لم يكن أحد ليتوقع هذا الأداء القوى ــ ولأول مرة لا نقول المشرف ــ للمنتخب المصرى وللمنتخبات الإفريقية فى كأس العالم المقام فى أمريكا الشمالية للمرة الأولى بمشاركة ثلاث دول. كانت معظم التوقعات قبل البطولة تتحدث عن التنافس المعهود بين المنتخبات الأوروبية وتلك اللاتينية، لكن لم تكن إفريقيا حاضرة فى هذه التوقعات بقوة، وحتى المغرب، التى حققت الإنجاز العربى والإفريقى الأبرز بوصولها إلى الدور قبل النهائى فى مونديال قطر ٢٠٢٢، شكك البعض فى أنها تستطيع أن تتجاوز دور الـ٣٢!
• • •
لكن الأهم من غياب القارة السمراء عن توقعات المنافسة، فإن الأمر الأبرز كان انتقاد توسعة عدد الفرق المشاركة فى البطولة ليصل إلى ٤٨ فريقًا، مما دعا البعض إلى الحديث عن ضعف المنافسة المتوقعة، كون عدد كبير من الفرق غير المؤهلة ــ فى نظر هؤلاء ــ سوف يشارك، وبالتالى سيضعف مستوى المنافسة فى البطولة! بل وذهب بعض المغرورين إلى أبعد من ذلك بالحديث عن ضرورة زيادة عدد مقاعد القارة الأوروبية، هذا رغم أن مقاعد القارة هى دائمًا الأكبر على الإطلاق، بما فيها هذه البطولة!
لكن ما رأيناه حتى الآن هو بالفعل أبلغ رد على هؤلاء، فالحقيقة أن الفرق الإفريقية، بل وتلك الجزر متناهية الصغر الواقعة فى الأطلسى والكاريبى، أدت مباريات طيبة، وفى حالة إفريقيا، فإن تسع دول من أصل عشرة تأهلت تمكنت من الوصول إلى الأدوار الإقصائية، وكان الاستثناء الوحيد نسور قرطاج (المنتخب التونسى)، الذى يبدو أنه لم يستعد جيدًا للبطولة، على الأقل من الناحية الفنية. ثم واصلت المنتخبات الإفريقية النتائج المبهرة بتمكن منتخبى مصر والمغرب من العبور إلى دور الـ١٦، وكاد منتخب الرأس الأخضر، المصنف رقم ٦٧ على العالم، أن يقصى المنتخب الأرجنتينى صاحب اللقب فى قطر ٢٠٢٢، بقيادة الأسطورة ميسى، ليخسر بصعوبة شديدة ٢/٣ بعد أداء مبهر وأهداف رائعة حبست أنفاس منتخب راقصى التانجو حتى اللحظات الأخيرة. ولو كانت منتخبات الكونغو والسنغال وساحل العاج أكثر ثقة بالنفس، لكانت تأهلت إلى دور الـ١٦ أيضًا.
هذا ليس أداءً مشرفًا كما اعتدنا أن نقول لعقود، ولكنه بالفعل نتائج جيدة للغاية. والملفت للنظر فى المنتخبات الإفريقية التى تأهلت من دور المجموعات إلى الأدوار الإقصائية، ثم تلك التى ما زالت تكمل المشوار فى دور الـ١٦، أنها لم تكن أبدًا منتخبات النجم الأوحد، فلعبت بروح جماعية كبيرة تُحسب لها ولمدربيها، وخصوصًا أن خمسة منتخبات إفريقية من أصل التسعة التى تأهلت إلى الأدوار الإقصائية كان لديها مدربون وطنيون لا أجانب (مصر، المغرب، الرأس الأخضر، السنغال، وساحل العاج)، وهى ظاهرة إيجابية، فى ظنى، سيكون لها ما بعدها من ظواهر أخرى إيجابية! مع العلم أن تعيين مدرب أجنبى ليس سبة، بشرط أن يكون مدربًا قديرًا وخبيرًا بالفعل، ولطالما وُجد هؤلاء المدربون فى إفريقيا بالفعل، لكن، فى المقابل، شهدنا أيضًا العديد من المهازل فى تعيين مدربين أجانب فقط لأنهم أجانب، وهى عقدة لا بد من التخلص منها.
عربيًا، لم تكن الفرق العربية موفقة كثيرًا، وخاصة منتخبات تونس والعراق والأردن، التى لم تتمكن من الحصول على أى نقطة، وتلقت ثلاث هزائم لكل منها، والمنتخب القطرى، الذى حقق نقطة واحدة وسط هزائم ثقيلة. أما المنتخب السعودى فاكتفى بنقطتين، وكان بإمكانه تقديم أداء أفضل، فيما وصلت منتخبات مصر والمغرب والجزائر إلى الأدوار الإقصائية. ورغم خروج محاربى الصحراء من دور الـ٣٢ بعد أداء ضعيف أمام سويسرا، وإن كان يُحسب للمدير الفنى محاولة تجديد دماء الفريق، فما زالت مصر والمغرب تواصلان المنافسة كممثلين لإفريقيا والعالم العربى.
• • •
وهنا لا بد أن نتوقف عند المنتخب المصرى وإنجازه التاريخى حتى الآن فى مونديال ٢٠٢٦. فالفراعنة بقيادة حسام حسن والملك المصرى محمد صلاح لم يكتفوا بالعبور إلى الأدوار الإقصائية وتحقيق الفوز التاريخى الأول فى كأس العالم، ولكنهم واصلوا المشوار بإقصاء المنتخب الأسترالى بركلات الترجيح بعد التعادل فى الوقت الأصلى ١-١، وسنكون على موعد مع التاريخ مرة أخرى مساء الثلاثاء بتوقيت القاهرة أمام الأرجنتين حامل اللقب بقيادة الأسطورة ليونيل ميسى. كان هناك كثيرون ــ ومن ضمنهم كاتب هذه السطور ــ غير مقتنعين بحسام حسن ولا بقدراته الفنية، ربما كان ذلك بسبب بعض سلوكيات التوأم أثناء مسيرتهما كلاعبين، بل وحتى بعد اعتزالهما. وربما كان الأمر أيضًا متعلقًا بغياب الإنجازات والبطولات عن مسيرته التدريبية مع المنتخب الأردنى، وهو المنتخب الوحيد الذى دربه قبل تدريب مصر من ناحية، وكذلك غياب البطولات خلال مسيرته الطويلة فى قيادة أندية الزمالك وبيراميدز والمصرى وسموحة والاتحاد السكندرى والمصرية للاتصالات والإسماعيلى ومصر للمقاصة ومودرن فيوتشر! وربما أيضًا لأن أول عام ونصف تقريبًا فى مسيرة حسام مع المنتخب المصرى لم يكن ملفتًا للنظر، وكان الأداء الفنى يبدو تقليديًا!
لكنى أحترم الإنسان الذى لديه قدرة على الرد بالعمل لا بالشعارات، حتى ولو كان هذا الرد علىَّ أنا شخصيًا، وهذا بالضبط ما فعله حسام حسن، الذى قدم هذا الأداء التاريخى مع المنتخب وما زال يواصل الحلم. فقد أضاف حسام الكثير للمنتخب، ومن ضمن هذا الكثير عودة الروح والشخصية والهوية لمنتخب مصر، وهو أمر غاب لسنوات طويلة. وكذلك رفع حسام من قدراتنا الفنية، وكان قادرًا على أن يعطى الثقة للاعبين محليين لا يلعبون للأهلى ولا للزمالك، ليس فقط بأن يقوم بضمهم إلى قائمة المنتخب، بل وأن يدفع بهم أساسيين ويكسب الرهان، فقد تألق كل من زيكو ومحمود صابر، بل وسجلا أهدافًا رائعة، ولا شك أن هذه جرأة تُحسب للتوأمين حسن.
• • •
هنا لا بد أن نعود مرة أخرى إلى الحديث عن القارة الإفريقية، فمن غير العدل بعد هذا الأداء وهذه النتائج أن يكون للقارة ٩ أو ١٠ مقاعد فقط، بينما يبلغ عدد المنتخبات الأعضاء فى الاتحاد الإفريقى ٥٤ منتخبًا بنسبة ١٨٫٥٪، فيما تبلغ هذه النسبة، مثلًا، ٢٩٫١٪ فى حالة أوروبا، بل و٦٠٪ فى حالة أمريكا اللاتينية! هذا تمييز واضح وغير عادل، ليس فقط بسبب ضخامة عدد المنتخبات الإفريقية، ولكن أيضًا أخذًا فى الاعتبار عدد اللاعبين الأفارقة المساهمين بقوة فى تطور الكرة الأوروبية على مستوى منافسات الأندية، وعلى رأسهم أسماء بارزة مثل محمد صلاح وأشرف حكيمى وغيرهما كثيرون.
ولعل المفارقة الأكبر أن مونديال ٢٠٣٠ سيقام أساسًا فى ثلاث دول هى المغرب وإسبانيا والبرتغال، مع ثلاث مباريات احتفالية بالمئوية فقط فى أمريكا اللاتينية: واحدة فى أوروجواى، والثانية فى الأرجنتين، والثالثة فى باراجواى. ومع ذلك، فإن المنتخبات الستة جميعها ستتأهل مباشرة إلى البطولة. وبعيدًا عن رمزية الاحتفال بمئوية كأس العالم، فمن الصعب إقناع الأفارقة بأن منتخبات تستضيف مباراة واحدة فقط تستحق التأهل المباشر، بينما قارة كاملة بهذا الحجم وهذا الأداء لا تزال مطالبة بأن تقاتل على عدد محدود من المقاعد.
لذلك، لا بد لمسئولى القارة من إثارة هذا الأمر والضغط على الاتحاد الدولى لتعديل هذا الوضع فى مونديال ٢٠٣٠ وما بعده. لقد جاء وقت مكافأة القارة السمراء، ليس فقط بإعادة أحقيتها فى مقاعد أكبر فى كأس العالم، ولكن أيضًا بالتوقف عن تنظيم مباريات دولية على مستوى الأندية تتعارض مع موعد إقامة أمم إفريقيا، كما حدث مع الأهلى قبل عدة أعوام، والتوقف عن الضغط على الاتحاد الإفريقى لإقامة الأمم الإفريقية كل ٤ أعوام بدلًا من كل عامين! هذا عدم عدل، وعدم احترام، آن الأوان أن يتغير.
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر