ربع قرن على هجمات ١١ سبتمبر.. حسابات المكسب والخسارة - أحمد عبد ربه - بوابة الشروق
السبت 12 سبتمبر 2026 7:38 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

ربع قرن على هجمات ١١ سبتمبر.. حسابات المكسب والخسارة

نشر فى : السبت 12 سبتمبر 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : السبت 12 سبتمبر 2026 - 6:35 م

 

بعد ربع قرن على هجمات ١١ سبتمبر، تبدو محاولة تحديد الرابحين والخاسرين أكثر تعقيدًا من الإجابات التى سادت خلال السنوات الأولى التى أعقبت الهجمات. فمن السهل القول إن تنظيم القاعدة انتصر لأنه استطاع، بواسطة ١٩ شخصًا وتكلفة لم تتجاوز، وفق التحقيقات الأمريكية الرسمية، نحو ٤٠٠ إلى ٥٠٠ ألف دولار، أن يضرب نيويورك وواشنطن ويقتل نحو ٣ آلاف شخص. ومن السهل أيضًا القول إن الولايات المتحدة انتصرت لأنها فككت التنظيم وقتلت أو اعتقلت معظم قياداته ولم تتعرض منذ ذلك الوقت لهجوم مماثل. لكن النتيجة تختلف إذا انتقلنا من السؤال عمن انتصر يوم ١١ سبتمبر إلى السؤال عمن ربح فعلًا خلال السنوات الخمس والعشرين التالية. ومن هذه الزاوية، أعتقد أن الخاسر الأكبر كان مشروع الجهاد الإسلامى العالمى نفسه.

  • • •

هذه النقطة تحتاج إلى بعض التوضيح، لأن استمرار تنظيم القاعدة وظهور تنظيم الدولة الإسلامية ثم عودة طالبان إلى الحكم فى أفغانستان قد يوحى بعكس ذلك. لكن مشروع أسامة بن لادن وأيمن الظواهرى لم يكن مجرد تنفيذ عمليات إرهابية كبيرة. كان المشروع يقوم على إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب من العالم الإسلامى، وإسقاط الأنظمة العربية التى وصفها التنظيم بأنها موالية للغرب، وتحويل الجهاد المسلح إلى حركة جماهيرية، وتوحيد المسلمين خلف مشروع سياسى ينتهى فى النهاية بإعادة إقامة الخلافة.

بعد ٢٥ عامًا، لم يتحقق تقريبًا أى هدف من هذه الأهداف. لم تسقط الأنظمة العربية الرئيسية بفعل القاعدة، ولم تتحول المجتمعات الإسلامية إلى حاضنة جماهيرية للمشروع الجهادى، ولم تفقد الولايات المتحدة موقعها كقوة عسكرية وسياسية رئيسية. والقاعدة نفسها تحولت من تنظيم قادر على تنفيذ عملية بحجم ١١ سبتمبر إلى شبكة من الفروع المتفرقة، يعمل معظمها اليوم فى دول ضعيفة أو فى مناطق تعانى من انهيار مؤسسات الدولة.

جزء من هذه النتيجة يعود بطبيعة الحال إلى الضربات الأمنية والعسكرية التى تعرض لها التنظيم. اعتُقل خالد شيخ محمد سنة ٢٠٠٣، وقُتل أبو مصعب الزرقاوى سنة ٢٠٠٦، وأسامة بن لادن سنة ٢٠١١، وأيمن الظواهرى سنة ٢٠٢٢، إلى جانب أعداد كبيرة من القيادات الوسطى. كما لم يستطع التنظيم منذ ٢٠٠١ تنفيذ هجوم داخل الولايات المتحدة يقترب من حجم أو تأثير ١١ سبتمبر.

لكن الخسارة الأهم لم تكن فى مقتل القادة، وإنما فى تراجع جاذبية الفكرة نفسها داخل المجتمعات الإسلامية. بعد ١١ سبتمبر حظى بن لادن لفترة بدرجات متفاوتة من التعاطف فى بعض المجتمعات العربية والإسلامية باعتباره الرجل الذى استطاع تحدى الولايات المتحدة. لكن الصورة بدأت تتغير عندما أصبحت الجماعات الجهادية تقتل العرب والمسلمين أنفسهم.

  • • •

تفجيرات الرياض والدار البيضاء وعمان وشرم الشيخ ودهب، ثم موجات العنف فى العراق، غيرت طبيعة العلاقة بين هذه التنظيمات والمجتمعات التى ادعت تمثيلها. لم يعد الحديث فقط عن ضرب الولايات المتحدة أو الغرب، وإنما عن تفجير الأسواق والفنادق والمساجد وقتل المدنيين، واستهداف الشيعة، والمسيحيين وغيرهم. وهنا بدأ المشروع الجهادى يخسر أهم ما كان يسعى إليه أصلًا: تحويل نفسه من تنظيم مسلح إلى حركة سياسية واجتماعية واسعة.

ثم جاءت تجربة تنظيم الدولة الإسلامية لتقدم أهم اختبار عملى للفكرة الجهادية. لسنوات طويلة كان من الممكن القول إن هذه التنظيمات لم تحصل على فرصة حقيقية لتطبيق مشروعها لأنها مطاردة ولا تملك أرضًا أو موارد. لكن فى يونيو ٢٠١٤ تغير هذا الوضع عندما أعلن أبو بكر البغدادى ما سماه «الخلافة»، وسيطر التنظيم على مناطق واسعة من العراق وسوريا، وعلى مدن كبيرة مثل الموصل والرقة، وحكم ملايين السكان، وامتلك النفط، والضرائب والأجهزة الأمنية والإدارية.

للمرة الأولى تقريبًا حصل المشروع على الفرصة التى كان يقول إنه يحتاج إليها. والنتيجة كانت شديدة الدلالة. ارتبط حكم التنظيم بالإعدامات الجماعية والاسترقاق واضطهاد الإيزيديين والعنف الطائفى والقتل على الهوية والذبح المصور. لم يقدم التنظيم نموذجًا سياسيًا قادرًا على جذب المجتمعات الإسلامية أو إقناعها بأنه يمثل بديلًا عن الدول القائمة. ثم انهارت التجربة سريعًا: سقطت الموصل والرقة سنة ٢٠١٧، وفقد التنظيم آخر منطقة رئيسية كان يسيطر عليها فى مارس ٢٠١٩.

وهذا فى رأيى أكثر أهمية من مجرد خسارة الأرض. فعندما حصل أحد أهم فروع المشروع الجهادى على الأرض والموارد والسكان، لم يقدم نموذجًا جذابًا للحكم، وإنما قدم تجربة ساهمت فى زيادة النفور من المشروع نفسه. ومن هنا فإن هزيمة تنظيم الدولة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت أيضًا هزيمة لفكرة سياسية ادعت لعقود أنها تملك بديلًا جاهزًا للدولة القائمة.

  • • •

هذا لا يعنى بالطبع أن الأفكار الجهادية انتهت. تنظيم القاعدة ما زال موجودًا، وتنظيم الدولة ما زال موجودًا، وفروعهما تنشط فى الساحل الإفريقى والصومال واليمن وأفغانستان وباكستان وغيرها. لكن هنا تحديدًا يظهر حجم التحول. كان بن لادن يتحدث عن صراع عالمى مع الولايات المتحدة وتغيير النظام الدولى وإعادة تشكيل العالم الإسلامى. أما الجزء الأكبر من النشاط الجهادى اليوم فأصبح محصورًا فى صراعات محلية داخل دول ضعيفة أو منهارة. المشروع لم يمت، لكنه انكمش من مشروع عالمى إلى شبكات تمرد محلية وإقليمية.

أما الولايات المتحدة، فمن الصعب وضعها ببساطة فى خانة الرابحين أو الخاسرين. أمنيًا، حققت هدفًا مهمًا: لم تحدث ١١ سبتمبر أخرى، وتم القضاء على معظم قيادات القاعدة. لكن الثمن كان هائلًا. بحسب مشروع تكاليف الحرب فى جامعة براون، بلغت تكلفة الحروب المرتبطة بمرحلة ما بعد ١١ سبتمبر أكثر من ٨ تريليونات دولار، فضلًا عن مقتل أكثر من ٧ آلاف عسكرى أمريكى وآلاف المدنيين المتعاونين مع الحكومة والجيش الأمريكى فى ميادين المعارك العسكرية المختلفة.

كما ارتكبت الولايات المتحدة أخطاء استراتيجية ضخمة، وأهمها غزو العراق. لم يكن بين منفذى الهجمات الـ١٩ عراقى واحد، ولم تجد لجنة التحقيق الأمريكية دليلًا على تعاون نظام صدام حسين مع القاعدة فى تنفيذها. ومع ذلك وفر المناخ الذى صنعه ١١ سبتمبر والحرب على الإرهاب البيئة السياسية التى جعلت الغزو ممكنًا ومبررًا، وكانت النتيجة سقوط نظام صدام، وحل الجيش العراقى، وضعف مؤسسات الدولة، وظهور التمرد المسلح، وتصاعد العنف الطائفى، وظهور تنظيم القاعدة فى العراق، ثم تنظيم الدولة الإسلامية. وهكذا أصبحت دولة لم تشارك فى هجمات ١١ سبتمبر واحدة من أكثر الدول التى دفعت ثمن نتائجها.

وفى أفغانستان أسقطت الولايات المتحدة حكم طالبان سنة ٢٠٠١، ثم استمرت الحرب نحو عشرين عامًا، وأنفقت أكثر من تريليونى دولار، قبل أن ينهار النظام المدعوم أمريكيًا فى أغسطس ٢٠٢١ وتعود طالبان إلى كابول. لكن عودة طالبان لا تعنى نجاح مشروع بن لادن. طالبان حركة أفغانية أساسًا، وهدفها حكم أفغانستان، بينما كان مشروع القاعدة عالميًا. ما أثبتته عودة طالبان هو فشل الولايات المتحدة فى بناء نظام سياسى أفغانى قادر على الاستمرار من دونها أكثر مما أثبتت نجاح الجهاد العالمى.

  • • •

وفى المقابل، استفادت أطراف أخرى من رد الفعل الأمريكى على ١١ سبتمبر أكثر مما استفاد منه منفذو الهجمات أنفسهم. إيران مثلًا كانت قبل ٢٠٠١ تواجه طالبان شرقًا وصدام حسين غربًا. وخلال أقل من عامين أسقطت الولايات المتحدة الخصمين معًا. وفى السنوات التالية توسع النفوذ الإيرانى فى العراق ثم فى أجزاء أخرى من المنطقة. إيران لم تشارك فى ١١ سبتمبر، لكنها أصبحت من أكبر المستفيدين من النتائج غير المقصودة للاستراتيجية الأمريكية التى أعقبتها.

والصين أيضًا كانت من المستفيدين غير المباشرين. لم يبدأ صعودها بسبب ١١ سبتمبر، لكنه تزامن مع انشغال الولايات المتحدة لعقدين تقريبًا بأفغانستان والعراق والإرهاب والشرق الأوسط، بينما ركزت الصين على الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والقوة العسكرية.

ومع ذلك، تظل النتيجة الأهم فى رأيى مرتبطة بالمشروع الجهادى نفسه. فهجمات ١١ سبتمبر كانت انتصارًا عملياتيًا هائلًا لتنظيم القاعدة، لكنها بعد ربع قرن تبدو هزيمة ساحقة لاستراتيجية المشروع الذى مثله التنظيم. نجحت القاعدة فى قتل الآلاف، وأجبرت الولايات المتحدة على خوض حروب مكلفة، وساهمت فى تغيير سياسات الأمن والمراقبة فى العالم. لكنها لم تحقق الهدف الأكبر الذى كانت تريده: لم تحول هذا النجاح العسكرى إلى مشروع سياسى ناجح.

أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

 

 

أحمد عبد ربه أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر