ما ألطف هذه الشمائل! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 3 أكتوبر 2026 8:31 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

ما ألطف هذه الشمائل!

نشر فى : السبت 3 أكتوبر 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : السبت 3 أكتوبر 2026 - 7:20 م

فى هذه الرواية تخرج الحياة من قلب الموت، ويولد الرجاء من رحم اليأس، ويجد الإنسان من يمنحه بلسمًا يخفف الألم. يحدث ذلك بمزيج بين واقع صعب خشن، وخيال عذب رقيق، فكأننا أمام الحياة من زاويتيها: المرة والحلوة، وكأنها معادلة مستمرة من البداية حتى النهاية.
الرواية الصادرة عن دار الشروق بعنوان «اسمها حياة»، كتبها مؤلفها أحمد صبرى أبوالفتوح برهافة جديرة بحكايتها، مستقطرًا حكمة الحياة والموت، ومنتصرًا للأمل رغم الاختبار الصعب، ومزاوجًا بين الواقعية والرومانسية، عبر تفاصيل إنسانية مؤثرة ومدهشة.

وإذا كان صاحب «ملحمة السراسوة» قد كتب فيها عن صناعة الحياة من خلال عائلة تتوارث الكدح والبناء، على اختلاف العصور والأزمنة، فإن رواية «اسمها حياة» تدافع أيضًا عن منطق الحياة، وتستعيد دواء الحب فى مواجهة داء المرض العضال، وتجعل من انتظار الموت فرصة للاكتشاف، ومناسبة لاستعادة ألوان العاطفة المفقودة.

هى -إذن- الحياة مرة أخرى، ولكن فى صورة «ملحمة فردية» تخص بطلها القاضى الذى أصيب بسرطان الكبد، وهو فى الخامسة والستين من عمره، فتمسّك بالأمل فى علاج تجريبى فى أمريكا، ولكنه يعود مصحوبًا برأى الطب الصارم: عليه أن ينتظر الموت ما بين شهرين إلى ستة أشهر، وعليه أن يواجه آلامًا مبرّحة بالمسكّنات، ولذلك يقرر الرجل أن يعود إلى بيت الأسرة فى قريته، ليكون قريبًا من قبره.

يأتى انتظار الموت حاملًا معه ذاكرة الماضى بأكملها، لكنه يأتى أيضًا حاملًا معه مفاجأة غير منتظرة: قريبة اسمها «حياة»، متعلمة وفقيرة وأرملة لزوج مات بنفس المرض، تعمل كممرضة للقاضى فى محنة مرضه مقابل المال، لكن الفتاة تحرّك تستعيد العاطفة والحياة داخل المريض، وفى لحظة اختيار وصراع، سيكون على القاضى أن يتخذ قرارات خطيرة، وهو يواجه الموت بالحياة.

هذا هو الإطار العام للحكاية، ولكن الرواية هى بناؤها، وتفاصيلها، وأسلوب كتابتها، والعلاقات الاجتماعية والنفسية والعاطفية التى تتكون مثل خيوط ثوب نُسج على مهل، مع توازن دقيق مرهف بين تأملات العقل، واكتشاف العاطفة، وبين هواجس ومخاوف الموت، وبهجة الحب، والتمسك بالأمل.

يمتلك القاضى ناصية السرد، يحكى بأسلوب جزل ورصين، يبدأ برحلة العودة إلى القرية، مستعيدًا لحظات رحلة أمريكا، ومقدّمًا لعائلته ومحيطه الاجتماعى، وهنا يلفت نظرنا إلى أن بطلنا ابن أسرة صنعت الحياة وسط ظروف شاقة، جده فقير، ووالده استفاد من الإصلاح الزراعى، وإذا كان شقيق القاضى أقرب إلى شيطان متطرف دينيًّا، فكأنه موت آخر، وإذا كان القاضى قد انفصل عن زوجته المتعالية طبقيا، فإنه ينعم بأخت متفهمة، هى من ستقوده إلى عالم حياة، ولديه كذلك ابنة وفية مخلصة، تساعد والدها فى محنته.

يؤسس السرد -منذ البداية- على هذه العلاقة المتداخلة بين الموت والحياة، فى أمريكا وفى القرية يظهر طيف رجل يطارد القاضى لا نشك فى أنه ملاك الموت، ولكننا نعرف أيضًا أن بطلنا يستعيد أغنيات جميلة حفرت عميقًا فى ذاكرته، ويحمل كل فصل من فصول الرواية بيتًا من قصيدة البهاء زهير البديعة «يا من لعبت به شمول»، نسمعها موشحًا جميلًا، يخفف كثيرًا من لحظات الألم.

وبينما يصاب كبد بطلنا بالمرض العضال، فإن لمسة يد حياة تخفف من هذه القسوة، تعطيه الدواء والحقن، ثم تمنحه الحب، فيتحقق الموشح القديم الذى أحبه بطلنا فى سالف الأيام:

يا من بوصاله يداوى الكبدا

ما تفعله اليوم ستلقاه غدا

يُصاب الرجل مرتين: مرة بالمرض القاتل، ومرة بالحب الشافى، فيختبر الموت والحياة فى موقفٍ واحد، أما «حياة»، فهى الشخصية الوحيدة التى تمتلك اسمًا فى الرواية، لأن كل الشخصيات دون أسماء.
رمزية اسم «حياة» واضحة، ولكن يستوقفنا أنها تخصصت فى مواجهة الموت، ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، حدث ذلك مع زوجها الأول الذى ترك لها أولادًا ثلاثة تكدح فى تربيتهم، وها هى تستعيد الحياة من قلب الموت مع القاضى، ولكنه سيمنحها ما يجعلها قادرة على الاستمرار، وسيكافئ امرأة رحلتها كبيرة، وخيباتها أكبر.

لعلها إيزيس جديدة تلملم شتات من تحب، وتبعثهم رمزيا ومعنويا، فإذا صرخ القاضى فى لحظات بعث ورجاء: «يا حياااااة»، صارت هذه المرأة عنوانًا على الميلاد، وإلهامًا يتجاوز الشخصية الواقعية، رغم دقة وبراعة رسم معالم تفاصيلها.
فى مستوى آخر، يمكن أن نقرأ حكاية القاضى المريض باعتبارها رحلة انتقال من «الزمن المجرد الذى يجرى غير عابئ بشىء»، إلى «الزمن المحسوس الذى نشعر به ونقرنه بالأحداث»، وصولًا إلى «الزمن الشعورى الذى ملؤه الخيال والأمل».

الزمن الأخير هو الزمن الذى أضافته حياة، فالرجل يمتك عقلًا وإرادة يجعلانه قادرًا على ترتيب العالم، وتقسيم ثروته، ومواجهة قسوة أخيه، ولكنه كان يفتقد الخيال والأمل، هذه اللحظات أوقفت تقدّم المرض، وهذه الساعات هى الحياة الحقيقية التى جاءت وهو ينتظر الموت.

وإذ تبدو العائلة على وشك التفكك، خاصة مع دور الأخ الشيطانى، فإن ظهور «حياة» يستعيد العائلة فى صورة أخرى، سواء عائلة القاضى، أو عائلة حياة وأولادها.

هذه -إذن أيضًا- حكاية محنة ومرض استعادا العائلة بطريقة سحرية، وفى أعمال أحمد صبرى أبوالفتوح تبدو العائلة كيانًا راسخًا يستحق الدفاع عنه، وتظهر تنويعات كثيرة تؤكد هذه الفكرة المحورية. فانظر كيف يعود الفرد لكى يخدم الجماعة، وكيف يواجه سهم الحب سهام المرض، وكيف يخفف الأمل من الألم، وانظر وتأمل كيف تصبح المحنة منحة للتأمل، واكتشاف الجسد والعاطفة، وإعادة تركيب الذاكرة الشخصية والعائلية والوطنية.
الرواية أيضًا تعيد الاعتبار إلى المرأة بوصفها الحياة فى ذاتها:

فإذا كانت زوجة القاضى قد تركت ابنتها وزوجها، فإن الأنثى الوفية المعطاءة تعود فى صورة الأم، والأخت، والابنة، وفى هيئة «حياة» بكل فيض عطائها وصبرها، وحضورها الجسدى والعاطفى.
حقًّا.. ما ألطف هذه الشمائل التى أخذتنا إليها رواية «اسمها حياة»، من ظلام الياس، إلى أنوار الأمل والرجاء!

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات