتى الفكرية والمعرفية. وقد قدم حصيلة آرائه هذه فى كتابه المدهش «الحداثة والإمبريالية ـ الغزو الفرنسى وإشكالية نهضة مصر»، الذى صدر فى طبعته الأولى عن دار الشروق.
وقد ظل هذا الكتاب ملازمًا لى لا يفارقنى لغزارة مادته وعميق تحليلاته، وتوازن آرائه واستنتاجاته، فضلًا عن قدرته المدهشة على استعراض الآراء ومناقشتها والموازنة بينها، ثم، وهذا هو مكمن الأستاذية والبراعة، استصفاء واستخلاص وجهة نظره الخاصة المؤيدة بأدلتها والمدعومة بشواهدها وحيثياتها.
كانت هذه هى بداية تعرفى إلى أحمد زكريا الشلق وتعلقى به، قبل أن ألتقيه وجهًا لوجه، وأتعرف إليه مباشرة، وتنعقد علاقة الصداقة المكينة التى ستتطور إلى علاقة أبوة من جانبه وبنوة من جانبى، بموازاة علاقة التلمذة عليه والنهل من فيض معارفه وخبراته.
(3)
طيلة ربع القرن تقريبًا، لم أفوّت حرفًا كتبه أحمد زكريا الشلق دون أن أقرأه وأتعلم منه، وكنتُ وما زلتُ شديد الإعجاب والتقدير لكل ما خطّ ويخطّ بيمينه من كتبٍ ومؤلفات، أو بحوثٍ ودراسات، يقدِّم بها لكتبٍ أو لطبعاتٍ جديدة من كتبٍ ذات قيمة خاصة، أو مراجعات لترجمات، أو مساهمات فى ندوات ومؤتمرات تاريخية... إلخ.
وأدركت أننى فى حضرة مؤرخ كبير جدًا وأكاديمى رصين عميق المعرفة والخبرة، وصاحب أسلوب أدبى سلس وبديع بالفطرة، وفى الوقت نفسه أدركت قيمة ومرجعية كتاباته التى تغطى تاريخ مصر الحديثة والمعاصرة منذ مطالع القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين، وفى القلب منها كتاباته الممتازة عن «التاريخ الثقافى» و«تيارات الفكر» المصرى طوال هذين القرنين.
كل ذلك فضلًا عن أدواره التنويرية المهمة من خلال عضويته (أو رئاسته) للجان التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة أو المركز القومى للترجمة أو مكتبة الأسرة؛ أو رئاسته أو إدارته لتحرير سلاسل تاريخية ممتازة لعبت دورًا تنويريًا غير مسبوق؛ مثل سلسلة «مصر النهضة»، وسلسلة «الثورة والحرية» عن دار الكتب والوثائق القومية المصرية، أو سلسلة «تراث النهضة» عن الهيئة العامة للكتاب، أو «ذاكرة الكتابة» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.
(4)
كان - رحمه الله - أحد آبائى الروحيين، وأساتذتى الأجلاء، وأصدقائى الذين سأظل - ما حييتُ - فخورًا بهم، وممتنًا لمعرفتى بهم، وصداقتى إياهم. وقد جمعتنى بالدكتور الشلق صلة «تلمذة» و«صداقة» و«بنوة» امتدت لما يقرب من ربع القرن، عرفته فيها أستاذًا وأبًا وصديقًا وأخًا؛ وعالمًا جليلًا أتعلم منه دائمًا، وأعود إليه كلما استعصت علىّ مسألة من المسائل أو قضية من القضايا.
كم أحببته، وأتاح قربى منه أن أنهل من علمه ووافر معارفه، وكم كان، رحمه الله، كريمًا معى حفيا بى، فرحًا بمناوشاتى ومشاغباتى معه؛ يقول لى: «أنت ابنى الذى لم أنجبه»، وكم من مرات عديدة يؤيدنى فى قول أو رأى، ويطالبنى، بل يلح علىّ، بتسجيله ونشره. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجازاه خير الجزاء عما نفع وعلّم وأفاد.