قرنان على البعثة الأولى! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 7 نوفمبر 2026 7:27 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

قرنان على البعثة الأولى!

نشر فى : السبت 7 نوفمبر 2026 - 6:05 م | آخر تحديث : السبت 7 نوفمبر 2026 - 6:05 م

(1)

قبل قرنين من الزمان، أدرك حاكم مصر آنذاك محمد على باشا (1805-1848)، وقد كان فى ذروة تأسيسه للدولة الحديثة، وفى القلب منها جيش نظامى قوى، أنه لا سبيل إلى قوة عسكرية ولا إلى «تحديث» أو تمدن أو عمران بدون الأخذ بأسباب السعى إلى تحقيق هذه الأهداف. وكلمة السر هى «العلم»، ولا شىء آخر سوى العلم، حتى لو كان السعى لهذا العلم فى شقه العملى والنفعى المباشر!

ومن هنا اتخذ محمد على قراره بابتعاث مجموعة من المصريين إلى فرنسا لدراسة ما يلزمهم من العلوم الحديثة، والعودة بهذه المكتسبات لتعليم غيرهم، وإعداد كوادر جديدة مؤهلة للقيادة والإدارة. وكانت البعثة الأولى إلى فرنسا فى عام 1826، سافر ما يقرب من أربعين مبعوثًا، جلهم من الضباط، وسافر معهم شيخ أزهرى صغير السن لم يكن عمره قد جاوز الخامسة والعشرين. شاب خجول ورع، تبدو عليه أمارات النجابة والنبوغ، ولم يكن له أن يسافر مع البعثة إلا بدفع وترشيح من أستاذه وشيخه الجليل، الشيخ حسن العطار (1766-1835).

تغير وجه مصر بالكلية، وتغيرت حياتها ومسارات «التحديث» فيها وحركة البناء والعمران والتعليم بفضل هذا الشيخ (ورفاقه)، الأزهرى صغير السن، الذى سنعرفه باسم الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى (1801-1873)، إمام النهضة ورائدها، وشيخها وصاحب الفضل الأول فيها.

(2)

وقد أسعدنى أن أحضر لقاءً رائعًا بمناسبة الاحتفال بهذا الحدث الكبير؛ احتفال معرفى رصين، دُعى فيه الأستاذ بالسوربون، والكاتب والصحفى الكبير الدكتور أحمد يوسف، عضو المجمع العلمى المصرى، ومراسل جريدة «الأهرام» ورئيس مكتبها الأسبق بفرنسا، إلى إلقاء ثلاث محاضرات حول هذه المناسبة، وتفاصيلها التاريخية، ونواتجها المعرفية و«التحديثية». وكان من حظى حضور «الثالثة» منها بدعوة كريمة من الكاتب والإعلامى الأستاذ أحمد المسلمانى، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، الأسبوع الماضى بماسبيرو.

الموضوع العام أو الإطار العام للمحاضرات الثلاث هو ذكرى مرور 200 عام على إرسال أول بعثة تعليمية مصرية إلى فرنسا عام 1826، والتى أطلقت موجة التنوير الكبرى فى التاريخ المصرى المعاصر. وأُقيمت المحاضرة الأولى فى المركز الثقافى الفرنسى بالإسكندرية، فيما عُقدت المحاضرة الثانية بجريدة «الأهرام»، وقد قدم لها وأدار الحوار حولها كاتبنا الكبير الأستاذ محمد سلماوى. أما المحاضرة الثالثة والأخيرة، فعُقدت بماسبيرو، وبرعاية وتنظيم قناة النيل الثقافية؛ بجهد مشكور من القائمين عليها.

والحقيقة أننى ممتن لهذه الدعوة؛ لأنها أتاحت لى الاستماع إلى محاضرة قيمة غاية فى الثراء والخصوبة، وأضاءت مناطق خفية فى تاريخ هذه الفترة الحيوية من تاريخنا الحديث والمعاصر، وما أصعب التأريخ للأحداث المرتبطة بالعلم والنهضة والتحديث الفكرى والثقافى قبل التحديث المادى والعمرانى.

تفاصيل غاية فى الأهمية كشف عنها المحاضر القدير حول رفاعة الطهطاوى، وملابسات اختياره ضمن البعثة الرسمية الأولى (1826-1831) التى أوفدها محمد على إلى فرنسا (بترشيح ودفع من أستاذه الجليل الشيخ حسن العطار)، وعن حماسة أستاذه الفرنسى مسيو جومار له، ودوره الكبير فى رعايته والاهتمام به، ودفعه دفعًا للقيام بدوره العظيم فى مشروع «التحديث» الأول الذى قاده الباشا محمد على.

(3)

عرض الدكتور أحمد يوسف فى محاضرته القيمة للأبعاد المعرفية والسياسية التى دفعت محمد على إلى توجيه بوصلته نحو فرنسا (وليس بريطانيا مثلًا)، متأثرًا بتجربة نابليون بونابرت فى تطوير الجيش، والاهتمام بالعلوم الفرنسية، ونقل كل هذه التجارب ليجعل من «باريس» وجهة رئيسية لنقل المعرفة، واستقاء الخبرات اللازمة لبناء الدولة المصرية الحديثة، خلال فترة حكمه الممتدة بين عامى 1805 و1848.

وكشف الدكتور يوسف عن أن البعثة الأولى إلى فرنسا أثمرت عن أسماء مهمة شكلت حجر الزاوية فى النهضة، وفى مقدمتها الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى (1801-1873)، صاحب الأثر الأدبى والفكرى البارز «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز».

وإن لم يقلل ذلك أبدًا من دور مبعوثين آخرين من رفاق رفاعة فى البعثة، فقد أكد الدكتور يوسف دور مهندسين ومبعوثين مصريين نوابغ آخرين؛ مثل محمد بهجت، وإسماعيل مظهر، وغيرهما، ممن ساهموا - فور عودتهم إلى مصر - فى إنجاز مشروعات قومية كبرى، من بينها مشروع القناطر الخيرية الكبير، إلى جانب استعراض دور المستشرق والجغرافى الفرنسى الشهير المسيو «إدمى فرانسوا جومار»، الذى شارك فى إعداد وتحرير موسوعة «وصف مصر» التى جُمعت مادتها إبان الحملة الفرنسية (1798-1801)، وكان من الشخصيات الفرنسية البارزة التى دعمت البعثات التعليمية، ورعت المبتعثين المصريين.

وقد أعجبنى التفات المحاضر الكريم إلى تأطير المسار الزمنى لإرسال البعثات خلال فترة حكم الأسرة العلوية، ومحطاته المفصلية، موضحًا أن الذروة التاريخية لتلك الانتقالات العلمية تحققت على ثلاث مراحل رئيسية: عهد محمد على (1805-1848)، ثم فترة حكم الخديو إسماعيل (1863-1879)، الذى شارك شخصيًا فى شبابه ضمن «بعثة الأنجال» إلى فرنسا، وفيها تأثر بالنمط المعمارى والثقافى الفرنسى، وصولًا إلى فترة حكم الملك فؤاد (1917-1936)، وهى الحقب التى تركت بصمتها الأعمق على البنية التعليمية والثقافية فى مصر.

لقاء رائع ومثمر، وفتح آفاقًا لا تحد لمراجعات وأسئلة وأفكار وقراءات مهمة وضرورية.