من الفضفضة إلى بناء الثقة - الأب رفيق جريش - بوابة الشروق
السبت 29 أغسطس 2026 9:25 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

من الفضفضة إلى بناء الثقة

نشر فى : السبت 29 أغسطس 2026 - 8:05 م | آخر تحديث : السبت 29 أغسطس 2026 - 8:05 م

نثمّن دعوة الدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، باقتراحه فضفضة مع الإعلاميين والإعلام، والتى جاءت متأخرة بعض الشىء لأسباب عديدة قد نعلم بعضها، وأظن أن القيادة السياسية أدركت أنه حان الوقت أن تأخذ السلطة الرابعة - كما سماها المرحوم الرئيس السادات - دورها. ودورها الأول هو أن «الإعلام فى خدمة الشعب»، أى إعلام الشعب بكل ما يجرى داخليًا ودوليًا، وعدم تركه فريسة للإشاعات، خاصة التى على المنصات الرقمية المحلية والعربية والدولية، تاركين المواطن المصرى محتارًا يصدق من أو من. مع العلم أن هناك الكثيرين من الذين يتربصون بمصر من الأشرار وغيرهم داخليًا ودوليًا أيضًا، مما يترك المواطن فى حيرة من أمره، والأخطر أن البسطاء قد يصدقون تلك الإشاعة أو المعلومات المغلوطة، لذا على الإعلاميين أن يعرفوا أنهم فى خدمة الشعب المصرى وليس سواه، وعليهم تنوير الشعب بالأخبار الصحيحة والرد على استفسارات المواطنين.


وثانيًا، العمل على حرية تداول المعلومات، ما عدا ما يخص الأمن القومى - فمصر مثلها مثل كل البلاد التى تحافظ على أمنها القومى - وإعطاء حرية الصحافة والصحفيين والمفكرين والكُتّاب ملء الحرية، ومعها ملء الثقة والمسئولية.


إن تطوير المشهد الإعلامى لم يعد يقتصر اليوم على صياغة الخطاب السياسى أو صقل المحتوى الفكرى فحسب، بل يمتد لضرورة مواكبة الثورة التقنية المتسارعة؛ إذ إن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى وتقنيات التحقق الحديثة أصبح ضرورة حتمية لتأسيس منصات إعلامية رقمية تفاعلية تخاطب فئة الشباب باللغة التى يفهمونها وعلى المنصات التى يفضلونها. ويتكامل هذا التحول التقنى مع الاستثمار الحقيقى فى العنصر البشرى من خلال تدريب جيل جديد من الكوادر الصحفية والإعلامية الشابة، وإتاحة مساحات واسعة لإبداعهم وابتكارهم، مع الالتزام الصارم بميثاق الشرف الإعلامى والمعايير المهنية الأصيلة.


عندما يصغى المواطن المصرى للمعلومات عن وطنه والمنطقة التى يعيش فيها من المنصات الرقمية والإذاعات والمحطات الأجنبية، يكون فى حيرة من أمره، ولكن إذا أعطت الدولة الثقة لكُتّابها، سيتقصّون عن المعلومات الصحيحة والتقارير الأكيدة والشروحات المستفيضة، إضافة لدور إعلامى سريع وحيوى من قبل وزارة الإعلام، وأيضًا «هيئة الاستعلامات بقيادة سعادة السفير علاء يوسف»، من ناحية المراسلين الأجانب أو مكاتبها فى العالم، ستكون الدولة قد أعطت أدوات التصدى للإشاعات المغرضة فى يد الشعب، الذى سيميز بين ما هو صالح وما هو طالح، وهو قادر أن يدافع دومًا وباستماتة عن وطنه الغالى مصر.


وفى هذا السياق، تظل الشفافية هى الحصن الأخير لبناء المصداقية وترسيخ الثقة بين الإعلام والمواطن، إذ تتطلب المعالجة الناجحة للأزمات طرحًا مباشرًا للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التى تمس حياة الشارع اليومية، وعرض الحلول بواقعية دون تجميل، لقطع الطريق تمامًا أمام محاولات التزييف والشائعات.


إن اجتماع «الفضفضة» الذى دعا إليه الدكتور ضياء رشوان لا ينبغى أن يكون مجرد لقاء عابر، بل نقطة انطلاق حقيقية لإعادة صياغة المشهد الإعلامى فى مصر على قواعد متينة من الثقة والشفافية. إن مصر - بمكانتها الإقليمية وثقلها التاريخى - تستحق إعلامًا قويًا بوزن سلطتها الرابعة، يستند إلى حرية تداول المعلومات، ويستوعب طاقات الشباب وتقنيات عصر الذكاء الاصطناعى، ليخاطب العقل المصرى بالحقائق والشفافية المطلقة.


وحين تثق الدولة فى إعلامييها ومفكريها وتمنحهم مساحتهم المستحقة من الحرية والمسئولية، يصبح الإعلام هو الدرع الوطنى الأول والأقدر على تحصين الجبهة الداخلية، درعٌ يقف فيه المواطن المصرى واعيًا ومدركًا لردع كل المتربصين، ومستعدًا دومًا - كما كان عبر التاريخ - للدفاع باستماتة عن وطنه الغالى مصر.

الأب رفيق جريش الأب رفيق جريش
التعليقات