تفاوت الثروات عائق أمام النمو - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 24 أغسطس 2026 7:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

تفاوت الثروات عائق أمام النمو

نشر فى : الإثنين 24 أغسطس 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : الإثنين 24 أغسطس 2026 - 6:25 م

لم تعد قضية التفاوت فى توزيع الدخول شأنًا أخلاقيًا محضًا مدارُه عدالة توزيع الثروة، ولا سجالًا أيديولوجيًا يُختزل فى المفاضلة التقليدية بين الرأسمالية والاشتراكية. فقد انتقلت المسألة إلى صميم الفكر الاقتصادى الحديث، وأصبحت موضع اهتمام الاقتصاديين على اختلاف مدارسهم ومذاهبهم، من الليبراليين إلى الكينزيين، ومن أنصار اقتصاد السوق إلى أصحاب المقاربات المؤسسية والتنموية.


ذلك أن اتساع الفجوة بين الطبقات لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد نتيجة جانبية لمسار النمو، وإنما باعتباره عاملًا قد يعيد تشكيل هذا المسار ذاته؛ فيؤثر فى طبيعة الطلب والتضخم، وفى كفاءة تخصيص الموارد وتراكم رأس المال البشرى، وفى قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام وشامل، فضلًا عن انعكاساته المباشرة على معدلات الفقر والحراك الاجتماعى والاستقرار السياسى. والمشكلة الأكثر خطورة تظهر عندما يتحول النمو نفسه إلى نمو على شكل حرف K: صعود قوى لدخول وثروات الفئات العليا، فى مقابل تراجع أو ركود القوة الشرائية والفرص الاقتصادية للفئات الأدنى والطبقة الوسطى.


• • •
قد افترض سيمون كوزنتس فى خمسينيات القرن الماضى أن العلاقة بين التنمية وعدم المساواة قد تأخذ شكل حرف U مقلوب؛ إذ ترتفع الفوارق فى المراحل الأولى للتنمية ثم تبدأ فى الانخفاض مع انتقال العمالة إلى قطاعات أكثر إنتاجية، واتساع التعليم والتحضر، وظهور مؤسسات إعادة التوزيع. لكن التجربة الحديثة أظهرت أن هذه النتيجة ليست قانونًا اقتصاديًا حتميًا. فقد وجدت دراسات لاحقة أن ارتفاع عدم المساواة، ولا سيما عندما يتركز فى الشرائح الدنيا من توزيع الدخل، يمكن أن يضعف النمو اللاحق، من خلال إعاقة تراكم رأس المال البشرى وتقييد الفرص المتاحة للفئات الأقل دخلًا.


وهنا تظهر أهمية التمييز بين عدم المساواة فى الدخل وعدم المساواة فى الفرص. فمعامل جينى يقيس توزيع الدخل، ويتراوح بين صفر فى حالة المساواة الكاملة وواحد فى حالة التركز الكامل للدخل لدى فرد واحد. لكنه لا يخبرنا وحده بما إذا كان أبناء الأسر الفقيرة يستطيعون الحصول على تعليم جيد، أو رعاية صحية مناسبة، أو تمويل لمشروع صغير، أو وظيفة منتجة. وهذه النقطة هى بالضبط ما يجعل مساهمة أمارتيا سن مختلفة عن الطرح الاشتراكى التقليدى.


فى إطار «منظور القدرات» الذى طوره سن، لا ينبغى أن تُقاس رفاهية الإنسان بدخله فقط، وإنما بقدرته الفعلية على أن يعيش الحياة التى لديه أسباب معقولة لتفضيلها. الفقر، وفق هذا المنظور، ليس مجرد نقص فى النقود، وإنما حرمان من قدرات أساسية مثل التعليم والصحة والعمل والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية. لذلك فإن معالجة التفاوت لا تعنى ببساطة أخذ جزء من دخول الأغنياء وإعطائه للفقراء، وإنما توسيع قاعدة الفرص التى تمكّن الأفراد من إنتاج دخلهم بأنفسهم.


• • •
من هنا يمكن فهم العلاقة بين التفاوت والنمو بصورة أكثر دقة. عندما تتركز الزيادة فى الدخل والثروة فى أعلى الهرم، فإن الميل الحدى للاستهلاك يكون عادة أقل لدى هذه الفئات مقارنة بالأسر محدودة ومتوسطة الدخل. ولذلك فإن تحويل نقطة مئوية من الدخل نحو الفئات الأعلى لا يحمل الأثر نفسه على الطلب الكلى الذى يحمله تحويلها نحو الطبقة الوسطى أو الفئات الأدنى. وقد خلص بحث لصندوق النقد الدولى إلى أن زيادة حصة دخول الأغنياء نقطة مئوية ارتبطت بانخفاض نمو الناتج فى السنوات التالية، بينما ارتبطت زيادة دخول الفقراء والطبقة الوسطى بنمو أعلى، وهو ما فسره الباحثون جزئيًا باختلاف الميل إلى الاستهلاك، وبالأثر طويل الأجل على التعليم والمهارات وريادة الأعمال.


وهنا يصبح مفهوم النمو على شكل «K» مهمًا. ففى أعقاب الصدمات الاقتصادية الكبرى، قد تتعافى أرباح الشركات وأسعار الأصول ودخول أصحاب المهارات ورءوس الأموال بسرعة، بينما تظل دخول العاملين فى القطاعات منخفضة الأجر أو غير الرسمية ضعيفة. وهكذا يكون لدينا اقتصاد ينمو فى المتوسط، لكن ثماره موزعة بصورة شديدة الاختلال. وهذه مشكلة إحصائية واقتصادية فى الوقت نفسه: فقد يرتفع الناتج المحلى الإجمالى، بينما يشعر جزء واسع من المجتمع بأنه لا يشارك فى هذا النمو.


أما التضخم، فالعلاقة أكثر تعقيدًا من القول إن عدم المساواة «يسبب» التضخم مباشرة. لكن اتساع الفوارق يمكن أن يغير تركيبة الطلب ويجعل التضخم أكثر إيلامًا للفئات الفقيرة. فالأسرة محدودة الدخل تنفق نسبة أكبر من دخلها على الغذاء والطاقة والسكن والنقل، وهى بنود لا تستطيع بسهولة تأجيل استهلاكها أو استبدالها. لذلك فإن معدل تضخم واحدًا للاقتصاد كله قد يخفى معدلات تضخم مختلفة فعليًا بحسب سلة استهلاك كل طبقة. كما تشير الأدبيات إلى أن استقرار الأسعار نفسه يساعد فى تحسين توزيع الدخول، بينما تكون آثار خفض التضخم من المستويات المرتفعة جدًا على عدم المساواة أكبر بكثير من آثار الانتقال من تضخم منخفض إلى تضخم منخفض جدًا.


• • •
من أخطر الدوائر التى ينبغى الانتباه إليها أن ارتفاع الأسعار يضغط على دخول الطبقات الأدنى، فيدفعها إلى خفض الادخار والتعليم والصحة والاستهلاك النوعى، بينما يستطيع أصحاب الأصول حماية جزء من ثرواتهم عبر العقارات والأسهم والأصول المرتبطة بالتضخم. ومع استمرار هذه العملية، يتحول التضخم من ظاهرة نقدية كلية إلى عامل إضافى فى إعادة توزيع الثروة. وفى المقابل، فإن محاولة تعويض أثر التضخم بإنفاق عام واسع غير ممول قد تغذى موجة تضخمية جديدة. لذلك فإن السياسة الاقتصادية الرشيدة يجب أن تفصل بين الدعم الذى يحمى القدرة المعيشية والدعم الذى يؤجل المشكلة ويزيد الاختلالات المالية والنقدية.


وهنا يلتقى أمارتيا سن، بصورة غير مباشرة، مع بول كروجمان فى رفض اختزال الاقتصاد فى مؤشرات المتوسطات. كروجمان، رغم انطلاقه من تقاليد الاقتصاد الكلى والاقتصاد الدولى وليس من فلسفة العدالة الاجتماعية، جعل قضية توزيع الدخل والقوة الشرائية للطبقة الوسطى جزءًا من تفسير الأداء الاقتصادى والسياسى للولايات المتحدة. وقد انتقد مبكرًا صعود نصيب أعلى 1% من الدخل، موضحًا أن متوسطات الدخل قد تكون مضللة عندما تذهب غالبية مكاسب النمو إلى قمة التوزيع.


أما سن فيذهب أبعد من ذلك: فالمعيار الحقيقى ليس فقط كم يملك الفرد، بل ماذا يستطيع أن يفعل بما يملك. ولهذا فإن سياسة تخفيض جينى من خلال تحويلات نقدية فقط قد تكون أقل استدامة من سياسة تخفضه عبر تحسين التعليم والصحة والنقل العام والإسكان المنتج والتمويل وفرص العمل. فالهدف ليس صناعة مساواة حسابية، وإنما منع تحول الفوارق الاقتصادية إلى فروق دائمة فى القدرات والفرص.


• • •
تؤكد تجارب دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية أن إعادة التوزيع لا تتعارض بالضرورة مع النمو. فقد وجدت دراسات المنظمة أن أثر عدم المساواة على النمو يرتبط بدرجة كبيرة بالفجوة بين الشرائح منخفضة الدخل وبقية المجتمع، وأن إعادة التوزيع عبر الضرائب والتحويلات لا تؤدى بالضرورة إلى إضعاف النمو، إذا صُممت بكفاءة. كما أظهرت دراسات أخرى أن الإنفاق على التعليم والاستثمار العام يمكن أن يخدم الهدفين معًا: رفع النمو وتقليل عدم المساواة.


والدرس من تجارب الدول الأكثر نجاحًا ليس أن تفرض الدولة مساواة قسرية فى الدخول، وإنما أن تمنع التفاوت من التحول إلى تفاوت فى القدرة على المشاركة فى الاقتصاد. فالضريبة العقارية والتصاعدية المصممة جيدًا، ومكافحة التهرب، وتحسين استهداف الدعم، وتوسيع التأمينات الاجتماعية، والاستثمار فى التعليم والصحة، وربط التدريب باحتياجات سوق العمل، وتيسير التمويل للمشروعات الصغيرة، كلها أدوات تستطيع تخفيض معامل جينى من دون خنق الحافز على الاستثمار والعمل.


لا يُفهم مما تقدّم الدعوة إلى محاربة الأغنياء، وإنما منع تحول الثروة إلى امتياز مغلق ينتقل من جيل إلى آخر، ومنع تحول الفقر إلى فخ يستحيل الخروج منه. فاقتصاد السوق يحتاج إلى سوق واسعة قادرة على الاستهلاك، وقوة عمل متعلمة وقادرة على الإنتاج، وطبقة وسطى تمتلك أملًا فى الصعود الاجتماعى. وإذا انكسر هذا السلم، فقد يستمر النمو لبعض الوقت، لكن الاقتصاد يبدأ فى التحرك على ذراعين مختلفتين لحرف «K»: ذراع صاعدة يراكم الثروة، وآخر هابط يراكم الديون والحرمان والإحباط.


وهنا تكمن المسألة الأهم، فخفض معامل جينى ليس هدفًا فى ذاته، كما أن ارتفاع الناتج الإجمالى ليس غاية المراد. ضالتنا هى بناء اقتصاد بمقدوره تحويل النمو إلى فرص، والفرص إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى دخول، والدخول إلى طلب مستدام. عندها فقط يصبح النمو أداة لتقليص الفقر، بدلًا من أن يتحول اتساع الفوارق إلى وقود للفقر والإفقار والاحتقان، وإلى قيد جديد على النمو نفسه.


كاتب ومحلل اقتصادى

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات