مقال زكى نجيب محمود - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 12 سبتمبر 2026 7:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

مقال زكى نجيب محمود

نشر فى : السبت 12 سبتمبر 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : السبت 12 سبتمبر 2026 - 6:35 م

(1)

خلال الفترة من 1989 وحتى توقفه عن الكتابة تمامًا فى حدود عام 1991 أو 1992، تابعت المقال الأسبوعى (كل ثلاثاء إن لم تخنِ الذاكرة) الذى كان يكتبه الدكتور زكى نجيب محمود (1905-1993) على صفحة كاملة فى (الأهرام).

كانت الأهرام منذ رئاسة الأستاذ محمد حسنين هيكل (1958) حتى نهاية القرن العشرين الملتقى الأهم والأكبر والأوسع انتشارًا لكبار الأعلام والعقول والخبرات والتخصصات فى كل المجالات: الأدب، والفنون، والفكر، والحياة والدنيا بأسرها، كانت صفحات الرأى هى التاريخ الحى والنابض لكل دفقة فكر وهمسة أدب ولمعة نقد ولمحة إبداع لكل ذى قيمة ورأى حر وتعبير مستقل، كان الدور السادس بحق «جمهورية المفكرين والكتاب الأفذاذ» لم يجتمع مثلهم فى مكان واحد مثلما اجتمعوا هناك!

وكان المرحوم الدكتور زكى نجيب محمود (1905-1993) أحد أبرز وأكبر وألمع هذه الأسماء فى العقدين الأخيرين من القرن العشرين، مع غيره من الكبار، نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس، ولويس عوض، وعبدالقادر القط، وعلى الراعى، وفاروق شوشة.. وغيرهم.

(2)

كان مقال الدكتور زكى نجيب محمود ينشر على صفحة كاملة فى (أهرام) الثلاثاء أسبوعيًا؛ وكانت قراءته تقتضى تفرغًا وتركيزًا شديدًا ومن ثم مجهودًا ذهنيًا عظيمًا قد يكون كبيرًا ومرهقًا لطالب ما زال فى المرحلة الإعدادية؛ لكن كل ما كنت أقرأه لزكى نجيب محمود -آنذاك- كان كمن يزيل صخرة ضخمة أمامى، ويفتح مجالًا واسعًا وآفاقًا لا تحد لاستكشاف عوالم بأسرها فى الفكر الغربى الحديث، وفى التراث، وفى الأدب والنقد، وفى تحليل الأفكار، وتشريح المشكلات، كانت المرة الأولى التى أقرأ فيها عن «التفكير العلمى» و«نظرية المعرفة» و«تشخيص المشكلات»، والبحث عن حلول.. إلخ.

كانت هذه بداية تعرفى على اسم المفكر الراحل الكريم الدكتور زكى نجيب محمود، لتمتد هذه الرحلة وتتصل بلا انقطاع، وتتعمق كل عدة سنوات بمزيدٍ من القراءات، ومزيد من الاقتراب من أعماله المهمة الخصبة المهمة، ولأتيقن من محورية دوره الفكرى والنهضوى فى الثقافة العربية طيلة القرن الماضى.

يحكى أخى وصديقى الناقد الكبير محمود عبدالشكور عن ولعه بمقال زكى نجيب محمود ومتابعته إياه وقد كان زكى نجيب محمود، الأستاذ المباشر لوالده أستاذ الفلسفة الجليل، عبدالشكور شاذلى، أحد أنبغ خريجى الجامعة المصرية فى عصر ازدهارها وممارستها أدوارها الحقة، كما كان الدكتور زكى نجيب محمود مشرفًا على رسالته للماجستير، المهم يقول محمود عبدالشكور:

«وكنا نقرأ مقال د. زكى نجيب محمود فى (الأهرام) أسبوعيًا بشغف كبير، وقد نتناقش حول أفكاره، وكان لنا زميل فى الكلية يجمع هذه المقالات، ويؤرشفها. فى حوار فاروق شوشة مع د. زكى نجيب فى برنامج «أمسية ثقافية» قال الكاتب الكبير إن مقاله الطويل يُعادل 8 صفحات فولسكاب بخط اليد، ويكتبه على دفعة واحدة، وتستغرق كتابته من ٦ إلى ٧ ساعات. يستطيع الرجل أن يكتب مقالًا فى نصف الساعة، لكنه احترام الكتابة، واحترام القارئ».

(3)

إلى أى مدى يحترم الكاتب القدير قراءه ويحترم النافذة التى ينشر فيها، وإلى مدى كان يتحضر ويبذل الوقت والجهد، وهو فى هذه السن المتقدمة كى يقدم ما يبقى بعده، وما يثير الفكر ويعالج القضايا ويواجه التحديات!

يؤكد هذا المعنى وهذه القيمة أيضًا الدكتور عبدالسلام حيدر أحد عقولنا المهاجرة إلى ألمانيا وصاحب العمل الجليل الذى لم شتات وأعمال الرائد النهضوى الكبير إبراهيم عبدالقادر المازنى فى مجلدات ضخمة ذات أجزاء صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة قبل سنوات بعيدة. يقول الدكتور عبدالسلام:

«كنت فى الثانوية العامة عندما انتبهت لمقالات زكى نجيب محمود (1905-1993) التى كان ينشرها كل ثلاثاء فى صحيفة (الأهرام). وآنذاك كنت أتعجب كيف له أن يكتب مثل هذه المقالات الضخمة والعميقة فى أسبوع واحد فقط. وهذا أمر لم أفهمه إلا بعد فترة طويلة. وفيما بعد عرفت أيضًا أن مقالاته تلك كانت تنشر فى صحف عربية أخرى. وهذا شىء نادر فيما يخص كتابات الفلاسفة.

ومعنى هذا أننى بدأت فى قراءته بجدية منذ صيف سنة 1983 حتى توقفه عن الكتابة فى (الأهرام) سنة 1991. ورغم مرور كل هذه السنوات، ما زلت أتذكر تلك النشوة الخفية وذلك الإحساس الذى كان ينتابنى وأنا أفتح (الأهرام) سريعًا على مقاله الذى أقرأه بداية بسرعة خاطفة حتى أحيط به واتصوره مجملًا ثم أقضى معه سحابة النهار، وأنا أتدبره جملة جملة وفقرة بعد فقرة حتى أشعر أننى تشربت مقالته تمامًا.

هذه مجرد أمثلة فقط على الأثر العميق والممتد لمقال زكى نجيب محمود فى (الأهرام)، ضمن جوقة الكبار الذين كانت مقالاتهم -آنذاك- تضىء الدروب المظلمة، ينتظرها قراؤهم بشغف وفضول ونهم، لأنهم يعلمون جيدًا أن هؤلاء الكبار يحترمونهم ويصدقونهم القول والرأى ووجهة النظر، ينخرطون فى معالجة مشكلات مجتمعاتهم كل حسب رؤيته وخبرته وتخصصه، كانوا يكتبون بصدق وأمل إيمان بالمستقبل دون ذعر أو خوف أو وجل!

(وللحديث بقية)