كلما أعلنت الجهات الرسمية عن انخفاض معدل البطالة، استُقبل الخبر بترحيب واسع باعتباره دليلًا على تحسن الأوضاع الاقتصادية ونجاح السياسات العامة فى خلق فرص العمل. وهذا الترحيب مفهوم ومبرر؛ فانخفاض البطالة يعنى، فى ظاهره، أن عددًا أكبر من الأفراد أصبح لديهم عمل بعد أن كانوا بلا عمل، وأن الاقتصاد أصبح أكثر قدرة على استيعاب الداخلين إلى سوق العمل.
لكن الاقتصاد، كعادته، أكثر تعقيدًا من أن يُختزل فى رقم واحد. فكما لا يمكن تقييم أداء شركة من خلال حجم مبيعاتها وحده دون النظر إلى أرباحها وإنتاجيتها وتدفقاتها النقدية، لا يمكن الحكم على صحة سوق العمل بمجرد معدل البطالة. فالرقم، رغم أهميته، لا يخبرنا عن طبيعة الوظائف التى نشأت، ولا عن عدد ساعات العمل، ولا عن استقرار الدخل، ولا عن مستوى الأجور الحقيقية، ولا عن مدى استخدام العامل لمهاراته وإمكاناته.
وقد اهتم الفكر الاقتصادى منذ وقت مبكر بمشكلة البطالة، لكن مفهوم التشغيل نفسه تطور مع تطور الاقتصاد. فقد ركز الفكر الكينزى على «التشغيل الكامل» باعتباره هدفًا رئيسيًا للسياسة الاقتصادية، بينما أوضحت نظريات رأس المال البشرى أن العمل ليس مجرد عدد من الأفراد الذين يشغلون وظائف، وإنما أحد أهم مصادر الإنتاجية والنمو. وبمرور الوقت أصبح جليًا أن أداء العمل لا يكفى وحده للحكم على كفاءة سوق العمل. فالوظيفة منخفضة الإنتاجية أو غير المستقرة أو شديدة الانخفاض فى الأجر قد تخرج صاحبها من دائرة البطالة إحصائيًا، لكنها «بطالة مقنّعة» لا تضيف بالضرورة إلى رفاهيته الاقتصادية، وقد لا تضيف كثيرًا إلى إنتاجية الاقتصاد، وهنا تظهر المسافة بين حجم التشغيل وجودة التشغيل.
• • •
تبدأ المشكلة من التعريف الإحصائى ذاته. فوفقًا للمعايير الدولية لقياس سوق العمل، يمكن أن يُصنف الشخص ضمن «المشتغلين» إذا أدى نشاطًا اقتصاديًا لمدة ساعة واحدة على الأقل خلال الأسبوع المرجعى للمسح، وفق الشروط التى يحددها التعريف الإحصائى للعمل. هذا المعيار له منطق إحصائى مهم؛ فهو يوفّر قاعدة موحدة تسمح بالمقارنة بين الدول وعبر الزمن. لكنه فى الوقت نفسه يخفى فروقًا اقتصادية كبيرة. فالشخص الذى عمل ساعة واحدة خلال الأسبوع فى نشاط عرضى، والشخص الذى يعمل بدوام كامل فى مصنع أو شركة ويحصل على دخل مستقر، يمكن أن يقع كلاهما فى التصنيف الإحصائى نفسه كمشتغلين.
ومن هنا لا يصح أن نقرأ ارتفاع عدد المشتغلين باعتباره مساويًا بالضرورة لزيادة عدد الوظائف المستقرة والكافية للمعيشة. بل إن السؤال الأكثر أهمية يصبح: كم ساعة يعمل هؤلاء؟ وما متوسط إنتاجيتهم؟ وما الذى يحصلون عليه من دخل؟ وهل يستطيعون الاعتماد على هذا العمل لبناء مستوى معيشى مستقر؟ وتزداد المشكلة تعقيدًا إذا ميزنا بين مفهوم «العمل» ومفهوم «الوظيفة». فالإحصاءات الحديثة لا تشترط أن يكون الشخص موظفًا لدى شركة أو مؤسسة حتى يُعد مشتغلًا. فقد يكون صاحب مشروع، أو عاملًا لحسابه الخاص، أو يعمل فى نشاط عائلى، أو يمارس عملًا حرًا أو نشاطًا عبر منصة رقمية.
• • •
ومن هنا يمكن أن يدخل فى عداد المشتغلين صانع محتوى أو «تيك توكر» يحقق دخلًا من الإعلانات أو الرعاية أو المنصات الرقمية، حتى لو لم يكن لديه عقد عمل تقليدى أو مكتب أو ساعات دوام ثابتة. لكن هذا لا يعنى أنه «موظف» بالمعنى القانونى؛ بل يعنى أنه يمارس نشاطًا اقتصاديًا يمكن أن يصنف إحصائيًا ضمن العمل. وهذا الفارق مهم للغاية فى عصر الاقتصاد الرقمى. فصانع محتوى يحقق دخلًا مرتفعًا ومستقرًا من نشاطه يمثل بالفعل موردًا اقتصاديًا منتجًا، لكن شخصًا آخر قد يقضى ساعات طويلة فى إنتاج المحتوى ولا يحصل إلا على دخل هامشى ومتقطع. كلاهما قد يكون «مشتغلًا»، لكن الفارق بين وضعيهما الاقتصادى كبير.
والأمر نفسه ينطبق على العامل المستقل، وسائق المنصة الرقمية، والبائع عبر الإنترنت، وصاحب النشاط الموسمى. من هنا يمكن أن نستنتج أن اتساع مفهوم العمل يعكس تحولًا حقيقيًا فى الاقتصاد، لكنه يجعل عدد المشتغلين أقل قدرة بمفرده على وصف جودة سوق العمل. لذلك ظهر مفهوم نقص استخدام العمل (Labour Underutilization)، وهو من أهم التطورات فى منهجية تحليل سوق العمل. والفكرة الأساسية بسيطة: ليس كل من لا يُصنف عاطلًا مستخدمًا لطاقته البشرية استخدامًا كاملًا.
فهناك أولًا من يعملون لساعات أقل مما يرغبون فيه، ويستطيعون ويودون العمل لساعات إضافية لو توفرت لهم الفرصة. هؤلاء يخرجون من دائرة البطالة، لكنهم لا يحصلون على قدر العمل الذى يحتاجونه. وهناك من يعملون فى وظائف مؤقتة أو موسمية أو منخفضة الإنتاجية، وقد تكون بعيدة عن مؤهلاتهم وخبراتهم. هؤلاء أيضًا «مشتغلون» من الناحية الإحصائية، لكن الاقتصاد لا يستفيد بالضرورة من كامل قدراتهم. ثم تأتى فئة أكثر تعقيدًا، وهى الأشخاص القادرون على العمل والراغبون فيه، لكنهم توقفوا عن البحث عن وظيفة لأنهم فقدوا الأمل فى العثور عليها. هؤلاء قد يخرجون من قوة العمل نفسها، وبالتالى لا يظهرون فى معدل البطالة. وهنا تنشأ المفارقة الكبرى، فقد ينخفض معدل البطالة لأن الاقتصاد خلق وظائف جديدة، وقد ينخفض أيضًا لأن عددًا متزايدًا من الباحثين عن العمل توقفوا «يـأسًا» عن البحث. البيان واحد، لكن المدلول الاقتصادى شديد التباين.
• • •
إذن قد ينخفض معدل البطالة دون أن تتحسن كفاءة السوق، لأن معدل البطالة يقيس علاقة محددة: عدد العاطلين إلى قوة العمل، لكنه لا يقيس حجم الموارد البشرية غير المستغلة بالكامل. لذلك يمكن أن يتراجع المعدل بينما يظل الاقتصاد يعانى من ضعف فى ساعات العمل، أو تدنى الإنتاجية، أو انخفاض الأجور الحقيقية، أو ارتفاع العمالة غير الرسمية. وهذا هام جدًا خاصة فى الاقتصادات التى تنتشر فيها الأعمال غير الرسمية والموسمية.
وتقدم الولايات المتحدة مثالًا واضحًا على أهمية النظر إلى ما وراء معدل البطالة. فإلى جانب معدل البطالة الرسمى، تتابع المؤسسات الاقتصادية مؤشرًا أوسع هو U-6، الذى يضيف العاملين بدوام جزئى لأسباب اقتصادية والأشخاص المرتبطين هامشيًا بسوق العمل. وقد ظهر خلال فترات التعافى بعد الأزمات أن انخفاض البطالة الرسمية لا يعنى بالضرورة أن جميع أشكال ضعف سوق العمل قد اختفت.
وفى ألمانيا، أدى انخفاض البطالة بعد إصلاحات سوق العمل إلى نقاش واسع حول جودة بعض الوظائف الجديدة، ولا سيما الوظائف الجزئية منخفضة الأجر. فالنجاح فى خلق فرص عمل لا يصبح نجاحًا اقتصاديًا كاملًا إذا كان جزء كبير من تلك الوظائف لا يوفر دخلًا كافيًا أو استقرارًا مناسبًا.
أما اليابان فتقدم حالة مختلفة: فتراجع البطالة إلى مستويات شديدة الانخفاض لم يمنع استمرار مشكلات أخرى، مثل نقص العمالة المرتبط بالشيخوخة السكانية وبعض تحديات الإنتاجية. أى أن سوق العمل قد يعانى من مشكلة نقص العمال حتى فى الوقت الذى يبدو فيه، وفق معدل البطالة وحده، فى أفضل حالاته.
البيانات الأخيرة لسوق العمل فى مصر تحمل بالفعل عناصر إيجابية. فقد انخفض معدل البطالة إلى 5,8%، وارتفعت قوة العمل إلى نحو 35,64 مليون فرد، كما ارتفع عدد المشتغلين إلى نحو 33,6 مليون. لكن هذه الأرقام تصبح أكثر دلالة إذا سألنا: ما طبيعة الوظائف التى خلقت هذه الزيادة؟ فالزراعة وصيد الأسماك يستحوذان على نحو 18,6% من العمالة، والتجارة على 17,2%، والصناعة التحويلية على 13,5%، والتشييد والبناء على 11,8%. وهذه التركيبة لا تعنى بالضرورة ضعفًا فى سوق العمل، لكنها تستدعى سؤالًا عن الإنتاجية والقيمة المضافة والاستقرار والدخل الحقيقي. كما أن الفجوة بين بطالة الذكور، التى تبلغ 3,4%، وبطالة الإناث التى تبلغ 14,4%، تكشف أن الاقتصاد لا يزال بعيدًا عن الاستفادة الكاملة من جزء كبير من رأسماله البشري. والأهم أن ارتفاع عدد المشتغلين لا يخبرنا وحده ما إذا كانت الزيادة جاءت فى وظائف مستقرة وعالية الإنتاجية، أم فى أنشطة مؤقتة أو منخفضة الساعات أو غير رسمية.
لا يعنى ذلك التقليل من أهمية معدل البطالة. فهو مؤشر أساسى، وانخفاضه خبر إيجابى بالفعل. لكن ينبغى وضعه ضمن لوحة مؤشرات أوسع تشمل معدل المشاركة الاقتصادية، ونسبة التشغيل إلى السكان، ومتوسط ساعات العمل، ونقص الاستخدام، ونسبة العمالة غير الرسمية، وإنتاجية العامل، ومستوى الأجور الحقيقية، ومدى توافق الوظائف مع مهارات العاملين. فإذا انخفضت البطالة وارتفعت الأجور الحقيقية والإنتاجية وساعات العمل المستقرة، فهذه علامة قوية على تحسن حقيقى فى سوق العمل. أما إذا انخفضت البطالة بينما تتراجع الأجور الحقيقية، أو تنتشر الأعمال منخفضة الإنتاجية، أو يزداد الاعتماد على العمل غير الرسمى والمتقطع، فإن الرقم الإيجابى يحتاج إلى قراءة أكثر حذرًا.
كاتب ومحلل اقتصادى