فى انتظار صوت الناى - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 19 سبتمبر 2026 8:01 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

فى انتظار صوت الناى

نشر فى : السبت 19 سبتمبر 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : السبت 19 سبتمبر 2026 - 7:10 م

يمكن أن نتحدث عن نوعين واضحين من روايات «الديستوبيا» التى تحذّر الإنسانية من مستقبل كارثى: أولها روايات تكتفى بوصف الكارثة، وتضخّم من مظاهرها، وتكاد تنقل «الجحيم» كفكرة ومضمون إلى الأرض، دون أن تترك ثغرة للنجاة أو الخلاص، وكأن هذا الجحيم نتيجة حتمية تشكّل عقابًا مستحقًا على ما فعله الإنسان بالأرض أو بالبيئة أو بأخيه الإنسان، ومن أمثلة هذه الروايات «عطارد» لمحمد ربيع.


أما النوع الثانى؛ فتمثله روايات تنقل صورة مستقبل كارثى أيضًا، ولكنها تظلّل «الديستوبيا» برؤية رومانسية، تثق فى الوعى والعاطفة عند الإنسان، وتعتقد أن هذا الكائن المخرّب والمدمّر والمحطّم يستطيع أن يحقق الخلاص له، وللعالم، وقد لا يكون الخلاص عبر الملايين، فربما تستعيد الأرض امرأة واحدة كما فى رواية محمد الفخرانى البديعة «حدث فى شارعى المفضّل»، والتى وصفتها وقت صدورها بأنها «رد الرومانسية على الديستوبيا».


يمكن أن نضع بجدارة فى خانة النوعية السابقة أيضًا رواية «معزوفة اليوم السابع»، الصادرة عن (دار الشروق) لمؤلفها الروائى الأردنى جلال برجس، والتى وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا.


فمن حيث الشكل هى رواية «ديستوبيا» تحذّر من زمن قادم كارثى، من خلال مدينة خيالية مكوّنة من سبعة أحياء، على أحد أطرافها مخيم للغجر المنبوذين، وعلى الطرف الآخر جبل أسطورى كان يسكنه الجد الأول مؤسس المدينة، وصاحب مخطوط الوصايا، موضع الصراع والسرقة والبحث.


معالم الكارثة هنا متعددة، سواء فى ذلك التفاوت الطبقى بين سكان الأحياء، أو وجود فقراء بائسين ومنبوذين، أو فيما نعرفه عن حرب طاحنة ومجازر سابقة لأسباب دينية.


ولكن الأخطر من كل ذلك كارثتان: الأولى؛ وباء عجيب يؤدى إلى عدم انعكاس صور البشر على المرايا، وظهور قرين لكل شخصية يدفعه إلى الانتحار. والثانية؛ هى سيطرة جماعة الطائر الأسود على المدينة، والتى تقود البشر بالقهر والخديعة والأكاذيب، وتحاول ابتكار إنسان جديد، أسهل فى السيطرة، تحت دعوى التطور والتقدم.


ولكن الرواية لا تبدأ من الزمن القادم الكارثى، وإنما من المؤسس/ الجد الأكبر، الذى علم ما ستصل إليه مدينته، فترك مخطوط الوصايا، وأشار إلى طائر أبيض بنقطة زرقاء فى عينيه، سيقود إلى ناى سحرى، يمنح العزف عليه المدينة ذلك الخلاص المأمول من الوباء.
هنا تعود الرومانسية لتواجه الكارثة، ليس فقط عبر الموسيقى والناى، ولا بالثقة فحسب فى وجود الأبيض الذى سيهزم الأسود، وإنما أيضًا بمنح الهامش، الذى يمثله الغجر، مساحة المتن، وذلك بالاستيلاء على حكم المدينة، وخلق معجزة حب بين توليب ابنة المدينة، وباختو ابن الغجر.


وإذا كان صوت الناى سيصلح ما أفسده الوباء، فإن الانتصار للغجر، وهم البشر الفقراء المهمشون، والأكثر حرية واقترابًا من موسيقى الطبيعة، سيكون عنوان الصراع كله، إذ لم ينتشر الوباء إلا تعبيرًا عن انعدام هوية الإنسان، واغترابه عن مكانه ومدينته وأبنائها، رغم أنهم ينتمون إلى الجد الأكبر.


الغجر وحدهم لم يفقدوا صورتهم فى المرآة، وباختو (عامل النظافة وعاشق الغناء والموسيقى) لم يكتفِ بتنظيف المدينة من القمامة، ولكنه أنقذها من الوباء، وإن كانت النهاية تنبئ بصراع لا يتوقف، وبأزمنة أخرى قادمة، تحتاج حتمًا إلى بحثٍ جديد عن ناى الجد الأكبر، وطائره الأسطورى المحلّق فى السماء.


يعمد جلال برجس إلى تبسيط فى السرد ورسم الشخصيات، حتى نقترب من الحواديت التى تبدأ بعبارة «كان يا ما كان»، ولكن هذا التبسيط ينسجه سرد شاعرى يستلهم الأسطورة والخيال، ويعيد تضفيرهما فى عناصر واقعية تمامًا. فالمدينة حديثة ومعاصرة، والهواتف النقّالة ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى تلعب دورًا مهما فى الأحداث، وحياة الغجر، وعالمهم، واحتفالهم بالحياة وبالموسيقى، وفقرهم وتهميشهم، كل ذلك يبدو منتزعًا من الواقع، وعلى هذا الخط بين البساطة والتركيب، وبين الأسطورة والواقع، تتحرك الحكاية بشخصياتها، فلا نفقد دلالة المعاصر، ولا اتساع أفق الأسطورة.


على مستوى المعنى والمضمون، تنطلق الحكاية من فرضية قدرة الأبيض على الانتصار، وتراهن وصايا الجد الأكبر على نجاح الإنسان فى تحجيم الشر فى داخله، وفى العالم، وتلعب الموسيقى دورًا محوريًا فى حفظ هذا التوازن، ويمثل الناى رمزًا واضحًا وبسيطًا فى تحقيق ذلك.


اللافت أن برجس فى كلمته على غلاف الرواية أشار إلى أن بذرة الحكاية بدأت عندما رأى شابًا غجريًا يحمل مكنسة، وينظف الشارع، ولكنه يستمع إلى موسيقى صادرة من هاتفه النقّال، وكان يرقص مع المكنسة كأنها فتاة جميلة، وعندما أعطاه المؤلف معطفه فى أحد صباحات الشتاء، ردّه إليه الشاب الغجرى فى المساء، فالغجر ليسوا لصوصًا، وليسوا مجانين.


تؤكد الحكاية على هذه المساحات المتداخلة، وتلك الطبيعة المركبة للإنسان، فليس غريبًا أن يتحوّل شاب غجرى إلى عامل نظافة، ولكن رقصته السيريالية مع المكنسة، وتحويله التنظيف إلى عرض موسيقى راقص، كل ذلك يفتح الخيال على اكتشاف جانب آخر لا نعرفه عن الإنسان.


الرواية تفعل ذلك بنفس المزيج الخيالى والواقعى، وبسرد كالحواديت القديمة، وعبر تلخيص الأحوال البشرية فى صورة مدينة مقهورة، وعلى وشك الانفجار، وفى جعل الجد الأكبر ذاكرة البشرية، وخلاصة حكمتها المنسية.


أما جعل الخلاص عبر ما هو أسطورى وخارق (كالناى والطائر)، فيفتح مجالا واسعًا للتأويل: فإما أن تكون أحوالنا المستقبلية قد وصلت إلى حالة خطيرة للغاية، لا تحلّها سوى معجزة كاملة، وإما أن صوت الناى ليس سوى محفّز لاستعادة أفضل ما فى الإنسان، ليتخلص من الوباء، مثلما كان الفقر والقهر والحقد أسوأ ما فى داخل الإنسان، فانتشر بسببها الوباء.


«الديستوبيا» - هنا - سببها تدمير الإنسان من الداخل، سواء ببصمته، أو بقهره، أو بفقره.


و«الوباء» هو مجاز الموت، ومحو الهوية. و«الناى» هو صوت الاستعادة.


ولا تعدّ الديستوبيا قدرًا مقدورًا، لأنها نتيجة الفعل والموقف، ولا تبدو أيضًا كنهاية، ولكنها أحد تجليات صراع مستمر فى داخلنا، بين الأبيض والأسود.

 

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات