الواقع عبر نظّارة الوهم! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 7 نوفمبر 2026 7:28 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

الواقع عبر نظّارة الوهم!

نشر فى : السبت 7 نوفمبر 2026 - 6:00 م | آخر تحديث : السبت 7 نوفمبر 2026 - 6:00 م

 

يتأرجح عالم هذه الرواية بين الشك واليقين، وبين الواقعى والافتراضى، وبين الحقيقى والمتوهَّم، وبينما يسافر بطلها فى رحلة عمرها ثلاثة أيام باستخدام الذكاء الصناعى، فإن أسئلتها من جديد هى أسئلة الإنسان، وغايتها البحث عما يُذهب السأم والملل، وما يعيد للمغترب الونس والإرادة، وما يكشف للفرد عن نفسه وقدراته، فكأنها رحلة إلى الذات قبل كل شىء.

الرواية الصادرة عن مكتبة ديوان بعنوان «صفر فاصل خمسة»، ومؤلفها أحمد القرملاوى يختار لبطله اسمًا يذكرنا برواية «الشحّاذ» لنجيب محفوظ. بطلنا اسمه «عمر الحجّاوى» على وزن اسم بطل محفوظ الذى يحمل اسم «عمر الحمزاوى».

الاثنان يخوضان رحلة بحث بعد أن حاصرهما الملل والقلق واللا معنى، رغم النجاح المادى، ورغم وجود الأسرة، ولكن رحلة الحجّاوى عصرية بامتياز؛ لأنها ضمن برنامج بالذكاء الصناعى، يدخلك إلى عالم افتراضى بالكامل، تعيش فيه بهوية أخرى، وتمارس فيه ما لم تفعله فى حياتك، وتتحرر فيه مما يثقلك، أى إنها حياة موازية تمامًا، يمكن العودة منها فى أى وقت.

ألعاب الرواية متعددة الأوجه، أولها وضع عمر الجديد، والقارئ معه، فى حالة بين الشك واليقين. عنوان الرواية يعبّر رمزيّا عن الغموض والالتباس، والبرنامج يحمل كلمة «أخوية» لاستعادة إحساس الحميمية المشتركة، ولكننا طوال الرحلة فى حالة مراوحة بين العالمين، وفى انتقالات بين هويتين ومكانين وعالمين، بين شقة فى المقطم، ومدينة فى  مونتينيجرو  تستضيف مهرجانًا لاستعراض قدرات لاعبى السيرك، وسيعرف عمر من خلال سلمى، مرشدة البرنامج، أنه سيختبر مشاعر الحب والفقد والتيه، وأن الذكاء الصناعى سيستفيد من مشاعره وقراراته البشرية، بينما تترجم الخوارزميات رغبات عمر وميوله.

اللعبة الثانية فى الرواية هى أن تورِّط عمر فى هذا العالم الافتراضى الموازى، وإن بدا هروبًا من عالمه المغلق المحدود، إلا أننا نكتشف تدريجيّا أنه سيعيده فى النهاية إلى الذات، وإلى زوجته هانيا، التى سترافقه فى الرحلة دون أن يدرى، فكأن الوهم يعيده إلى الحقيقة، ولكن بعد أن اكتشف نفسه، وبعد أن منحته الحكاية والرحلة ذلك المعنى المفقود فى الواقع.

هى – إذن – رحلة إلى الداخل بالأساس، يظن عمر فى بدايتها أنها تُدار عبر إرادة الذكاء الصناعى، ولكنه يكتشف فى نهايتها إرادته هو، فكل ما شاهده فى هذا العالم لم يكن إلا تجسيدًا لأفكار ورغبات لم يحققها، وما تجسّد للزوجة «هانيا» أيضًا هو حصاد رغباتها وأفكارها، فلا هروب من الذات، ولا إرادة تعلو على رغبة الإنسان، بشرط أن يعرف ذلك، وبشرط أن يحاول أن يتغيّر.

بدا لى أن باتريشيا، فتاة السيرك التى عرفها عمر فى طائرة إسطنبول، والتى أظهرت مهارة خارقة أمام الجمهور، والتى كافح عمر من أجل إنقاذها من الغرق، ثم فشل، ثم عادت إلى الحياة كفائزة أولى فى المهرجان، لم تكن سوى صدى لرغبات عمر المقيدة بمنصبه الكبير، كمدير للموارد البشرية فى شركة متعددة الجنسيات. هى حريته المفقودة بإرادته، والمستردة افتراضيا عبر نظّارة الرؤية، التى تمثّل عجلة الزمن والمكان المعاصرة، والتى نظن أنها تفصل الإنسان عن نفسه، بينما هى فى الرواية مرآة كبيرة تعكس رغباته، وتحرّر إرادته، وتمنحه التجربة التى يخشاها. قد يخاف ويقلق ويقف على الهاوية، ولكنه لن يتألم أو يتورط حتى النهاية؛ لأنه يمتلك مفتاح العودة.

عمر الجديد، وهذه لعبة ثالثة، أقرب إلى فنان يرسم حياته بالحقيقة والوهم معًا، هكذا يستفيد كل فنان من المادتين، فى الرواية لا يبدو الأمران متضادين، أو على طرفى نقيض، بل هما متكاملان وضروريان للخلاص.

الحكاية عمومًا لا ترى فى العالم الافتراضى بديلًا للواقع، بل امتدادًا له، ولا تشيطن الذكاء الصناعى، بل تراه مساعدًا ومعاونًا، إنها عوالم موازية تشبه الأحلام، ولكنها أطول وأكثر تعقيدًا؛ لأنها تجعل من الحالمين أبطالًا فاعلين.

عمر الحمزاوى، فى رواية محفوظ، كانت حيرته الوجودية أكثر إيلامًا، وكوابيسه تماثل هذه الرحلة الافتراضية عند القرملاوى. لا توجد أحلام أو كوابيس فى رواية «صفر فاصل خمسة»؛ لأنها جميعًا عادت لتتجسد فى العالم الموازى وشخصياته وغرائبه وأحداثه التى تلامس حدود السريالية أحيانًا.

لعلها – فى النهاية – رواية الثقة فى الإنسان، رغم أنه أكثر الكائنات تقلبًا وتناقضًا، فرغم حضور الذكاء الصناعى ، فإن  هو الذى يتعلّم لكى يحاكى العواطف البشرية المعقّدة، ورغم أن برنامج رحلة الخلاص مصنوع عبر تقنيات هذا الذكاء، ورغم أن سلمى شخصية افتراضية، فإن الحجّاوى يغيّر مصيره، وسلمى تعود كشخصية واقعية، ورغم أن الجانب الوحشى فى عمر يقوده إلى الانتقام الأعمى، فإن هانيا تستعيده لها ولأسرته.

لا حلول خارج الذات، ولا مهرب منها إلا إليها، كل ما فى الأمر أن العالم المغلق داخل العقل قد تجسّد واقعًا افتراضيا، أما الذكاء الصناعى فى الرواية فهو لا ينوب عنك، وإنما يقدّم لك الخيارات، فنعود من جديد إلى مأزق الاختيار الإنسانى، وإلى مسئوليته أيضًا.

عندما يتورط القارئ فى عالم  مونتينيجرو  الافتراضى، ثم يعود إلى شقة المقطم، فإنه يتعلّم مثل عمر الحجاوى أن يمارس اللعبة الموازية مع ذاته، ويعرف فى كل الأحوال أن تلك المساحة الملتبسة بين الوهم والواقع قد تكون طريق الوصول، وليست من أدلة التيه والضياع.

يحقق الوهم والحلم تعادلية تخفف من أثقال الواقع الذى نعيشه، بشرط أن نعرف كيف نعود. روايتنا تقترح أن نستغل هذه التعادلية، وأن نطارد السأم بالفعل، سواء فى العالم الافتراضى، أو فى عالمنا الواقعى.

لا أتفق مع القرملاوى فى أن الانتقام من تجليات الحب؛ لأنه فى الحقيقة من عناوين الكراهية والشر، ولكنى أحببت لعبته فى أن يكون عالمك الافتراضى انعكاسًا لذاتك الأسيرة، وأن تكون مسئولًا فى العالمين: الموازى والواقعى. الكرة فى ملعب الإنسان، حتى إذا أراد التخلص منها، ستعود إليه من جديد، مللًا وفعلًا، واقعًا ووهمًا، ولا خلاص سوى عبر المواجهة والسؤال.

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات