بينما تقرأ هذه السطور، سيفتح موظف أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعى، ليستعين به فى تلخيص مذكرّة عمل طويلة، وتصوّر أمٌّ تقريرًا طبيًا لطفلها الرضيع، لتفهم نتائج الفحوصات الطبية التى لم يشرحها لها الطبيب بصورة كافية، ويقوم صاحب أحد المشاريع الصغيرة برفع القوائم المالية الخاصة بمشروعه، ليعرف مواطن الهدر. لعلنا نفرد مقالات تتكّلم عن صحة هذه الممارسات، وما لها وما عليها، لكن ما يعنينا اليوم أن أحدًا منهم لم يدفع فلسًا واحدًا نظير هذه الاستشارات. فهل كانت مجانية فعلًا؟
الجواب أن للخدمة ثمنًا يُدفع بالكامل، لكن يتحمّله طرف ثالث، فى الغالب المعلن، لا المستخدم. والأرقام تقول ذلك صراحةً، إذ أعلنت «ألفابت»، الشركة الأم لجوجل، أن حصة الإعلان تجاوزت 75٪ من إجمالى إيراداتها فى 2024، وأقفلت «ميتا» العام الماضى على إيرادات تقارب 201 مليار دولار، جاء نحو 196 مليارًا منها من الإعلانات وحدها، بل إن ما نساويه ليس سرًا، إذ تفصح الأخيرة فى تقاريرها المدققة بأن متوسط ما تجنيه من الشخص الواحد بلغ نحو 17 دولارًا فى ربع سنة. قد يبدوا المبلغ تافهًا، لكن حين يُضرب فى 3.6 مليار مستخدم يوميًا يصير واحدًا من أضخم اقتصادات العالم!.
لا شك أن الانتباه رخيص بالمفرد، لكنه باهظ بالجملة، وهنا ينبغى ألا نقع فى الاختزال الشائع، بأن الشركات «تبيع بياناتنا»، وإن كان صحيحًا فى الكثير من الأحيان، لكن القيمة لا تتطلّب البيع لطرف ثالث، بل يكفى أن تعرف المنصة ما نبحث عنه وما نتوقف عنده طويلًا. واليوم أتى الذكاء الاصطناعى فرفع السقف، إن جاز التعبير. كانت المنصات تعرف ماذا نفعل، أين نضغط، وأين نتوقف، وكم دقيقة نشاهد، أما اليوم فنحن نخبر الأداة بما نريد، ولماذا نريده، بل امتد ذلك إلى أمور أبعد وأخطر، فقام البعض برفع بيانات حساسة، سواء شخصية أو مؤسسية، إلى هذه المنصات والأدوات. وليس هذا تخمينًا، فبحسب تقارير شركة «سايبرهيفن»، ارتفعت نسبة البيانات الحساسة ضمن ما يزوّده الموظفون لأدوات الذكاء الاصطناعى إلى نحو 35٪ عام 2025، بعد أن كانت قرابة 11٪ قبل عامين.
والصدمة تأتى عندما تخبرك المنصة بأنك وافقت، وهى فى وجهة نظرنا والكثيرين موافقة شكلية أكثر منها حقيقية. ففى دراسة صارت قديمة لباحثتين فى جامعة كارنيجى ميلون، لو أراد مستخدم عادى أن يقرأ سياسة الخصوصية لكل موقع يزوره فى سنة واحدة، لاحتاج إلى نحو 244 ساعة لقراءة نصوص كُتبت لتُمرّر لا لتُفهم. ولا يعنى هذا كله أن نقاطع المجانى. كثير منه يوفر علينا وقتًا ومالًا، ويرفع إنتاجيتنا فعلًا، كما أن الدفع ليس شهادة تميّز فى الخصوصية. المطلوب منّا ألا نعطى الخدمة أكثر مما تحتاجه لكى تخدمنا. إن كانت أداة لتعديل صورة، فلماذا تطلب جهات اتصالك؟ وإن كان موقعًا لقراءة خبر، فلماذا يريد موقعك الجغرافى الدقيق؟ وإن كان مساعدًا ذكيًا، فما الذى يمنعنا من حذف الاسم والرقم المدنى وغيرها من المعلومات الشخصية الحساسة قبل الرفع؟
الموظف والأم وصاحب المشروع سيفتحون التطبيقات غدًا، وهذا ليس عيبًا، لكن العيب الوحيد أن نظنّ أننا لم ندفع، فالخدمات المجانية ليست هدية، بل عقد وقّعناه من دون أن نقرأه!
ضارى عادل الحويل
جريدة القبس الكويتية