زيارة - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 7 نوفمبر 2026 7:28 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

زيارة

نشر فى : السبت 7 نوفمبر 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : السبت 7 نوفمبر 2026 - 6:10 م

خطرت على بالها أغنية «ساعات ساعات أحب عمرى وأعشق الحاجات» لصباح فقرأت الفاتحة لجدتها التى توفيت قبل حوالى عشر سنوات. تعلم أنها كانت تحبها وتندمج مع كلماتها كلما استمعت إليها، لكن فجأة هناك من همس فى أذنها أن ليلى مراد كنت الأقرب لقلبها، ثم ارتفع صوت الراديو فى السيارة وأعلنت إذاعة الأغانى بدء نصف ساعة مع ليلى مراد لتشدو هذه الأخيرة على الفور «إحنا الاتنين والعين فى العين، أهنا قلبين وأسعد حبيبين». بعدها مباشرة، شعرت الطبيبة الشابة وهى تسير بمحاذاة كورنيش النيل فى جاردن سيتى بحضور محبب إلى جوارها على المقعد، وتولد لديها انطباع مباغت أن الجدة تغنى معها وأنهما تستمتعان بإيقاع الفالس التى رقصت عليه ليلى مراد بمصاحبة أنور وجدى فى نهاية فيلم «ليلى بنت الفقراء». اجتاحها إحساس غريب أنها بمعية روح الجدة وأخذت الحفيدة تتمايل معها على نغمات رياض السنباطى الذى برع فى صياغة إيقاع فرح متصاعد وتوظيف صوت ليلى مراد الناعم وقدرتها على التعبير الرومانسى، اختار لها مساحة «الوسط الفرِح» لتبدو وكأنها تغنى بعفوية مطلقة ومن قلبها. وبالفعل كانت ليلى فى أوج سعادتها، فبحسب ما حكت لها جدتها مرارا وتكرارا مع كل عرض للفيلم على شاشة التليفزيون، أن هذه الأغنية تحديدا هى توثيق رسمى لواحدة من أشهر الزيجات فى تاريخ السينما المصرية، وأن أنور وجدى، مخرج ومنتج الفيلم، قد استغل هذا المشهد الاستعراضى الختامى للإعلان عن زواجه من ليلى بعد تطور المشاعر بينهما بسرعة خلال أسابيع التصوير وأنهما عقدا قرانهما قبل أيام قليلة- فى 15 يوليو 1945- بمحكمة مصر الابتدائية الشرعية الإسلامية لاختلاف الديانة بينهما. دعا أنور الصحفيين إلى الاستديو وطلب من كل الممثلين فى الفيلم حضور تصوير مشهد الزفاف، وبينما كانت ليلى لا تزال فى ثوبها الأبيض وأنور يرتدى بدلة العرس أعلن الثنائى ارتباطهما رسميًا، وكانت هذه أفضل دعاية للعمل الأول من إنتاج شركته الخاصة التى أسسها بعد الحرب العالمية الثانية والناس بحاجة شديدة إلى الترفيه، وقد حقق نجاحًا كبيرًا فى شباك التذاكر وبلغت إيراداته سبعين ألف جنيه مصرى، وفقًا للتقديرات التى وردت فى الصحف وقتها.

• • •

حدثتها جدتها عن الحب وقالت لها: إنه لا يكفى وحده لاستمرار الزواج، وكانت الأمثلة غالبا تأتى خلال مشاهدتهما للأفلام ومن ضمنها بالطبع علاقة ليلى مراد بأنور وجدى، الدنجوان الوسيم الحاذق والفطن الذى جمع أموالًا طائلة وأنتج واحدًا وعشرين فيلما من كلاسيكيات السينما ما بين 1945 حتى وفاته فى 1955. كرس فيلم «ليلى بنت الفقراء» لخطاب يُغلب قوة الحب على الفروق الطبقية، ورغم عدم اقتناع الجدة التام بهذه الأفكار فإنها أحبت «السندريلا» بثيابها الأنيقة وحسها الجميل، وظلت مرتبطة فى خيالها بالبلد المتسامح الليبرالى الذى كبرت فيه ويغمرها الحنين إليه من وقت إلى آخر، فهى تتذكر بكل الخير ذاك الزمن الذى كانت ترقص فيه الفالس مع صديقاتها فى أروقة المدرسة، بعيدًا عن قاهرة العشوائيات والجريمة والتطرف التى رأتها على الشاشات فى أواخر عمرها، فكانت تمتم حين تكتشف ما لا يعجبها، وقد اقتربت كثيرًا من التلفاز للتغلب على ضعف النظر: «يكفينا الشر والسوء».

تابعت الحفيدة والجدة فقرة «ما يطلبه المستمعون» من داخل السيارة، والطبيبة لا تصدق ما يحدث لها.. تربت على المقعد المجاور بلطف وتنهمر دموعها فرحًا بهذا الحضور العابر المؤقت. طيف الجدة يمنحها سكينة وراحة جعلتاها تتهادى بخفة مع الموسيقى، قبل أن تنتقل ليلى مراد إلى تانجو شرقى بديع يرجع تاريخه للخمسينيات من ألحان محمود الشريف، وهو «اطلب عينيا قلبى وعينيا فداك» رقصت فيه ليلى مع يحيى شاهين فى فيلم «الحياة الحب»، حين كانت تلعب دور ممرضة متطوعة فى الهلال الأحمر تساعد مصابى حرب فلسطين ووقعت بالطبع فى حب أحدهم وخرجت للسهر معه محاولة أن يتجاوز أزمته. تنعكس هنا أيضًا فى الموسيقى الرغبة فى المزج بين الجانب التقليدى والتحديث والتغريب، إذ نجح الملحن القدير فى دمج التانجو بالمقامات الشرقية، وجاء مقام الكرد متوافقًا تمامًا مع الآلات الغربية والإيقاع اللاتينى والتوزيع الأوركسترالى، شعرت بأن طيف الجدة يغادر برفق مع بداية الأغنية، أرادت أن تحثها على البقاء قليلا، فهى أيضًا كانت تحب هذا التانجو وترقص عليه فى صباها، لكنها تعلم أن للزيارة أصولًا لا يمكن اختراقها وأن عليها الاكتفاء بهذا الوقت المستقطع من زحمة الحياة. هدية جاءتها على غير موعد، وكانت فى أمس الحاجة إليها. 

• • •

هى طبيبة وتعلم تفاصيل ما يطرأ على النفس فى مثل هذه الأحوال وتعى قدرة الموسيقى على استحضار من غاب. قرأت بشغف فى وقت سابق عن الأبحاث التى يجريها بعض العلماء لفهم لحظات التواصل مع الموتى، إذ لا يتعامل الدراسون لهذا المجال مع مثل هذه الظواهر على أنها مجرد تهيؤات أو خيالات، بل يقرون بأن حوالى 30 إلى 50% من البشر يمرون بتجارب شبيهة بغض النظر عن اختلاف الثقافة والدين. رصد هؤلاء العديد من الشهادات التى تشير لما أطلقوا عليه «علامات أو شفرات موسيقية».. أغنية تنطلق من مذياع فى لحظة معينة فيشعر الشخص بحضور مفاجئ لفقيد عزيز، يتمنى له الرحمة لكنه يشعر بالارتياح ويقل حزنه أو تسرى فى عروقه الطمأنينة وكأن حبيبه يواسيه ويذكره أنه سيظل فى قلبه إلى الأبد، فالموسيقى وفقًا لبعض الدراسات تسمح بالتواصل مع الجزء المتبقى فينا ممن رحلوا، إذ تركوا أثرا لا يزول.. وكأننا بصدد ترددات أو ذبذبات كونية تكسر حاجز الزمن، فتساعد طاقة الموسيقى على الوصل. 

يحفز النغم أجزاء معينة من المخ كالقشرة الدماغية والحُصين فى الفص الصدغى الوسطى المرتبطين علميًا بالمشاعر والانفعالات والذكريات، وحين نسمع أغنية اقترنت بشخص غيبه الموت يقوم مخ الإنسان باستحضاره.. التفسيرات كثيرة ومعقدة، لكن ما يهمها أنها سعدت باللقاء واستطاعت أن تعيش مع الجدة للحظات وغنت معها. تمنت لو طالت الزيارة قليلًا لتستمتع إليها مرة أخرى وهى تدندن بصوت خافت: «مهما جرى لى فى حبك، أحب نارك وأحبك»، كما كانت تفعل، وهى محنية تكاد تلامس رأسها شاشة التليفزيون.

 

التعليقات