اقتصاديات الموالد والمنتديات - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 26 أكتوبر 2026 10:14 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

اقتصاديات الموالد والمنتديات

نشر فى : الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 9:25 م | آخر تحديث : الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 9:25 م

شهدت مدينة طنطا خلال الأيام الماضية مولد السيد أحمد البدوى، أحد أشهر الموالد الشعبية فى مصر، الذى تتوافد عليه أعداد كبيرة من المواطنين من مختلف المحافظات، فى مشهد تتداخل فيه الممارسات الدينية والاحتفالات الشعبية والعلاقات الاجتماعية، مع حركة اقتصادية موسمية واسعة. وللموالد أهمية ثقافية واجتماعية واقتصادية لدى قطاعات مختلفة من المصريين، فهى ليست محض مناسبة دينية، وإنما مساحة تنشط فيها التجارة الصغيرة، وتنتعش مبيعات الأغذية والمشروبات، ويجد الباعة المتجولون وأصحاب الأنشطة متناهية الصغر والعاملون فى الاقتصاد غير الرسمى فرصًا للكسب، ولو لفترة محدودة.
• • •
من منظور اقتصادى، يمكن النظر إلى الموالد باعتبارها تجمعات موسمية تحرك الطلب على مجموعة من السلع والخدمات، وتعيد توزيع الدخل بين عدد كبير من المشاركين فى النشاط الاقتصادى. لكنها، شأنها شأن أى نشاط آخر، لا تُقاس جدواها بمجرد حجم الحشود أو الأموال المتداولة خلالها، وإنما بما تولده من قيمة مضافة، وبما تحققه من منافع مقارنة بالتكاليف والموارد المستخدمة. فالإنفاق الذى يتحمله زائر المولد يمثل إيرادًا لبائع أو مقدم خدمة، لكنه لا يعنى بالضرورة خلق قيمة اقتصادية جديدة بالقدر نفسه، إذ يتوقف ذلك على طبيعة النشاط، ومكوناته الإنتاجية، ومصادر تمويله، وما يترتب عليه من تكاليف مباشرة وغير مباشرة.
غير أن أهمية الموالد لا تختزل فى حسابات الربح والخسارة؛ فالعوائد الثقافية والاجتماعية لا يمكن قياسها بالنقود فحسب. والمقصود هنا ليس إصدار حكم على هذه المناسبات، وإنما اتخاذها مدخلًا للتفكير فى سؤال اقتصادى ومؤسسى أوسع: هل تكفى مظاهر الحركة وكثافة الحضور لإثبات نجاح أى نشاط؟ وهل يعنى امتلاء الساحات والقاعات أن الأهداف التى أُنشئ النشاط من أجلها قد تحققت بالفعل؟
يكتسب السؤال أهميته حين ننتقل من الموالد الشعبية إلى المؤتمرات والفعاليات التى تُعقد بغرض التعبئة، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو مؤسسية. ففى الحالتين، يمكن أن نشاهد حشودًا كبيرة، وتنظيمًا مكثفًا، وخطابات حماسية، وتغطية إعلامية واسعة. لكن التشابه هنا يقتصر على مظاهر الحشد، ولا يمتد بالضرورة إلى طبيعة النشاط أو أهدافه أو عوائده. فالمولد له غايات دينية واجتماعية وثقافية مشروعة فى نظر المشاركين فيه، بينما يُفترض فى المؤتمر العام أن تكون له أهداف محددة يمكن تقييم مدى تحققها.
المشكلة تبدأ حين يتحول الحشد من وسيلة لتحقيق الهدف إلى هدف فى حد ذاته، وحين يصبح عدد المشاركين، وحجم التغطية الإعلامية، ومستوى التصفيق والتفاعل، مؤشرات بديلة عن النتائج الفعلية. عندئذٍ قد تنجح الفعالية فى إنتاج مشهد احتفالى متكامل، لكنها تفشل فى إحداث تغيير ملموس فى الواقع الذى انعقدت من أجله.
• • •

من الناحية الاقتصادية، تظل لكل مؤتمر تكلفة مباشرة تشمل التنظيم والتجهيزات والانتقالات والإقامة والمواد الدعائية وغيرها، فضلاً عن تكلفة غير مباشرة تتمثل فى الوقت الذى يخصصه المشاركون والمسئولون للتحضير والحضور، وما قد يترتب على ذلك من تعطيل لأعمال أخرى، ناهيك عما ترسله المشاركات من إشارات ملتبسة أو سلبية نتيجة لكثرة اللغط، فـقديمًا قالوا: «من كثر لغطه كثر غلطه». ولا يعنى هذا أن تلك التكاليف مهدرة بالضرورة؛ فقد يسهم المؤتمر فى تبادل المعلومات، أو بناء العلاقات، أو جذب الاستثمارات، أو إطلاق مبادرات جديدة. لكن هذه المنافع ينبغى أن تظهر فى نتائج يمكن التحقق منها، لا أن تُفترض تلقائيًا لمجرد انعقاد المؤتمر أو نجاحه فى حشد المشاركين.
وهنا تبرز أهمية مفهوم تكلفة الفرصة البديلة، وهو من المفاهيم الأساسية فى الاقتصاد. فالموارد التى تُنفق على فعالية ما لا تتحدد تكلفتها بقيمتها النقدية وحدها، وإنما أيضًا بما كان يمكن تحقيقه لو وُجهت هذه الموارد إلى استخدام آخر. وقد يكون المؤتمر مبررًا اقتصاديًا واجتماعيًا إذا تجاوزت منافعه تكاليفه، لكنه يصبح موضع تساؤل عندما تتكرر الفعاليات، وتتضخم نفقاتها، بينما تظل النتائج المعلنة غامضة أو يتعذر قياسها.
والأخطر أن بعض المؤتمرات التعبوية قد تأتى بنتائج عكسية. فبدلاً من أن تسهم فى كشف المشكلات ومناقشة أسبابها، قد تخلق انطباعًا بأن الأمور تسير على ما يرام، لمجرد أن القاعة ممتلئة والخطابات تتسم بالتفاؤل. وبدلاً من أن تفتح المجال أمام الاختلاف وتبادل الرأى، قد تشجع على تكرار الرسائل نفسها، وتكافئ من يجيد التعبير عن التوافق الظاهرى أكثر ممن يطرح أسئلة صعبة أو يكشف أوجه القصور.
وفى هذه الحالة، لا تقتصر الخسارة على الأموال والوقت، بل تمتد إلى جودة القرارات نفسها. فالمؤسسة التى تخلط بين الحماس والاقتناع، وبين الإعلان عن الأهداف وتحقيقها، قد تبنى تقييماتها على مؤشرات مضللة، وتواصل إنفاق الموارد على أنشطة لا تعالج أسباب المشكلة الأصلية. وقد يتحول نجاح الفعالية إعلاميًا إلى مبرر لتكرارها، حتى إن لم يتحقق تقدم ملموس فى الملف الذى انعقدت من أجله.
• • •
ومن منظور الإصلاح المؤسسى، تنشأ هنا مشكلة تتعلق بالحوافز. فإذا كان تقييم المسئول يعتمد على عدد المؤتمرات التى نظمها، وحجم الحضور الذى استطاع حشده، ومدى التغطية الإعلامية التى حصل عليها، فمن الطبيعى أن تتجه جهوده إلى الأنشطة التى يسهل عرضها وتوثيقها، لا بالضرورة إلى الأنشطة التى تحقق أعلى عائد للمجتمع. أما إصلاح الإجراءات، وتحسين الإنتاجية، وخفض التكلفة، وتطوير جودة الخدمات، فهى أعمال قد تستغرق وقتًا طويلاً، ولا تنتج مشاهد احتفالية جذابة، لكنها قد تكون أكثر أهمية فى تحقيق الأهداف المعلنة.
ولعل الدرس الأهم الذى يمكن استخلاصه من اقتصاديات الموالد والمنتديات هو أن النشاط الاقتصادى والاجتماعى قد يكون ظاهرًا ومكثفًا، من دون أن يكون ذلك كافيًا للحكم على قيمته النهائية. وفى المقابل، لا ينبغى إغفال المنافع التى يصعب قياسها بالنقود، سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو مؤسسية. المطلوب إذن ليس اختزال كل شىء فى حساب مالى، وإنما استخدام معايير تتناسب مع طبيعة النشاط وأهدافه، والتمييز بين ما يُنفق وما يُنتج، وبين ما يبدو نجاحًا وما يثبت أنه كذلك.
فالمولد الشعبى يستمد جانبًا كبيرًا من قيمته من المعانى التى يحملها لدى المشاركين فيه، ومن النشاط الذى يتيحه لفئات اجتماعية واسعة. أما المؤتمر أو المنتدى الذى يُعقد لتحقيق هدف اقتصادى أو مؤسسى، فلا يمكن أن يكتسب قيمته من الحشد وحده، بل مما يترتب عليه من قرارات وتنفيذ ونتائج.
• • •
وفى النهاية، ربما يكون السؤال الذى ينبغى أن نطرحه على كل مؤسسة تنظم مؤتمرًا أو فعالية تعبوية هو: ماذا تغير بعد انفضاض الحضور؟ وما الجديد فى الطرح؟ وما القرارات التى اتُخذت، وما الالتزامات التى نُفذت، وما القيمة التى أُضيفت إلى الاقتصاد أو المجتمع؟.. فإذا لم تكن لدينا إجابات واضحة، فقد نكون قد نجحنا فى تنظيم المشهد، لكننا لم ننجح بالضرورة فى تحقيق الهدف.
فالاقتصاد لا يقيس النجاح بضجيج الحركة، والمؤسسات لا تتقدم بمجرد إثبات أنها تعمل؛ إنما تتقدم حين يصبح لكل نشاط غرض واضح، ولكل إنفاق عائد يمكن تفسيره، ولكل حشد نتيجة تتجاوز لحظة التصفيق.

 


كاتب ومحلل اقتصادى

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات