نشرت جريدة «الخليج» الإماراتية مقالًا للكاتبة شيماء المرزوقى، تحذر فيه من خطورة «متلازمة تأجيل الحياة» وانتظار الظروف المثالية للبدء فى المهام والتمتع بالتفاصيل؛ كما تدعو المرزوقى إلى البدء فورًا والعيش بسعادة وتوازن دون تسويف، لأن الوقت والفرص المفقودة لا يمكن تعويضها.. نعرض من المقال ما يلي:
ليسوا قليلين أولئك الذين يقررون التوقف والانتظار، وتأجيل مشروع، أو مهمة، أو دراسة، أو تدريب، أو نحوها من المهام الحياتية التى تفيدهم وترتفع بهم وتزيدهم معرفة وتمكينًا.
قرار التأجيل سهل، وبالتأكيد أنه أسهل من المهمة نفسها مهما كانت، لكن نتائج هذا القرار على المدى البعيد مؤلمة ومحملة بالأسف والندم. وهذا الذى تقوله لنا خبرات وتجارب من سبقونا. ومهما كانت مبررات التأجيل أو التسويف، فإنها تبقى اعتذارات غير صحيحة، عندما يقول أحدهم: سأبدأ القراءة غدًا، أو سأضع برنامجًا رياضيًا وألتزم به بعد أن أنتهى من المشروع الفلانى، أو سأشتغل على المشروع الفلانى... إلخ فإنها جميعها وعود غير مبررة، خاصة إذا لم تكن هناك فعلًا أسباب واضحة وتصب فى مصلحة المهمة نفسها، مثل الاستعداد بالمزيد من المعلومات أو ترتيب ما يساهم فى النجاح، لكن التأجيل دون أى سبب هو هروب خفى، وتجنب لمهمة قد تكون دافعة للتفوق وتحقيق النجاحات.
مثل هذه الحالات، المحملة بالتأجيل، مرصودة فى العلم وتحديدًا فى علم النفس الحديث، وتمت تسميتها «متلازمة تأجيل الحياة». وتنمو هذه المتلازمة بسبب انتظار الظرف المثالى، والتخلص من الانشغال أو المنغصات، ونحن نعلم أن هذا لا يمكن أن يتحقق خاصة فى ظل حياة عمليَّة ومتسارعة، وبالتالى انتظار الظرف المثالى مجرد سراب لا وجود له.
المشكلة البالغة فى مثل هذا التأجيل، أنها تسبب خسائر لا يمكن تعويضها، مثل سنوات طفولة الأبناء التى لا يمكن أن تنتظر فراغ الوالدين، وصحة الجسد التى تذوب بسبب الإهمال، واللقاءات العائلية التى تفتر مع مرور الوقت، إن خسارة الأيام الهادئة التى كانت تحمل جوهر السعادة، قد لا تعود بنفس عمقها وما تحمله من مشاعر.
لذا علينا جميعًا البدء بالتخلص من حالة وهم الانتظار، لأن هذا الوهم قد يكون متواجدًا عند البعض من الناس بدرجة كبيرة وواسعة، والبعض بدرجة أقل، لكنه متواجد، ويحتاج لفهم ومعالجة سريعة وجذرية. الحياة عبارة عن تفاصيل يومية مستمرة، قد تكون فى فنجان قهوة مع الصباح الباكر، أو محادثة ودية لطيفة، أو ساعة من الهدوء مع من نحب كالأم أو الأب أو أى من أفراد الأسرة، أو فى قراءة صفحة من كتاب قبل النوم رغم تزاحم المهام.
علينا عدم انتظار الوقت المناسب، ولا أن ننتظر هدوء العاصفة، حتى نعيش الحياة بعفوية وجدارة واستمرار.