فى خطابه من مقر افتتاح «الأوكتاجون» فى العاصمة الإدارية، تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسى عن ضرورة أن ينفتح الإعلام المصرى، وأن يتسع للرأى والرأى الآخر. لم تكن هذه هى المرة الأولى التى يقوم فيها الرئيس بمثل هذا التوجيه، فقد سبق ذلك، وبالتوازى مع فعاليات الحوار الوطنى، أن قال الرئيس كلامًا مشابهًا، بل وأصدر بيانًا عن رئاسة الجمهورية تحدث فيه صراحة عن ضرورة ألا يتحول «الحبس الاحتياطى» إلى عقوبة فى حد ذاته. وقد وجد هذا البيان تأييدًا واسعًا وتفاؤلًا بين المشاركين فى الحوار الوطنى. ورغم ذلك، فما زالت هناك فجوة بين توجيهات الرئيس وبين التطبيق الفعلى لهذه التوجيهات، عن طريق تحويلها إلى سياسات ملزمة لكل أجهزة الدولة. فماذا تُظهر هذه الفجوة؟
• • •
من حيث المبدأ، وفى بلد مثل مصر، بثقافتها السياسية المتمحورة حول منصب رئيس الجمهورية بوصفه رأسًا للدولة وللسلطة التنفيذية، وكذلك فى ظل نظام سياسى أقل ديمقراطية من غيره، تُعد التوجيهات الرئاسية بالفعل أحد مصادر الإصلاح السياسى؛ لأنها، على الأقل، تضمن توافر النية السياسية للإصلاح، وكذلك تضمن عدم المزايدة من جمهور المتربصين والمتربحين من استمرار الأوضاع السياسية دون إصلاح، كما أنها تتمتع بالإلزامية، على الأقل فى الأجل القصير. لكن كيف لها أن تعيش وتتحول إلى سياسات دائمة؟ هذا هو السؤال حقًا.
سبق أن سألت أحد المسئولين فى قطاع التعليم العالى، قبل عدة سنوات، عن السر فى سعيه الحثيث للتواصل مع كل أجهزة الدولة، فى محاولة منه لتنظيم أحد المؤتمرات المتعلقة بالتعليم والبحث العلمى «تحت رعاية رئيس الجمهورية»، رغم أن فرصة حضور الرئيس، أو علاقته المباشرة بالأمر محل النقاش فى المؤتمر، تبدو ضعيفة. فرد علىّ ردًا فهمت منه الكثير عن طريقة إدارة الأمور فيما يمكن أن نسميه «دولاب الدولة»، حيث قال لى إنه يعرف أن الأمر لا يقع ضمن المسئوليات المباشرة لرئيس الجمهورية، وأن وقت الأخير لن يسمح بالمشاركة، ولكن كل ما يريده هو عبارة «تحت رعاية رئيس الجمهورية»، مع صورة كبيرة للرئيس. لكن لماذا كل هذا؟ رد المسئول بقوله، الذى أنقله بالعامية: «لو ما عملناش كده، البيروقراطية مش هترحمنا، ومش هعرف أعمل المؤتمر فى معاده!».
بعبارة أخرى، كان محدثى يقول إن العبارة التى يبحث عنها ليست مجرد رمزية سياسية أو رغبة منه فى نفاق السلطة السياسية، ولكن «تحت رعاية رئيس الجمهورية» هى المفتاح السحرى لفتح الأبواب المغلقة، وتسيير الأمور الإدارية واللوجستية للمؤتمر دون مضايقات بيروقراطية وإجراءات عقيمة قد تؤثر كثيرًا فى انعقاد المؤتمر أو إخراجه بالشكل المطلوب! فى الواقع، لا أتذكر إن كان هذا المسئول قد نجح فى الحصول على إذن برعاية الرئيس للمؤتمر، لكن ما بقى فى ذهنى بالفعل هو المعنى: فلا شىء قد يتم على الوجه الأمثل إلا عن طريق رئيس الجمهورية، حتى ولو كان هذا مجرد إجراء اسمى. المهم أنه المفتاح لعدم إيقاف المراكب السائرة، وأن دعم الوزير المعنى، أو حتى دعم رئيس الوزراء، ربما لا يكون كافيًا!
• • •
لكن هل يمكن أن تبقى هذه الأوضاع كما هى فى مرحلة نبحث فيها عن الإصلاح السياسى؟ بالقطع، إن تغيير الثقافة السياسية للبيروقراطية المصرية، ومن قبلها للجماهير، بل ولمسئولى الدولة أيضًا، أمر ليس سهلًا، ولكنه أيضًا ليس مستحيلًا! والمشكلة ليست فى التوجيه الرئاسى أو الرعاية الرئاسية، ولكنها فى الحديث عما يلزم كى تتحول هذه التوجيهات أو هذه الرعاية إلى سياسات. والإجابة هنا هى أنه، من دون عمل مؤسسى، ستظل الرعاية والتوجيهات الرئاسية تعبيرًا رمزيًا عن توافر النية السياسية، ولكن من دون تغيير حقيقى يمكن أن نراه على الأرض!
مثلًا، قبل عدة أعوام، خرج الإعلامى ولاعب الكرة السابق الشهير أحمد حسام ميدو ليتحدث عن تكليف رئاسة الجمهورية له بأن يتبنى حملة لرعاية المواهب واكتشاف الموهوبين كرويًا فى كل أنحاء مصر، من أجل أن يكون لدينا أكثر من محمد صلاح! بالقطع، كان التوجيه حقيقيًا، وكان يعبر عن رغبة حقيقية لدى رئيس الجمهورية فى اكتشاف المزيد من المواهب الكروية، وكذلك فإنى أصدق أن ميدو كان بالفعل متحمسًا. لكن السؤال: لماذا لم يتحول هذا التوجيه وهذا الحماس إلى واقع؟ باختصار، لأنه بقى دون مؤسسة تتبناه، ودون تغيير حقيقى فى السياسات والقوانين المتعلقة بإدارة الكرة المصرية، بشكل يساهم فى اكتشاف هذه المواهب التى أعتقد أن مصر تزخر بها بالفعل!
كذلك، وبعد هذا التوجيه الحديث من الرئيس للإعلام بالانفتاح على الرأى والرأى الآخر، لم يمر يومان إلا وقد قامت العديد من البرامج الحوارية السياسية فى مصر بحملة واسعة تتهم من انتقد، أو كانت لديه ملاحظات على مشهد إخراج حافلة المنتخب الوطنى من المطار وحتى مقر الإقامة فى مدينة العلمين، بأنه إخوانى أو حاقد، إلى آخر هذه العبارات التى لا يمكن معها أبدًا أن نتحدث عن سياسة جديدة للانفتاح على الآراء المستقلة، فضلًا عن المعارضة.
نعم، وجّه الرئيس، وتوافرت النية السياسية، لكن هذا لم يكن كافيًا، ما دام الأمر ظل بلا تعديلات فى القوانين والسياسات المنظمة للعمل الإعلامى. فقد رغب الرئيس فى التغيير، وربما رغب أصحاب القنوات ومقدمو البرامج أيضًا، لكن غالبًا ما يريد كل واحد منهم تجنب مخاطرة أن يكون هو الأول الذى يستضيف الرأى الآخر، فينتظر غيره ليفعل، وهكذا ندور فى حلقات مفرغة من التردد، ولا يتغير الأمر. مرة أخرى، لأن الأمر ليس متعلقًا فقط بالرغبة فى التغيير، ولكنه مرتبط بأن تتغير السياسات، وأن تكون هناك سياسة مختلفة حاكمة للمجلس الأعلى للإعلام، وإعادة تصور لدوره. ومن دون كل ذلك، ستظل الفجوة بين الرغبة والتطبيق حاضرة!
• • •
لا أريد إعادة التأكيد على أمور سبق مناقشتها عدة مرات، ولكنى سأكررها مرة أخرى، لعل وعسى أن يحدث الإصلاح المراد! الصوت المستقل أو المعارض لا يمكن أن يهدم بلدًا، كما يحاول البعض أن يصور الأمر. فطالما كان هذا الصوت ملتزمًا بالقانون والدستور والآداب العامة للحديث، ولا يحض على عنف أو كراهية أو تمييز، فلا يمكن لهذا أن يضر الوطن. بل العكس تمامًا؛ فالإصرار على الاستماع إلى رأى واحد هو ما يؤدى إلى تيبس الوطن وتجميد السياسة، وهذا هو الخطر الحقيقى لمن يعقلون!
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر