اغضب كما تشاء - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 12 سبتمبر 2026 7:38 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

اغضب كما تشاء

نشر فى : السبت 12 سبتمبر 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : السبت 12 سبتمبر 2026 - 6:35 م

حدث ذلك قبيل الزلزال الذى باغتنا الشهر الماضى بقليل. غفت عيناها وهى مستلقية على سريرها وبين يديها الهاتف المحمول. مازال كل شيء على حاله فى الغرفة، الأنوار موقدة والنوافذ مشرعة والملابس التى خلعتها للتو مُكَومة تنتظر الطى والترتيب أو وضعها فى صندوق الغسيل. ظل صوت الفيديو نفسه يرن على الهاتف ويبعث فى أرجاء الغرفة بالرسالة المكررة ذاتها على لسان أحد نجوم التنمية البشرية الجدد فى درسٍ ذى نكهة دينية عن التسامح والتعافى النفسى: «سامح بقدر ما تستطيع التسامح مع الآخرين». إيقاع الجملة كان رتيبا وكذلك معناها، لأن قائل العبارة يتعامل مع الذاكرة على أنها نوع على طريق الانقراض، ويظن أنه يساعد المستمع على طى الصفحة.

كان كلامه مناقضًا تمامًا لما جاء فى كتاب فيلسوفة فرنسية فى مثل سنها تقريبًا، وهى لورنس دوفيلار التى تابعت بودكاست تقدمه حول تبسيط الأفكار الفلسفية وربطها بالواقع والحياة اليومية. تحدثت فى إحدى حلقاته عن الغضب والانتقام كرغبات مشروعة، منطلقةً من منطق مغايرٍ تمامًا تناولته فى مُؤلفَها الأخير، الصادر فى مارس الماضى، عن دار نشر ستوك وقد جاء بعنوان الانتقام. الحق فى عدم مسامحة المُسِىء La vengeance. Le droit de ne pas pardoner. كانت تقصد تحديدًا حق المظلوم فى ألا يغفر، وأن الانتقام يكون مفيدًا فى بعض الأحيان لكى يشفى الشخص غليله ويستطيع التعامل مع محيطه بشكل صحى ويمضى قدمًا فى حياته، بدلًا من أن يزيد من حوله شعوره بالغبن حين يطالبونه بكتم غضبه والتسامح مع من أخطأ فى حقه، فالخطاب الدارج عادة ينصح بأن تكون أكبر من الموقف وأن تكظم الغيظ حتى لا ينقلب الوضع ضدك. والنتيجة غالبًا تؤدى إلى كبت المشاعر السلبية وربما تصنُع العفو ما يزيد من الإحساس بالغبن والعجز وقلة الحيلة، وبالتالى مزيدًا من المرارة.

  • • •

لجأت لورنس دوفيلار، وهى أكاديمية بارزة تعدت منتصف العمر بقليل إلى نماذج من الأدب العالمى للتدليل على نظريتها. يمكننا تطبيق أفكارها مثلًا على رواية «الكونت دى مونت كريستو» للكاتب الشهير ألكسندر دومًا، والتى عرفها الجمهور العام فى مصر من خلال فيلم «أمير الانتقام». تعرض بطلها، وهو فى مقتبل العمر لمؤامرة دنيئة من المحيطين بسبب الحقد والغيرة، وعاد إليهم بعد سنوات قضاها فى السجن لمعاقبة كل من تسبب فى حبسه وضياع شبابه. تحول البطل من شاب برىء إلى مقتصٍ هادىء يُنفذ خطته دون انفعال ظاهر ثم إلى إنسان يبحث عن الغفران. كذلك فى رواية «مرتفعات ويذرينج» لإيميلى وشارلوت برونتى يعود «هيثكليف» بعد سنوات غامضة وقد أصبح ثريًا، محملًا برغبة جامحة فى الانتقام من كل من أساء إليه أو تسبب فى فراقه عن حبيبته ليدمر حياة هؤلاء دون شعور بتأنيب الضمير، لكنه فى النهاية يقرر أن يتوقف عن الانتقام ليس بدافع التسامح أو الندم، بل بسبب الإنهاك النفسى، يعترف أنه صار يملك القوة الكاملة لسحق أعدائه، لكنه لم يعد يجد متعة أو فائدة فى ذلك.

تقول المؤلفة إن كتابها ليس دعوة للعنف أو تحريضًا على عدم احترام القوانين وهدم المجتمع، لكنه يندرج فى إطار محاولة الفلسفة مساعدتنا على تحليل ما يدور بداخلنا حين نتعرض لظلم بين أو مواقف بعينها. تُندد بما أطلقت عليه «طغيان العفو» أو «ديكتاتورية التسامح»، والمقصود بهذا المفهوم هو الضغط الاجتماعى أو الأخلاقى الذى يجبر الضحية على مسامحة من آذاها قبل أن تتعافى بشكل كامل، فيتحول العفو من فضيلة اختيارية إلى إجبار وقهر نفسى. لذا فهى تقر مشروعية الغضب، لأن العنف اللفظى أو الجسدى أو الإساءة التى واجهها الفرد قد تعوقه عن الرجوع إلى طبيعته إذا استمر فى «بلع الأذى»، وتجرع المرارة دون إبداء الغضب.

  • • •

هناك من يثور فى هدوء لأنه يعلم فى قرارة نفسه أن العقاب الإلهى سيقتص له من الأعداء والظالمين. كل الأديان تنص على ذلك، ما يجعله يُسلِم أمره ويشعر بنوع من التعزية. وهنا لا يرجع هدوء النفس لإيمانه بالتسامح لكن لقناعة داخلية أن ألله كفيل بأعدائه وأن الحق سيعود يومًا لأصحابه ولو بعد حين، مهما لم تنصفه القوانين الوضعية وشريعة الأرض والأعراف الاجتماعية. تقول لورنس دوفيلار فى كتابها إنها تعرضت للظلم، دون أن تروى التفاصيل، ربما فى المجال المهنى لأنها تتحدث دومًا عن الظلم الذى تواجهه الإناث اللائى يشتغلن بالفلسفة، وكأنها حكر على الرجال. وتضيف أن هناك أشكالًا من الظلم لا يمكن محوها أو التسامح معها، هى تثير الغضب إلى حد الرغبة فى الانتقام، لكن لا يرغب الناس فى الاعتراف بذلك أو التصريح به لأنه أمر غير مقبول، فمثل هذه الأفكار لا مكان لها فى مجتمعنا، ويعاقب عليها القانون، وترفضها المبادئ الدينية والتقاليد. لكن الفلسفة تفتح الباب للنقاش وتسمح بعدم توافق الآراء. هيجل يرفض الانتقام ويرى أنه فعل عفوى وبدائى يعيد إنتاج الجريمة بدلًا من إصلاحها ويجر وراءه سلسلة لا تنتهى من الثأر، لذا فهو ينزع إلى العقوبات القانونية التى تصدر عن إرادة كلية (محكمة أو الدولة) كطرف ثالث محايد مهمته إعادة الحقوق وليس إرضاء غريزة التشفى. كذلك يرى سبينوزا فى الانتقام علامة على العبودية النفسية وضعف العقل. أما بالنسبة لنيتشة فالانتقام يأخذ أبعادًا نفسية وفلسفية مختلفة تمامًا، ففى نظره هو ليس بالضرورة عنفًا ماديًا ظاهرًا، بل قد يكون طاقة نفسية كبتية تعيد صياغة القيم، فالضغينة تحول العجز إلى سلطة، والشخص الذى تعرض للظلم ولا يمتلك قوة الرد يخترع سلاحًا إبداعيًا نفسيًا للانتقام من خلال إعادة صياغة القيم وتزييفها، وتكمن السلطة هنا فى قدرة الضعفاء على فرض منظومة أخلاقية جديدة على المجتمع ككل.

انضمت لورنس دوفيلار إلى سلسلة الفلاسفة الذين تناولوا هذه المفاهيم المعقدة، والتى قد نطبقها على أمور مختلفة ومستويات متعددة. ما الذى يمكن أن يفعله مثلًا المظلومون فى غزة بعد أن خذلتهم القوانين الدولية؟ كيف يمكن أن يحققوا العدل؟ ربما كان الزلزال مؤشرا لغضب الأرض. استمرت فى الاهتزاز لكى توقظنا من غفوتنا، انتفضت ضد الإفلات الدائم من العقاب.

التعليقات