انقبض صدره حين طلب إليه والده الاستماع إلى مقطوعة «البجعة» لكاميل سان-سانس. شعر بأنها غالبًا ستكون آخر مرة. كان قلبه يحترق كلما لمح يديه ترتعش أو لاحظ انحناء جسده وتثاقل خطواته من جراء المرض. هى جزء من المتتابعة الفكاهية «كرنفال الحيوانات» التى ألفها الموسيقى الفرنسى فى نهاية القرن التاسع عشر خلال أحد الاحتفالات فى منزل صديق له بالقرب من مدينة فيينا بالنمسا، كتبها لغرض ترفيهى بحت ورفض أن تخرج إلى العلن كى لا تؤثر على سمعته كملحن جاد، ولم تُعزف بالكامل أمام الجمهور إلا فى 1922، أى بعد وفاته بعام، إذ اكتفى فى حياته بلعب الحركة الثالثة عشرة وقبل الأخيرة التى صورت البجعة وهى تنساب بنبل وهدوء فوق سطح الماء، وصارت ترمز للأفول الأخير. كتبها للتشيلو بمصاحبة البيانو، يعزف الأول أنشودة البجعة بشكل بطىء وحزين، ويحاكى الثانى أصوات الطبيعة خاصة رقرقة المياه فى البحيرة والجداول الصغيرة.
لسنوات وسنوات كان «كرنفال الحيوانات» جزءًا من طفولته التى فعل الأب كل ما بوسعه كى تكون سعيدة. جعلها والده وصديقه الأقرب ضمن طقوسهما الليلية التى تسبق النوم مباشرة، يلهوان معًا على نغماتها ويقلدان حركة الحيوانات التى تصفها بشكل ساخر. سيظل منظر الأسد وهو يتهادى بخيلاء على إيقاع المارش الملكى الذى يفتتح المتتالية محفورًا فى ذاكرته، يكاد يسمع زئير الأسد وهو يستحضر تلك اللحظات. ومن بعده كان يأتى دور الآلات الوترية التى تقلد نقر الدجاج وصياح الديوك، ثم حركة سريعة للبيانو تمثل ركض الحمير البرية، تليها تنويعة فكاهية لبيان بطء السلحفاة. أما المفضل لديه فكان الفيل الذى يسير بثقل ونعومة وكأنه- رغم ضخامته- راقص باليه فى فرقة الأوبرا يتاميل على نغمات الكونترباص العميقة، وهكذا كانت تتوالى الحركات المخصصة لحيوانات وطيور مختلفة حتى يصلا لمقطوعة «البجعة» ومن بعدها الخاتمة الكرنفالية التى تجمع معظم الآلات الموسيقية على إيقاع حيوى صاخب.
• • •
عاش مع والده، الذى يهوى الأدب وكتابة الشعر، حياة اختلط فيها الواقع بالخيال، حتى إنه لم يعد يفرق بينهما كثيرًا. امتزجت فى رأسه الأمور، فلم يعد يعلم على وجه الدقة هل البجعة تغرد فعلًا عند الموت وتطلق أجمل صوت ممكن أن تسمعه أذن؟ أم أن ذلك ينتمى إلى الحكايات والأساطير التى تغذى عليها عقله منذ الصغر؟ هو فى الحقيقة لم يهتم أن يعرف التفاصيل والمعلومات المدققة، بل جذبه العالم السحرى الذى هيئه له والده العزيز. حتى حين كبر وقرأ أن معظم أنواع البجع «صامتة»، لا تصدر أصوتًا إلا نادرًا عند شعورها بالخطر وعادة تشبه الفحيح، باستثناء البجع البرى الصاخب الذى يتميز بهتافاته ونداءاته العميقة، استمر فى مكان ما يصدق قصة أنشودة البجعة، وهى تلفظ أنفاسها الأخيرة، كما وصفها اليونانيون القدماء. شاهد رقصة آنا بافلوفا الشهيرة التى جسدت فيها بإحساس مرهف لحظات احتضار البجعة على سطح البحيرة لمدة دقائق على لحن سان-سانس نفسه، كما استمتع برواية تشيخوف المستوحاة منها وكذلك أشعار ريلكه حين صور لحظات تخلى البجعة عن الأرض بعيدًا عن ثقل الوجود، فالموت عند ريلكه ليس فناءً مرعبًا بل انتقالًا للروح حيث التحرر والسكينة المطلقة.
يعلم أن والده أحب ريلكه وأنه هو الآخر من أنصار الرحيل الهادىء الأنيق، كما يعرف مدى تأثره بسقراط الذى توحد فى لحظاته الأخيرة مع طيور البجع وتماهى مع أسطورة غنائها عند الموت فرحا بملاقاة أبولو، إله الشمس والشعر والموسيقى عند الإغريق. هذا ما أخافه حين طلب والده سماع ذلك اللحن تحديدًا، أيقن أنه يودعه على طريقته ويبلغه برسالة مفادها أنه لا يخشى الموت بل جاهز لملاقاة رب كريم.
• • •
فى كل مرة ينتحب التشيلو يشعر بأن قلبه يخرج من بين ضلوعه. يعد أنفاسه ومعها ما تبقى من حياة. يرى حركات جناحى البجعة على سطح الماء وهى تستعد للانتقال، يخفت الصوت تدريجيا وتنخفض معها أنفاس الوالد. هو يبتعد عن الأرض كطير وحيد ليحط قريبًا فى مكان آخر. يستعرض حياتهما معا ليكتشف المزيد من النقاط المشتركة مع البجع... فوالده أيضًا اكتفى بزوجة واحدة وظل وفيًا لها. تركتهما مبكرًا، ورحلت دون سابق إنذار، فوهب حياته لابنه وللقراءة والشعر، واشتغل بأعمال إدارية تافهة ليكسب عيشه بشرف دون طموحات عريضة وصراعات. كرس معظم وقته لابنه الذى يقف هنا عاجزًا أمام السرير ينتظر فراقًا يعلم أنه لا يقوى عليه وغير مستعد له، لكن لكل أجلٍ كتاب وهو لا يملك أن يعترض.
تسيل دموعه مع نغمات التشيلو وتنهمر. تطوف بخاطره حكاية أخرى من حكايات الوالد التى لم يتوقف قط للتحقق من دقتها رغم مرور الزمن. كان هذا الأخير يأخذه معه للبحر ويمرحا معا بتخطى الأمواج إلى أن يصلا إلى مياه تزداد زرقتها مع التقدم، ثم يروى حكاية الجزيرة الثالثة البعيدة التى سيقعان عليها بعدما يقطعان مسافة طويلة، يسبحان دون أن تلامس أرجلهما الأرض، فالمياه عميقة جدًا فى هذه الناحية، لكن تدريجيًا سيعبران الجزيرة الأولى والثانية وفى نهاية المطاف يرتاحان فى الثالثة حيث الأرض المنخفضة وصفاء البحر. كان يلقى عوامات الأكتاف ويستعد للمغامرة مع أبيه، وإلى يومنا هذا هو لا يعلم مدى صحة قصة الجزيرة الثالثة، هل كانت واقع أم حقيقة؟ الخيط بينهما رفيع، وهو سعيد بالعيش فى مرحلة «البين البين» الذى اعتاد عليها عمره كله ولا ينوى التغيير، على الأقل فى الوقت الحالى. قد تكون هذه اللحظات الدقيقة هى نهاية مرحلة، لكنه يقف متمسمرًا أمام السرير، يلامس وجه والده بحنان ويتضرع إلى الله على أنغام الموسيقى.