عندما يبدع الأدب فى التعبير عن مشاعر المرأة - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الأربعاء 19 أغسطس 2026 8:14 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

عندما يبدع الأدب فى التعبير عن مشاعر المرأة

نشر فى : الأربعاء 19 أغسطس 2026 - 6:40 م | آخر تحديث : الأربعاء 19 أغسطس 2026 - 7:12 م

من ملامح التميز ومن معايير التفوق ومن مظاهر الرقى الفكرى والثقافى عند الحديث عن أى فرع من فروع الأدب الذى ينتجه المبدعون المنتمون إلى أى شعب أو أمة أو إقليم، أو حتى على المستوى العالمى، بل ومن مقومات «العالمية» ذاتها لأى أدب محلى أو وطنى، أن يبزغ ويتألق فى التعبير عن مكنون الفئات المختلفة التى تشكل هذا الشعب أو هذه الأمة، فيدخل تحت هذا العنوان العريض على سبيل المثال لا الحصر ما يسمى «أدب المرأة» وكذلك «أدب الشباب»، وغيرها من فصائل الأدب التى تنجح فى التعبير عن وجدان ومشاعر وعقل فئة اجتماعية معينة تشكل جزءًا لا يتجزأ من نسيج أى شعب وأى أمة.

وبالنسبة لأدب المرأة مثلًا، فهناك أدباء وروائيون وقصاصون كان الفضل الأول لشهرتهم، سواء داخل أوطانهم أو أقاليمهم اللغوية أو الجغرافية، أو على الصعيد العالمى بأسره، نجاحهم فى التعبير عما يدور فى عقل المرأة من أفكار وعما يجول بخاطرها من طموحات، وعما يجرى فى خيالها من أحلام، وعما تعانيه فى حياتها من جهة من آلام ومعاناة وإحباطات، وما تحققه من جهة أخرى من نجاحات وإنجازات، سواء فى حياتها الشخصية أو الأسرية أو الاجتماعية، وعما يختلج فى صدرها من مشاعر، وعما يتبلور فى وجدانها من تصورات ورؤىً ومواقف تجاه الحياة من حولها على كافة الأصعدة والمستويات وتجاه من تتعامل معهم، سواء داخل الأسرة، أو على مستويى الدراسة أو العمل، أو على مستوى السياق الاجتماعى بشكل عام بكل ما يشمله ذلك من أنماط متعددة ومتنوعة للتفاعل مع «الآخر»، والذى قد يكون بدوره أيضًا رجلًا أو امرأة أو طفلًا أو طفلةً أو شيخًا أو شيخةً أو شابًا أو شابةً.

ولا يمثل الأدب العربى استثناءً من القاعدة المشار إليها فى الفقرة السابقة، وبالطبع يأتى الأدب المصرى ضمن طليعة الأدب العربى فى هذا الصدد، ومنذ نشأة الأدب المصرى والعربى فى طوريهما الحديث والمعاصر، وجدنا أمثلة كثيرة لأدباء شبان أو رجال وأديبات شابات أو سيدات تميزوا وأبدعوا فى التعبير عن مشاعر المرأة، سواء فى محيطهم المحلى الضيق، أو فى مجتمعهم الوطنى على وجه الخصوص أو فى سياق المستوى العربى ككل، أو بشكل مقارن بين أكثر من بلد عربى واحد، سواء فى إطار روائى أو قصصى متميز. وكان التميز مفتاح دخول هؤلاء الأدباء إلى مصاف الشهرة، سواء على مستوى النقاد أو على مستوى القراء والجمهور العام، فى بلدانهم وفى الوطن العربى عمومًا وبين صفوف الجاليات العربية فى الخارج، وكذلك مهد ذلك التميز الطريق أمام هؤلاء الأدباء والأديبات لاكتساب صفة العالمية شكلًا وموضوعًا.

ولا يتسع المجال هنا بالتأكيد لتناول كل هؤلاء الأدباء، من الرجال والنساء على حد سواء، من المصريين والعرب الذين شهد لهم القراء والنقاد والمتخصصون، داخل بلدانهم وعلى امتداد الوطن العربى وخارجه، بالنبوغ والتألق والإبداع فى تصوير مشاعر المرأة المصرية والعربية، فى أعمالهم الروائية أو القصصية، وذلك مع الإقرار بالطبع بتنوع حالات وظروف وخصوصيات المرأة العربية ما بين مجتمع عربى وآخر، وحتى داخل كل مجتمع عربى، بحسب الخلفية الاجتماعية، ما بين الريف والحضر، وبحسب الفئة العمرية للمرأة، وبحسب درجة تعليمها، وكذلك بحسب ما تقوم به من عمل، وبحسب الطبقة أو الشريحة الاقتصادية والاجتماعية التى تنتمى إليها، وبحسب وضعها الاجتماعى كامرأة متزوجة أم غير متزوجة أو أرملة أو مطلقة، وبحسب درجة تعرفها على أنماط الفكر والحياة خارج وطنها وخارج حدود الوطن العربى الكبير ومدى ومقدار انفتاحها على آفاق إنسانية عالمية أرحب.

إلا أننا نذكر هنا، وفقط على سبيل المثال لا الحصر، من الأدباء الرجال كلًا من عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، وصاحب جائزة نوبل الأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ، والأديب الكبير الراحل توفيق الحكيم، والأديب الراحل الكبير الدكتور يوسف إدريس، والأديب الراحل الكبير يحيى حقى، والأديب الفلسطينى الراحل الكبير غسان كنفانى، والأديب اللبنانى الراحل الكبير جبران خليل جبران، والأديب المصرى الراحل الكبير فتحى غانم، وذلك بالإضافة أيضًا إلى عدد من الأدباء المنتمين فى مصر إلى ما يسمى بجيل الستينيات، مثل الراحلين الأساتذة جمال الغيطانى وعبد الحكيم قاسم وصنع الله إبراهيم، ومن الأحياء الأستاذ يوسف القعيد.

وعلى الجانب الآخر، نذكر من الأديبات النساء، أيضًا على سبيل المثال لا الحصر، الأديبات الراحلات الكبيرات الأديبة الفلسطينية اللبنانية مى زيادة، والأديبة الجزائرية فاطمة الزهراء إيمالهايين المعروفة باسم آسيا جبار، والأديبة والكاتبة المصرية الدكتورة نوال السعداوى والكاتبة المصرية فتحيه العسال والأديبة المصرية رضوى عاشور، ومن الأحياء الأديبات السورية غادة السمان والمصريتين سلوى بكر وميرال الطحاوى، والجزائرية أحلام مستغانمى.

وبالإضافة إلى ما تقدم، فقد صدر فى الفترة الأخيرة رواية جديدة تتألق وتتميز فى محاولة الوصف والعرض والتحليل والتقييم الدقيق والعميق لمشاعر المرأة للأديب والروائى الكبير السفير محمد توفيق، وهى رواية «موعد مع كلونى»، وهى رواية تتناول ثلاث حالات للمرأة فى المجتمع المصرى تحديدًا، وبشكل أكثر خصوصية فى سياق الشرائح العليا من الطبقة الوسطى فى هذا المجتمع، وما يجمعهن من زمالة دراسة وصداقة عمر، وهو تناول هام فى حد ذاته، ولكنه أيضًا لا ينفى عن هذه الرواية أهميتها فى أن ينطبق ما ورد فيها على شرائح اجتماعية أخرى مختلفة داخل المجتمع المصرى أو ربما أيضًا على شرائح اجتماعية مماثلة أو مختلفة فى مجتمعات عربية أخرى، أو ما بين صفوف عرب المهجر المقيمين خارج حدود الوطن العربى الكبير.

وبالرغم من أن الرواية تبدو واضحة فى تناول مشاعر المرأة تجاه الرجل، باعتباره الطرف الآخر فى العلاقة العاطفية بين الجنسين، سواء كزوج أو كحبيب أو حتى كشخص مجسد ومعشوق فى خيال المرأة، بدون وجود أى معرفة أو صلة فعلية أو علاقة حقيقة مع هذا الشخص على أرض الواقع، فإن الرواية فى مضمونها، تتجاوز هذه الفكرة المركزية إلى تناول العلاقات فيما بين المرأة والمرأة، سواء المنتميات إلى نفس الفئة العمرية ونفس الخلفية الاجتماعية والانتماء الطبقى، كزميلات دراسة منذ الصبا، أو كصديقات عمر، تعبر كل منهن للأخرى عن بعض أو جزء مما يدور فى خلدها أو ما يعتريها من مشاعر أو ما تمر به من تجارب، وحتى إن كانت مثل هذه العلاقة بها قدر، ولو غير محسوس وغير معلن أو كامن فى اللا شعور، من الغيرة والشعور

بالتنافس والرغبة فى التميز عن الأخرى، ثم تتناول الرواية أيضًا مشاعر المرأة تجاه أقرب النساء إليها وهى الأم، وكذلك العلاقة بين المرأة ومن تساعدها فى أمورها المنزلية، والتى تنتمى إلى خلفية طبقية وتعليمية مختلفة تمامًا عنها.
إلا أن رواية «موعد مع كلونى» للأديب والروائى الكبير السفير محمد توفيق لا تتوقف فى تناولها عند حدود تناول مشاعر المرأة تجاه علاقتها مع الرجل كطرف فى علاقة عاطفية أو زوجية أو علاقة فى مخيلة المرأة، أو على العلاقة فيما بين المرأة والمرأة، بل تتجاوز ذلك لتتناول تلك العلاقات من المنظور الأوسع، وهو طبيعة نشأة المرأة فى محيط أسرتها وتوصيفها لنمط علاقاتها مع بقية أفراد الأسرة، ثم فى محيط مجتمعها وطبيعة رؤيتها وتفسيرها للنظرة إليها من جانب الرجل، كزميل عمل أو كجار أو كصديق أو غير ذلك، وشعور المرأة ذاتها تجاه هذه البيئات المحيطة بها وتعاملها معها، سواء من حيث وضع القيود عليها ومدى قدرتها على التحرر أو الفكاك منها أو من بعضها أو قدرتها على التأقلم مع هذه القيود أو تكييفها لتوجه ناحية توظيفها لخدمة رؤية المرأة ذاتها لما ترى فيه سعادتها ومصلحتها، وكذلك ما تواجهه فى تلك البيئات المحيطة بها من فرض رقابة، بدرجات متفاوتة تختلف ما بين حالة وأخرى، ليس فقط على سلوكياتها، بل وعلى مشاعرها ذاتها.

وعبر هذه الرواية، تتأكد مجددًا حقيقة أن الروائى والكاتب الكبير السفير محمد توفيق قد تفوق على ذاته فى الإجادة والتميز فى فكره وجهده وإبداعه لإخراج هذه المشاعر لبطلات روايته الثلاثة وترجمتها إلى أفكار وسلوكيات وتفاعل، وأنه بذلك يعيد تأكيد كونه واحدًا من كوكبة من الأدباء والروائيين والقصاصين المبدعين، خاصة من بين صفوف الرجال، فى المسيرة الطويلة للأدب المصرى والعربي، خاصة فى مراحله الحديثة والمعاصرة، الذين تفوقوا وبرزوا وأبدعوا فى التعبير عن مشاعر المرأة، وطرحوا وجهة نظرهم فى جانب أو آخر من تلك المشاعر عبر شخوص بطلات رواياتهم، وسعوا إلى إبراز كيف أن مثل هذه المشاعر ناتجة عن خضم تفاعل أفكار وأحاسيس وأحلام وطموحات للمرأة، داخل ذاتها أولًا، ثم مع دوائر ومتعددة ومتنوعة، وأحيانًا متناقضة فيما بينها، محيطة بها.

ولا شك أن الصدق فى التعبير عن مشاعر المرأة والمحاولة الجادة والمتعمقة للتعرف على مكنون تلك المشاعر من الداخل، وليس افتراض أو فرض هذه المشاعر عليها من الخارج، أمر ليس باليسير على الأدباء الرجال، بل أحيانًا لا تستطيع إجادته بعض الأديبات النساء أنفسهن، ولكن الأديب والروائى الكبير السفير محمد توفيق قدم لنا فى رواية «موعد مع كلوني» رؤية لها زاوية خاصة بها، تستحق التأمل والتفكير والنقد، بما يتضمنه ذلك من مساحة واسعة للاتفاق والاختلاف، مع الإقرار بالقدرات الإبداعية الفائقة للمؤلف، والتى تجلت فى هذه الرواية من خلال انعكاسها على الموضوعات التى عالجتها وخصائص شخصياتها وأنماط التفاعلات وتغيراتها، بل وتحولاتها، فيما بين تلك الشخصيات.

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات