هل أصبح تسارع الذكاء الاصطناعى أسرع من قدرة أسواق العمل والحكومات على استيعابه؟ - قضايا تكنولوجية - بوابة الشروق
السبت 29 أغسطس 2026 9:25 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

هل أصبح تسارع الذكاء الاصطناعى أسرع من قدرة أسواق العمل والحكومات على استيعابه؟

نشر فى : السبت 29 أغسطس 2026 - 8:10 م | آخر تحديث : السبت 29 أغسطس 2026 - 8:10 م

تتقدم تقنيات الذكاء الاصطناعى بوتيرة تبدو أسرع من قدرة المجتمعات وأسواق العمل والحكومات على مواكبتها. ويثير هذا التحول مخاوف من أن تتحول مكاسب التكنولوجيا إلى مصدر جديد للبطالة وعدم المساواة واتساع فجوة العدالة الاجتماعية فى العالم.


ويعكس التحذير الأخير الذى أطلقه بيل جيتس، أحد مؤسسى «مايكروسوفت»، تحولًا لافتًا فى خطاب أحد أبرز المتفائلين بالتكنولوجيا. ففى مقالة طويلة، حذّر من أن الذكاء الاصطناعى يتقدم بوتيرة أسرع من استعداد الحكومات والمجتمعات للتعامل مع تداعياته، مشيرًا إلى أن هذه الثورة قد تعيد رسم خريطة الوظائف، وتفتح الباب أمام مخاطر سيبرانية وبيولوجية، وتزيد احتمال تطوير أنظمة تزداد صعوبة مراقبتها والتحكم فى سلوكها.


ولا يتبنى جيتس نظرة متشائمة بالكامل، فهو لا يزال يرى فى الذكاء الاصطناعى فرصة لتحسين الصحة والتعليم والإنتاجية. لكنه يحذر من أن هذه المكاسب لن تتوزع تلقائيًا بعدالة، وأن غياب السياسات المناسبة قد يجعل التكنولوجيا مصدرًا جديدًا للاضطراب والتفاوت.
وجيتس ليس الصوت الوحيد الذى يطلق التحذيرات. فمن مختبرات الذكاء الاصطناعى إلى المؤسسات المالية الدولية، ومنظمات الأمم المتحدة إلى قادة سياسيين ودينيين، يتسع القلق من فجوة قد تصبح الأخطر فى المرحلة المقبلة: الفجوة بين سرعة تطور التكنولوجيا وسرعة قدرة الإنسان والدولة على التكيّف معها.


وظيفة العامل فى قلب العاصفة


أدت الثورة الصناعية الأولى، مع انتشار المصانع والآلات فى القرن الثامن عشر، إلى تراجع مهن تقليدية وظهور وظائف جديدة، مثل عمال المصانع ومشغلى الآلات والمهندسين والعاملين فى السكك الحديدية. واليوم تعيد ثورة الذكاء الاصطناعى تشكيل سوق العمل بطريقة مشابهة، فتتراجع بعض المهام الروتينية، فى مقابل ظهور وظائف جديدة مثل مهندسى الذكاء الاصطناعى وعلماء البيانات ومطوّرى الأنظمة الذكيّة.


لكن ثورة الذكاء الاصطناعى تختلف عن التحولات الصناعية السابقة فى عامل أساسى هو السرعة. فقد امتدت التحولات الاقتصادية الماضية على مدى عقود وأجيال، ما أتاح وقتًا أطول لظهور قطاعات ووظائف جديدة. أما الذكاء الاصطناعي، فلا يستهدف العمل اليدوى وحده، بل يدخل سريعًا إلى المكاتب والمصانع والبرمجة والقانون والطب وخدمة العملاء والإعلام والمؤسسات الحكومية.


ولذلك، يدعو جيتس إلى التفكير فى إجراءات كانت تبدو حتى وقت قريب غير تقليدية، مثل تخصيص بعض الوظائف للبشر، ولا سيما تلك التى تقوم على التعاطف والعلاقات الإنسانية، أو فرض ضرائب مرتبطة باستخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعى، بما يساعد فى تمويل الانتقال الاقتصادى وحماية المتضررين من الأتمتة.


ويرى جيتس أن تأثير الذكاء الاصطناعى قد يكون أكبر من تأثير معظم التحولات التكنولوجية السابقة، لأنه سيطال وظائف ذوى الياقات البيضاء والزرقاء معًا، فضلًا عن إدخال مخاطر إلكترونية وبيولوجية جديدة، واحتمال تطوير أنظمة تزداد صعوبة مراقبتها والتحكم فى سلوكها.


وتتقاطع هذه المخاوف مع تحذيرات المديرة العامة لصندوق النقد الدولى كريستالينا جورجيفا، التى أشارت إلى أن الذكاء الاصطناعى قد يؤثر فى نحو 40% من الوظائف حول العالم، وترتفع النسبة إلى نحو 60% فى الاقتصادات المتقدمة. وترى جورجيفا أن التكنولوجيا يمكن أن ترفع الإنتاجية والدخول، لكنها قد تؤدى أيضًا إلى إزاحة بعض الوظائف وتوسيع فجوة عدم المساواة، إن لم ترافقها سياسات للتدريب والحماية الاجتماعية.


لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فبحسب تقييم نشرته منظمة العمل الدولية فى مايو 2025، يعمل واحد من كل أربعة عمال فى العالم فى مهنة تتعرض بدرجة ما للذكاء الاصطناعى التوليدى. ومع ذلك، تبقى النتيجة الأكثر ترجيحًا فى كثير من الحالات هى تحول الوظائف، لا اختفاءها بالكامل.


وتحذر المنظمة فى الوقت نفسه من أن هذا التحول لن يكون متساويًا بين القطاعات والدول والفئات الاجتماعية. فالتعرّض للذكاء الاصطناعى لا يعنى بالضرورة فقدان الوظيفة، لكنه قد يؤدى إلى تغيير طبيعتها وعدد المهام التى يؤدّيها العامل ومستوى المهارات المطلوبة منه.


وهنا تكمن المعضلة: قد لا يختفى العمل، لكن العامل سيحتاج إلى تحديث مهاراته بوتيرة أسرع من أى مرحلة سابقة. ولا تقتصر المهارات المطلوبة على البرمجة، التى تتعرّض هى نفسها للتحوّل، بل تشمل الثقافة الرقمية والتفكير النقدى والمعرفة التخصصية والقدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المهارات الاجتماعية والإنسانية التى يصعب على الآلة محاكاتها.


من ثورة تقنية إلى مصدر جديد لعدم المساواة


لا يتعلق القلق بعدد الوظائف فقط، بل أيضًا بمن يملك أدوات الذكاء الاصطناعى ومن يستطيع استخدامها والاستفادة منها.


فالدول التى تمتلك بنية تحتية رقمية متقدمة ورءوس أموال وشركات تكنولوجية كبرى ستكون الأقدر على الاستفادة من مكاسب الإنتاجية. أما الاقتصادات الأضعف، فقد تجد نفسها أمام خطر مزدوج: تعرض بعض وظائفها للضغط من جهة، وعدم امتلاك الموارد اللازمة لبناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعى من جهة أخرى.


وقد تظهر الفجوة داخل الدولة الواحدة أيضًا. فالعامل القادر على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى قد ترتفع إنتاجيته ودخله، بينما يواجه العامل الذى لا يحصل على التدريب أو التعليم الملائم خطر تراجع فرصه. ولذلك، يتوقف مستقبل العمل جزئيًا على السياسات التى تعتمدها الدول اليوم، لا على التكنولوجيا وحدها.


كيف تستعد الحكومات لعصر الذكاء الاصطناعى؟


بدأت بعض الحكومات تتعامل مع الذكاء الاصطناعى باعتباره أكثر من مجرد قطاع تكنولوجى جديد. فالقضية أصبحت مرتبطة بسوق العمل والتعليم والأمن القومى والضرائب والإنتاجية وتوزيع الدخل.


وبينما انتقلت الولايات المتحدة والصين إلى مرحلة المنافسة على النماذج المتقدمة والرقائق ومراكز البيانات والحوسبة والكوادر المتخصصة، اتجهت دول أخرى إلى بناء استراتيجيات وطنية وتوظيف الذكاء الاصطناعى فى الخدمات الحكومية والاقتصاد.


كيف يمكن تنظيم الذكاء الاصطناعى من دون خنق الابتكار؟


المعادلة ليست سهلة. فالتشدد المفرط قد يدفع الشركات والاستثمارات إلى الانتقال إلى أسواق أقل تنظيمًا، بينما قد يؤدى ترك المنافسة مفتوحة بالكامل إلى سباق بين الشركات والدول لتطوير نماذج أكثر قوة، حتى عندما تظل القدرة على تقييم مخاطرها محدودة.


ولهذا، لا يكفى إصدار قانون واحد للذكاء الاصطناعى. المطلوب منظومة مرنة تشمل قواعد لحماية البيانات، وشفافية فى استخدام الأنظمة، وآليات لمحاسبة الجهات المسئولة عن القرارات الآلية، وتقييمًا مستقلًا للمخاطر، وتحديثًا مستمرًا للتشريعات مع تطور التكنولوجيا.


وتحتاج الحكومات إلى معرفة ما يحدث فعليًا داخل سوق العمل. فمن دون بيانات دقيقة عن الوظائف والمهام التى تتغير، قد تأتى برامج التدريب متأخرة أو تركز على مهارات لم تعد مطلوبة.


الخوف يتجاوز الانعكاسات الاقتصادية


لا تقف المخاوف عند حدود الاقتصاد. فقد حذّر «التقرير الدولى لسلامة الذكاء الاصطناعى 2026»، الذى أعده أكثر من 100 خبير مستقل بقيادة عالم الحاسوب يوشوا بنجيو، وبمشاركة خبراء رشحتهم أكثر من 30 دولة ومنظمة دولية، من أن التطور السريع للأنظمة العامة الاستخدام يفرض مخاطر متزايدة يصعب تقييمها وإدارتها.


وتشمل هذه المخاطر إمكان استخدام الذكاء الاصطناعى فى توسيع نطاق الهجمات السيبرانية، ونشر المعلومات المضللة والتلاعب بالمستخدمين، والمساعدة فى أنشطة بيولوجية ضارة، إضافة إلى احتمال تطوير أنظمة قادرة على إنجاز مهام مع تدخل بشرى محدود أو التحايل على بعض آليات الرقابة.


لكن التقرير يشدد أيضًا على تفاوت مستوى الأدلة. فبعض الأضرار بدأ يظهر فعليًا، فيما تبقى مخاطر أخرى غير مؤكدة، وإن كانت عواقبها المحتملة شديدة.


ومن هنا، لم يعد النقاش يدور فقط حول السؤال التقليدي: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعى وظائفنا؟ بل بات يمتد إلى سؤال أكبر: من سيضع القواعد، وهل تستطيع الحكومات مواكبة شركات تتطور تقنياتها خلال أشهر، بينما يحتاج التشريع إلى سنوات؟


ربما لا يكون السيناريو الأكثر واقعية هو «نهاية الوظائف»، لكن من غير الواقعى أيضًا الافتراض أن التكنولوجيا ستخلق تلقائيًا وظائف بديلة لكل من يفقد عمله. فالحكومات باتت تتحمل مسئوليات أكبر، تبدأ ببناء بنية تحتية رقمية ملائمة، وتمر بتحديث التعليم والتدريب والحماية الاجتماعية، ولا تنتهى عند تنظيم الشركات والأنظمة الأكثر تأثيرًا.


قد يصبح الذكاء الاصطناعى أداة لرفع الإنتاجية وتحسين الرعاية الصحية وتطوير التعليم وتسريع البحث العلمى. لكن توزيع هذه المكاسب لن يحدث تلقائيًا، وقد تكون كلفة الانتقال مرتفعة.


ولذلك، لا يتعلق التحدى بإبطاء الذكاء الاصطناعى بقدر ما يتعلق بتسريع قدرة الإنسان والمؤسسات على مواكبته. فالسؤال لم يعد هل ستغيّر هذه الثورة العالم، بل هل ستتمكن الحكومات والمجتمعات من إدارتها قبل أن تتجاوز نتائجها قدرتها على التحكم فيها.


مهى كنج
جريدة النهار العربى

قضايا تكنولوجية قضايا تكنولوجية
التعليقات