ليس عجوزًا وليست خرافات! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 29 أغسطس 2026 9:27 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

ليس عجوزًا وليست خرافات!

نشر فى : السبت 29 أغسطس 2026 - 8:00 م | آخر تحديث : السبت 29 أغسطس 2026 - 8:00 م

ربما كان طوفان المحبة الذى انهمر تقديرًا لـ«جار النبى الحلو» أثمن من كل الجوائز، وربما كان احتفال الوسط الأدبى برصيد «جار» الوفير انتصارًا للقيمة فى حد ذاتها، وتعبيرًا عن أصوات من يعرّف ويقدّر، فى مقابل أصوات من لا يعرّف فلم يقدّر.


رأيت فى تلك الحفاوة ردًّا لاعتبار الأدب والأديب معًا، فكأنها رسالة بعلم وصول، تتجاوز معنى الوفاء وجبر الخواطر، إلى أهم ما يتمناه كاتب أو أديب، بأن يبقى النصّ وحده شاهدًا ومدافعًا عن كاتبه.


هنا معنى الحكاية كلها، فلا يمكن لجائزة أن تصنع قيمة غير موجودة فى النصوص نفسها، ولا يمكن أن يتحدث كاتب عن جدارته، بقدر ما تنطق النصوص ذاتها بهذه الجدارة، ولا يوجد ما هو أقوى وأبقى من حروف الكتابة.


ما زلنا نقرأ نصوصًا عظيمة تدلّ على أصحابها دون أن نعرف لهم اسمًا أو صورة، وما زلنا نحتفى بكتّاب سمعنا عنهم ولم نرهم، وما زلنا نتأثر بأفكار من أزمنة وعصور غابرة، لأن الكتابة والفكرة كانتا دومًا أطول من العمر.


فى قلب المعنى أيضًا أن يترك جار النبى أعماله لتتحدث بدلًا منه، وأن يتحفنا فى جريدة (أخبار الأدب) بنصوصٍ قصيرة جديدة، تحت عنوان ماكر هو «خرافات رجل عجوز»، لعلها، دون أن يقصد، تمثل تعبيرًا بليغًا عن فكرة القيمة والأثر، وعن صور البقاء والحضور، برغم الغياب والفقد.


ذكّرتنى النصوص بأحلام فترة النقاهة المحفوظية، ليس فقط لقدرة كاتبها على التكثيف السردى، وليس فقط لخيالٍ شفيف يفكّك الزمن، ويعيد ترتيبه، لكى يتأمله بصورة حرة وعميقة، ولكن بالأساس لأن استدعاء الحلم عند محفوظ، والخرافة عند جار النبى، لم يجعل تجربتهما سيريالية، ولكنها مجرد «حيل فنية مبتكرة» لتأمل الواقع من زاوية واسعة.


إنها الحياة الواقعية وقد اختزلت إلى كلمات وحكايات قليلة الكلمات، عذبة ورائقة وبليغة، السارد هنا عرف الحياة واختبرها، ولكنه لا يرتدى ثوب الحكمة، وإنما يتأمل ويتذكّر ويذيبه الحنين، وبينما توهمنا نصوص محفوظ أنها مفارقة للواقع، وأنها تصدر عن رجل يتعافى فى فترة النقاهة، فإن القراءة تكشف عن عكس ذلك على طول الخط: هذه نصوص تدثّرت بالحلم لكى تحكى عن واقع الذات، وواقع الوطن، وهذا السارد يقظ، وفى قمة صحته، وهذه الحكايات هى خلاصة الرحلة، وجوهرها النقى.


جار النبى يلعب نفس اللعبة، فليست حكاياته القصيرة خرافات، ولكنها استبصار لما مرّ من تجارب، وليس هذا السارد عجوزًا (من العجز)، بل هو عينٌ يقظة، وقلبٌ ينبض، وروحٌ شابة متوثبة، ما زالت تلتقط الحياة فى أدق صورها، وما زالت قادرة على أن تهب لحظات الحنين حضورًا شاعريًّا، يمنحها البقاء والخلود.


تبدو لحظات جار واقعية وليست خرافية، هى الوجود لا الغياب، واستعادة الذاكرة فعل مقاومة، وليس لحظة استسلام أو موت، العجوز العاجز لا يكتب ولا يفعل شيئًا، ولكن السارد اليقظ يقاوم بالذكرى، ويجعل من الحنين شعرًا، ومن الزمن الهارب لحظات جديرة بالتسجيل.


فى «أنا وحماره» حوار بين السارد والشاعر خمينيس، يطوى الزمان والمكان، فالسارد يريد حمار الشاعر، لكى يرى المروج وهى تضحك، ولكى يصطاد الفراشات، ولأن الحمار مات، يترك الشاعر فراشة للسارد، ويصبح المعنى أن الحلم لا يخضع للموت، وأنه عابر للأزمنة والأمكنة.


وفى «الحلو» حوار مع نجيب محفوظ حول شخصية عباس الحلو، السارد ينتسب إليه بالاسم، يظهر عباس عجوزًا وأصلع، ولكنه ما زال يهتف باسم «حميدة»، حضور جديد للقلب يعبر الزمان والمكان.


فى «شجرة البونسيانا» قطعة شاعرية فريدة، حوار بين السارد والشجرة العجوز، ما زالت تتذكره صبيًّا يتسلقها، ويحتضنها، ويغازل الطيور بين أفرعها، حكاية حب تتجاوز الزمن أيضًا، وتنفى فكرة العجز نفيًا كليًّا.


فى «القاهرة» يستعيد السارد العاصمة مرتبطة بذاكرة وحكايات الأب عن المدينة، فلا تعرف بالضبط حدودًا بين الحنين إلى الأب والحنين إلى القاهرة القديمة. وفى «رائحة» يفقد السارد نظره، ويضيع منه النور، فتتحول ذاكرته إلى ألوان من الروائح، بما فيها رائحة الفقد، لا مكان للعجز على الإطلاق.


فى «السيدة العجوز» حنين لامرأة عجوز تنقذ من الموت، مثل أم أبدية حانية، وفى «المسكين» استعادة لغرام قديم لصديق عجوز، ولكن اللحظة قوية الحضور حدّ أنها تبدو كأنها وقعت بالأمس.


فى «نحيب» عجوز تبكى زمنها الضائع، ولكنها ما زالت تتمسك بتغطية رأسها الأشيب بباروكة قديمة. وفى «مقبرة» تعبير عميق عن فقد الأصدقاء والأحباب، ولكن اللافت حقًّا أن العجوز يعود طفلًا صغيرًا ضائعًا، تُرك وحيدًا، ولا يعرف كيف يرجع:
«حين رحل.. رحلوا، كنت وحيدًا جالسًا على الأرض، راكنًا ظهرى للمقبرة، وأسأل نفسى: كيف سأرجع الآن؟».


فى كل النصوص حوار مع الزمن، ومحاولة لترويضه بالذكرى، قد تظن أنها بكائية على الفقد، بينما هى احتفال بأثر رجعى بما يستحق أن نحتفل به.


لن نستطيع أن نوقف الزمن، ولا أن نمنح الجسد حيوية مفقودة، ولكننا نمتلك الذاكرة والخيال، ولدينا حس الشاعر، وذائقة الفنان، نستطيع أن نصنع نصوصًا ظاهرها الغياب، فيما هى تتحدث عن قدرة البشر الفانين على ترك الأثر، واستحضار المعنى من قلب العبث، ونحت التماثيل من الأحجار الصمّاء.


ليست القيمة فى الأشياء العابرة، ولكن القيمة فى رؤية الفنان لها، وفيما تمثله هذه الأشياء لدينا، وهذا المزيج الواقعى الخيالى والرومانسى (إذا شئت) هو عنوان تجربة جار النبى الحلو، مثلما تجسدت فى نصوصه الطويلة، أو كما عبّر عنها فى نصوص بحجم كفّ اليد.


عودٌ على بدء، يرد جار النبى بالكتابة، بينما ينشغل كثيرون بالجوائز، فيثبت أنه أكثر طمعًا وذكاءً: مطلبهم الصيت والشهرة والفرحة الوقتية، ومطلبه القيمة الباقية، والصوت العابر للأزمنة، والحضور المؤثر فى قلب الغياب، مثل فراشة بيضاء، أو طيف حبيبة لا تُنسى، أو حضن شجرة «بونسيانا»، أو صوت فيروز وهى تغنى لـ«جارة الوادى».

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات