لاحظت إعلانا عن انطلاق النسخة الثالثة من معرض طوابع «إجى فيلا» الذى تنظمه الجمعية المصرية لهواة الطوابع فى الفترة ما بين 17 و 19 سبتمبر الجارى فى مركز إبداع مصر الرقمية (مصنع البيرة سابقا بمنطقة بين السرايات) برعاية وزارة الاتصالات والهيئة القومية للبريد، ويشارك فيه عارضون وباحثون وهواة من 12 دولة.
استوقفتنى من قبل لافتة خاصة بمقر الجمعية المصرية لهواة الطابع بشارع عبد الخالق ثروت بوسط القاهرة، وكلما مررت أمامها أتساءل كم يبلغ عدد أعضائها؟ وهل هناك أشخاص مازالوا مهتمين بجمع طوابع البريد رغم تراجع حضورها فى المراسلات الشخصية بين الأفراد فى زمن الإنترنت؟ أتذكر أننى كنت من هؤلاء الهواة فى طفولتى وصباى. كان لدى عدة ألبومات مبوبة بحسب الموضوعات، هذا للعصافير والمناظر الطبيعية، وهذا لمارلين مونرو كما رسمها فنان البوب الشهير أندى وارهول، وآخر للشخصيات السياسية، إلى ما غير ذلك. أتحصل على أظرف خطابات قديمة من مصادر مختلفة، أقص الجزء الخاص بالطابع، ألقى به فى كوب من الماء وحين يذوب لاصق الطابع أضعه يجف على منشفة نظيفة حتى يصير جاهزا للحفظ والفهرسة. وقد تعلمت الكثير من خلال البحث عن الشخصيات العامة التى صورتها تلك الطوابع.
حاولت أن أفهم أسباب استحققاهم الظهور على الطوابع، فهذه المساحة الورقية الصغيرة التى تبدو هامشية أعلى الظرف هى فى الواقع إحدى بوابات التاريخ.
تعرفت على ستالين وموسولينى.. فهناك طوابع فاشية تندرج تحت بند الدعاية السياسية وتثبيت دعائم السلطة، وأخرى ثورية تؤرخ لأحداث غيّرت مسارات أمم، وثالثة تنقلنا فى لحظة إلى عهد «مخلوعين» لم يكونوا يعلمون ماذا تخبئ لهم الأقدار. وأحيانا يصبح طابع البريد رمزا للتحرر والهوية وبداية عهد جديد، فحين حصلت ألبانيا مثلا على استقلالها عام 1913 حرصت على توزيع طوابع تتناسب مع وضعها الجديد، كما أرادت إمارة صغيرة مثل موناكو تأكيد وجودها من خلال طوابع توثق تأسيس منتجع وكازينو مونت كارلو عام 1866.
• • •
ظهر أول طابع بريدى لاصق فى التاريخ فى بريطانيا عام 1840 وأطلق عليه «بينى بلاك» أو البنس الأسود. وكان يحمل «بروفايل» جانبيا لرأس الملكة فيكتوريا على خلفية سوداء، ومكتوب عليه قيمته (بنس واحد) وهذا هو سبب التسمية. تم استبداله بعد حوالى سنة بطابع البنس الأحمر، لتفادى المشكلة التى تسببت فيها الخلفية السوداء السابقة، إذ كانت لا تظهر عليها الأختام. لذا فهو يعد من الطوابع النادرة ذات القيمة العالية فى عالم الهواة لأنه صدر لفترة وجيزة.
وقد جاء ظهور الطوابع فى القرن التاسع عشر ليواكب التحولات التى فرضتها الثورة الصناعية وتحديث المجتمعات.
تزايدت المراسلات الرسمية والتجارية، وكذلك الخطابات الشخصية بسبب تحسن مستوى التعليم وتراجع الأمية، وكان يجب تطوير وتبسيط الإجراءات، وقد تأتى ذلك بفضل إصلاح النظام البريدى الذى قاده السير رونالد هيل فى ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ففى السابق كان المستلم هو من يدفع رسوم الرسالة، وبالتالى كان الكثيرون يرفضون الاستلام لعدم قدرتهم على الدفع، لذا اقترح السير هيل أن يدفع المرسل مسبقا عبر شراء طابع لاصق، وجعل الأجرة بنسا واحدا فقط لأى مكان داخل البلاد بغض النظر عن المسافة.
توالى ظهور الطوابع فى الدول والبلدان المختلفة. أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية طوابع تحمل صورة أبرز آبائها المؤسسين مثل فرانكلين وجورج واشنطن عام 1847. وجاء دور فرنسا بعدها بعامين، مع طابع يحمل صورة سيريس إلهة الحصاد فى الأساطير الرومانية والتى تبناها الفن الكلاسيكى الفرنسى وكانت رمزا للجمهورية الثانية، وهو أيضا من الطوابع النادرة لأن نسخه محدودة للغاية. أما الطوابع الأولى الخاصة بمصر فكانت تطبع فى مدينة جنوة الإيطالية بعد أقل من عامين على إنشاء البريد المصرى بالعتبة فى عهد الخديوى إسماعيل الذى اشترى حق امتياز «البوسطة» الأوروبية، بدأت طباعتها بعد ذلك فى الإسكندرية، ثم فى المطابع الأميرية ببولاق عام 1872.
وفى عام 1893، تم إصدار طوابع بريدية حكومية مدون عليها كلمة «ميرى» بأشكال مختلفة مقابل 10 بارات (والبارة عملة قديمة استخدمتها الدولة العثمانية وكانت تساوى ربع مليم ومدون عليها اسم مصر).
شهدت الطوابع طفرة كبيرة فى الطباعة والتصميم بعد أن حصلت مصر على استقلالها من الدولة العثمانية عام 1922، وجاء ذلك فى إطار تأكيدها على عدم تبعيتها للأتراك والإنجليز. وظهرت طوابع عليها صورة الملك فؤاد عام 1923 وعرفت بمجموعة «فؤاد العربى» لأن الكتابة عليها كانت باللغة العربية. أما بعد قيام ثورة يوليو 1952، كادت تتوقف حركة إرسال الخطابات نظرا لعدم وجود طوابع تتناسب مع إعلان الجمهورية، فقررت هيئة البريد أن تستخدم الطوابع التى تحمل صورة الملك فاروق رغم الإطاحة به مع وضع ثلاثة خطوط سوداء على وجهه لاستدراك الموقف.
• • •
حاليا، تضم الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد، التى يرجع تاريخها لعشرينيات القرن الماضى، نحو 300 عضو، أغلبهم فوق الخمسين أو فى سن المعاش، فلم تعد تلك الهواية تجتذب الشباب، وصار هؤلاء يقتنون أشياءً أخرى مثل ألعاب فيديو قديمة، أجهزة إلكترونية كلاسيكية، مجسمات «الأنمى والمانجا» وهى تماثيل ثلاثية الأبعاد تجسد أبطال المسلسلات والأفلام اليابانية، وإكسسوارات الكى - بوب أو الموسيقى الكورية الرائجة.
عند متابعة تاريخ الطوابع ودلالاتها نجد أن الآليات المتبعة والتفاعلات تكاد تكون نفسها فى دول العالم، الاختلافات الثقافية تظهر عادة فى الانحيازات البصرية واختيارات التصاميم، أما فى السياسة فالكل واحد. على هذا النحو، نراقب مع الطوابع حركات المد والجزر حول العالم: دول جديدة تظهر بعد الحرب العالمية الأولى، وأخرى تتوارى بعد الحرب العالمية الثانية، ثم الموجة الثالثة فى تغيير الخرائط خلال التسعينيات مع تفكك الاتحاد السوفيتى، وعلى الأغلب سنرى الفترة المقبلة تعديلات أخرى على المشهد الجغرافى العالمى وستعكسه طوابع جديدة، فمازالت هيئات البريد تصدر الطوابع وإن تراجعت استخدامتها التقليدية وصارت مقتصرة على المعاملات الحكومية والدمغات الرسمية والإصدارات التذكارية التى توثق المناسبات الوطنية والأحداث الكبرى والاكتشافات. قد يرغب أبناء جيلى مثلا فى الاحتفاظ بالطابع التذكارى الخاص بحديقة الحيوان، أحد أماكن طفولتهم التى صارت ذكرى عابرة بحكم الطمس والتطوير، أو بطابع آخر صدر ليخلد ذكرى ثورة يناير، أو ثالث للاحتفال بافتتاح المتحف المصرى الكبير، فكلها تؤكد هويتهم.