حسن مدن
حين نشر فيكتور هوجو روايته «أحدب نوتردام» عام 1831، جعل من الكاتدرائية التى حملت الرواية اسمها شخصية أساسية فيها، بل إن عنوانها الفرنسى الأصلى ليس «أحدب نوتردام»، كما عرفناها فى الترجمة العربية، وإنما «نوتردام دو بارى»، أو «نوتردام باريس»، وتدور أحداثها فى باريس أواخر القرن الخامس عشر، حيث تتشابك مصائر كوازيمودو وإزميرالدا وكلود فرولو مع فضاء الكاتدرائية وأحيائها وشوارع المدينة.
كوازيمودو هو الشخصية التى التصقت باسم الرواية فى الذاكرة، لكن الكاتدرائية هى الشخصية الأكثر حضورا. يعيش كوازيمودو فيها، يراقب باريس منها، ويتحرك بين أبراجها وأصوات أجراسها، وكأن البناء الحجرى يمنحه المكان الذى لم تمنحه له المدينة، فالرجل الذى يجده الآخرون قبيحا يجد جماله الإنسانى داخل بناء يراه الناس مقدّسا، فالقبح قد يكون أحيانا فى عين من ينظر، لا فى الشىء الذى ينظر إليه.
لم يكن هوجو يفكر فى شخصيات رواياته فقط. كان يفكر فى نوتردام نفسها، فى تاريخها، وفى العمارة القوطية التى كانت فى زمنه مهددة بالإهمال والتغيير والهدم، حتى إن تاريخ نوتردام الرسمى يربط بين صدور الرواية عام 1831 ونشوء حركة للحفاظ عليها. قبل سنوات، كانت الكاتدرائية التى ارتفعت فى قلب باريس قرونا طويلة تبدو فى الصور التى تناقلها العالم كأنها تموت أمام أعين الجميع. ألسنة اللهب تلتهم السقف، والدخان يتصاعد من قلب البناء، والبرج الشهير ينهار. ليس كل الذين صدموا بالحريق زاروا المكان ورأوه بأم أعينهم، لكن كثيرين منهم، إن لم تكن غالبيتهم، يعرفون اسم الكاتدرائية من خلال رواية هوجو التى خلّدتها السينما، فمن لم يقرأ الرواية شاهد حكايتها على الشاشات عبر واحد من الأفلام المتعددة التى استوحت أحداثها. وعندما أعيد افتتاح نوتردام فى ديسمبر 2024، بدا الأمر كأن باريس تستعيد جزءا من ذاكرتها لا مجرد مبنى من مبانيها.
فى الخامس والعشرين من سبتمبر الماضى، قصد البابا ليو الرابع عشر الكاتدرائية وترأس فيها صلاة الغروب. كان المشهد مختلفا عن صور عام 2019: لا نار ولا دخان ولا خشب مشتعل، وإنما ضوء يتسلل عبر الزجاج الملون، وأقواس استعادت بريقها.
سيظل اسم فيكتور هوجو وروايته حاضرين كلما حضرت الكاتدرائية التى أعاد التاريخ تسليط الضوء عليها غير مرة، فى تذكير بأن الأدب العظيم يمنح الأماكن حياة تتجاوز الزمن.
جريدة الخليج الإماراتية