عادة ما يشيع الخلط بين تعميق الصناعة وتوطينها محليًا، لكن الخلط الأكثر خطورة هو الذى يجعل من تعميق وتوطين الصناعة هدفًا فى حد ذاته، بمعزل عن المزايا النسبية والمزايا التنافسية التى تتمتع بها كل صناعة، وعن التكلفة الاقتصادية الكلية لتوفير مدخلاتها.
• • •
أولًا، يُقصد بتعميق الصناعة زيادة درجة القيمة المضافة المحلية داخل سلسلة الإنتاج، من خلال الانتقال من مجرد تجميع أو تصنيع المراحل الأولية إلى إنتاج مدخلات ومكونات وعمليات أكثر تقدمًا، بما يزيد من المحتوى المحلى والمعرفة الفنية والتشابكات بين الصناعات، ويرفع نصيب الاقتصاد من القيمة التى يولدها المنتج النهائى. أما توطين الصناعة فيعنى إقامة النشاط الإنتاجى داخل الدولة، سواء من خلال استثمارات محلية أو أجنبية، بما يؤدى إلى إنتاج السلعة أو بعض مراحلها محليًا بدلًا من استيرادها.
والفرق جوهرى بين المفهومين؛ فقد تكون صناعة ما موطّنة بالكامل داخل الدولة، لكنها لا تحقق إلا قيمة مضافة محدودة، وقد تكون عميقة من حيث تعدد مراحل الإنتاج، لكنها تعتمد بصورة كبيرة على مدخلات مستوردة لا تمتلك الدولة فى إنتاجها أى ميزة نسبية أو تنافسية. ومن هنا فإن التوطين ليس بالضرورة تعميقًا، والتعميق ليس بالضرورة تعظيمًا للقيمة المضافة الصافية.
وتختلف المزايا النسبية التى تتمتع بها الدولة عن المزايا التنافسية؛ فالأولى تعكس، فى جانب مهم منها، ما حبا الله به الدولة من موارد طبيعية وموقع جغرافى ومناخ ومصادر للطاقة وغيرها من المقومات التى تشكل نقطة البداية، بينما تعكس المزايا التنافسية قدرة الدولة على تطوير هذه المقومات وتحويلها إلى قدرات إنتاجية مستدامة، من خلال التعليم والتدريب، والتكنولوجيا، والبنية الأساسية، وكفاءة المؤسسات، والبحث والتطوير، وتحسين الإنتاجية، وخفض الهدر والفاقد وتكلفة النقل والتوزيع.
وبالتالى، فإن الدولة لا ينبغى أن تسأل فقط: «هل نستطيع إنتاج هذه السلعة محليًا؟»، وإنما عليها أن تسأل سؤالًا أكثر أهمية: «هل نملك أو نستطيع أن نبنى ميزة نسبية أو تنافسية مستدامة فى إنتاجها؟». فإذا لم تملك الدولة أيًا من المزايا النسبية المتصلة بصناعة معينة، وعجزت فى الوقت ذاته عن ابتكار مزايا تنافسية تعزز مركزها فيها، كتأهيل وتدريب مواردها البشرية، أو تطوير التكنولوجيا، أو تخفيض الهدر والفاقد فى عمليات التصنيع والتوزيع، فإن تصميم السياسات الصناعية والتجارية بهدف توطين هذه الصناعة يفتقر إلى الرشادة الاقتصادية، حتى لو بدا ظاهريًا أنه يحقق هدف «زيادة المكون المحلى».
• • •
فالسياسة الصناعية الرشيدة لا تقيس نجاحها بعدد المصانع التى أقيمت، ولا بنسبة المكون المحلى وحدها، وإنما بقدرتها على خلق قيمة مضافة صافية، وزيادة الإنتاجية، وتوليد فرص العمل ذات المهارة، وتعزيز الصادرات، وتقليل الاعتماد على النقد الأجنبى، والأهم ألا يكون تحقيق أحد هذه الأهداف على حساب استنزاف مورد اقتصادى نادر تحتاج إليه قطاعات أخرى ذات عائد أعلى.
ومثال ذلك الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة فى دولة تفتقر إلى الطاقة وتستوردها بالنقد الأجنبى الشحيح، ثم تقوم بإعادة تصدير منتجها البدائى، غير المعزز بصناعات ذات قيمة مضافة تتمتع بمزايا نسبية أو تنافسية حقيقية. فى هذه الحالة قد تبدو الدولة وكأنها تصدر منتجًا صناعيًا، بينما هى فى جزء من الحقيقة تعيد تصدير الطاقة التى استهلكتها فى إنتاجه بعد
تحويلها إلى سلعة منخفضة القيمة المضافة.
وهنا قد تقع بعض الصناعات فى مفارقة اقتصادية مهمة؛ فهى تعمل قانونيًا فى مجال معين، لكنها اقتصاديًا تمارس نشاطًا مختلفًا عما قد يتصوره صانع السياسة. فكثير من الصناعات العاملة فى مجال الصهر والصب للمعادن، على سبيل المثال، قد تبدو صناعات حديد وصلب أو ألمونيوم ونحاس، بينما يكون الجزء الأكبر من ميزتها الاقتصادية قائمًا على توافر الطاقة منخفضة التكلفة. وإذا تغيرت وفرة الطاقة أو أسعارها، انكشف أن الميزة التى قامت عليها الصناعة لم تكن فى المعدن ذاته وإنما فى مدخل الطاقة.
ولا يعنى ذلك بطبيعة الحال أننى لا أشجع توطين هذه الصناعات؛ على العكس، فإن نصيب الفرد من إنتاج الصلب وأهم المعادن يمثل أحد المؤشرات المهمة على تطور القاعدة الصناعية للدول. لكن السؤال الحقيقى هو: أى إنتاج نريد توطينه؟ إنه الإنتاج الذى يملك قيمة مضافة حقيقية، ويعكس مزايا الدولة، ويخلق روابط أمامية وخلفية مع قطاعات أخرى، ويولد صادرات مستدامة، ولا يرهق الاقتصاد باستنزاف مورد نادر لا يحقق العائد نفسه إذا جرى توجيهه إلى استخدامات أخرى.
وفى صناعة الحديد والصلب، مثلًا، يظن البعض أن المنتج النهائى لمصانع الحديد هو حديد التسليح وبعض القطاعات والكمر والزوايا. لكن الحقيقة أن هذا هو المنتج النهائى للمصنع، وليس للصناعة. فصناعة الحديد والصلب ذات الطابع الاستراتيجى، والتى ينبغى للدول أن تعتنى بها، خصوصًا فى ظل حروب التجارة والارتداد النسبى عن العولمة، لا ينبغى أن تتوقف عند إنتاج المعدن، وإنما يجب أن تمتد إلى أنشطة صناعية تستخدم هذا المعدن فى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، واستهلاك نسبى أقل للطاقة، واستهلاك أكبر للمعرفة.
• • •
فالهدف ليس أن تنتج مصر المزيد من أطنان الصلب فحسب، وإنما أن تستخدم الصلب لإنتاج السيارات، والأجهزة والمعدات الكهربائية، والآلات، ومكونات البنية الأساسية، والمنتجات الهندسية المتخصصة، وغيرها من الصناعات التى تضيف المعرفة والتكنولوجيا والتصميم والخدمات إلى قيمة المعدن.
وينطبق الأمر ذاته على قطاع التشييد والبناء. فزيادة الطاقة الإنتاجية للحديد ينبغى أن ترتبط بتطور الطلب الحقيقى على المنتجات النهائية، لا بمجرد افتراض أن زيادة الإنتاج تعنى بالضرورة زيادة التصنيع. ومن هنا فإن تنمية وتنشيط السوق العقارية وسوق البنية الأساسية والصناعات المرتبطة بهما يجب أن تسير بالتوازى مع أى توسع فى الطاقات الإنتاجية للصلب، حتى لا يتحول التوسع فى الطاقة الإنتاجية إلى طاقة فائضة تبحث عن أسواق خارجية فى ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج محليًا.
وبمناسبة رسوم مكافحة الإغراق والدعم التى فرضتها الولايات المتحدة على حديد التسليح المصرى، تبرز هذه المسألة بصورة أكثر وضوحًا. يُقال إن ميزة صناعة الصلب شبه المتكاملة أنها تحقق «عمقًا أكبر للصناعة» لأنها تستورد الخردة، وهى مدخل أقل تكلفة دولارية بكثير من البيليت؛ فقد يبدو الفارق، مثلًا، بين خردة بنحو ١٠٠ دولار للطن وبيليت بنحو ٥٠٠ دولار.
لكن هذه المقارنة تغفل الحلقة الأهم: تحويل الخردة إلى صلب ثم صبه يحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة، فى صورة الغاز والكهرباء، خصوصًا فى تكنولوجيا أفران القوس الكهربائي. وفى ظل تغير وضع الطاقة فى مصر واعتمادها المتزايد على استيراد الغاز لتلبية احتياجاتها، لا ينبغى اعتبار الوفر الظاهر فى استيراد الخردة وفرًا صافيًا للاقتصاد. فالحساب الصحيح يجب أن يأخذ فى الاعتبار تكلفة الطاقة والعملة الأجنبية المستخدمة لاستيرادها، إلى جانب كفاءة التشغيل والقيمة المضافة والقدرة على التصدير. ومن ثم يصبح السؤال: كم دولارًا نوفر فى الخردة، وكم ننفق فى المقابل على الغاز والكهرباء لتحويلها إلى صلب؟ وكم من هذه الطاقة كان يمكن توجيهه إلى صناعات تحقق قيمة مضافة وصادرات أعلى؟
وتزداد المفارقة إذا تحولت المعاملة التفضيلية للطاقة، من منظور سلطات تجارية أجنبية، إلى دعم قابل للتعويض. ففى قرارها النهائى الصادر فى يوليو ٢٠٢٦، حددت وزارة التجارة الأمريكية رسوم مكافحة الإغراق عند ٣٤٫٢٠٪ لعز وباقى الشركات المصرية، و٥٢٫٧٣٪ للمراكبى والسويس، إلى جانب معدل دعم قدره ٢٣٫٢٧٪. وقد تناول التحقيق، ضمن عناصر أخرى، مدخلات وخدمات مرتبطة بالطاقة، بما يعنى أن ميزة تتحمل مصر تكلفتها لدعم الصناعة المحلية قد تنعكس جزئيًا فى صورة رسوم على صادراتها.
• • •
وبذلك لا يعود السؤال فقط: كم وفرنا باستيراد الخردة بدلًا من البيليت؟ وإنما أيضًا: كم أنفقنا على الطاقة لتحقيق هذا الوفر، وكم من القيمة المضافة بقى داخل الاقتصاد المصرى، وكم منها تحول فى النهاية إلى تكلفة على الموازنة وميزان المدفوعات أو إلى رسوم تحصلها دولة أخرى؟
وهذه ليست دعوة إلى إلغاء الصناعة أو العودة إلى استيراد المنتجات النهائية، وإنما إلى إعادة تعريف معنى «التصنيع» نفسه. فليس كل استبدال للواردات تصنيعًا ناجحًا، وليس كل ارتفاع فى المكون المحلى تعميقًا اقتصاديًا. والرؤية الصناعية التى تحتاج إليها مصر يجب أن تنقل مركز الاهتمام من «توطين السلعة» إلى «توطين القيمة»، ومن عدد الأطنان المنتجة إلى القيمة المضافة لكل طن، ومن حجم الاستثمار إلى إنتاجية رأس المال، ومن تكلفة المدخل المحلى إلى تكلفته الاقتصادية الحقيقية، ومن الحماية المؤقتة إلى القدرة على المنافسة.
فالهدف النهائى للتصنيع ليس الاكتفاء الذاتى فى كل شىء، وإنما إنتاج وتصدير ما تستطيع مصر إنتاجه بكفاءة وقيمة مضافة حقيقية، وتوجيه مواردها المحدودة، وفى مقدمتها الطاقة والمياه ورأس المال والنقد الأجنبى، إلى الاستخدامات الأكثر إنتاجية. وعندها فقط يصبح تعميق الصناعة وتوطينها وسيلتين للتنمية الصناعية، لا غايتين فى حد ذاتهما.
كاتب ومحلل اقتصادى