نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالا للكاتب الحسين الزاوى، يوضح فيه التحديات الهيكلية والمادية التى تعترض مساعى أوروبا لتحقيق «السيادة الرقمية».. نعرض من المقال ما يلى:
كانت السيادة وما زالت تمثل إحدى الرهانات الكبرى فى مجمل المواجهات الجيوسياسية بين مختلف الفاعلين على المستوى الدولى، ولا يخلو أى صراع إقليمى أو عالمى من عناصر تتصل بالسيادة.
ويتم الحديث فى أوروبا غالبًا، كما يشير إلى ذلك أوبير فيدرين، عن السيادة من منطلق الدفاع عنها أو استعادتها وتطويرها، وكثيرًا ما يكون معناها ملتبسًا فى عصرنا الذى تهيمن عليه العولمة والتبعية المتبادلة بين مختلف الدول، ويتعلق الأمر بأن لا تكون الدول القومية معتمدة بشكل كامل على الغير، وأن تمتلك القدرة على اتخاذ قراراتها انطلاقًا من هامش معقول من الحرية.
ونتيجة لتداخل التكنولوجيا بالجوانب الجيوسياسية، باتت السيادة تتجاوز الحيّز الجغرافى لتصل إلى الفضاء الرقمى، وتشير السيادة الرقمية التى تبحث أوروبا عن السبل الكفيلة بتعزيزها، إلى قدرة الدول الأوروبية على التحكّم فى نشاطاتها الرقمية من خلال السيطرة على البيانات والبنى التحتية الرقمية والبرمجيات، والحوسبة السحابية والأمن السيبرانى، وعلى تقنيات الذكاء الاصطناعى من خلال تطوير نماذج مستقلة غير خاضعة للشركات المتعددة الجنسيات العابرة للحدود خاصة الأمريكية والصينية.
وعِوض أن تكون أوروبا بمثابة فاعل تكنولوجى رئيسى، تجد نفسها تكتفى الآن بدور المتفرّج على مواجهة حاسمة بين الصين وأمريكا من أجل التحكم فى البنيات التحتية التكنولوجية للرقمنة، لأن التحكم فى هذه البنيات هو الذى يحقق السيادة والاستقلالية الكاملة وليس التقاسم مثلما يحدث بالنسبة للأسواق، لذلك فقد حرصت بكين على تقليص الفجوة الرقمية بينها وبين واشنطن وعملت على الإبقاء على كفاءاتها التكنولوجية داخل حدودها الوطنية، كما حرصت الولايات المتحدة على إدخال رأس المال العمومى فى شركات التقنية الخاصة التى تؤدى دورًا محوريًا فى تطوير أشباه الموصلات ونماذج الذكاء الاصطناعى، ومن ثم، فإن اتساع حدة المواجهة بين العملاقين التكنولوجيين، يفسّر إلى حد بعيد حالة القلق لدى واشنطن من التطور الصينى المطرد، ويبرّر استخدامها لسلاح العقوبات ضد الشركات الصينية.
ويكمُن التحدى الأكبر الذى يواجه السعى الأوروبى من أجل تحقيق السيادة الرقمية، بالدرجة الأولى، فى تواضع الميزانيات المخصصة لتطوير القاعدة التكنولوجية فى دول الاتحاد، وبخاصة أن أوروبا تريد منافسة شركات التقنية الأمريكية التى تتجاوز قيمتها السوقية الناتج الداخلى الخام لدول أوروبية عريقة.
وتتلخص مظاهر التبعية الأوروبية للشركات الأجنبية، لاسيما الأمريكية، فى البنية السحابية نفسها حيث تسيطر شركات مثل مايكروسوفت وجوجل على الحصة الأكبر من سوق الحوسبة السحابية فى القارة العجوز مقابل حصص متواضعة للشركات الأوروبية.
ويمكن القول إن الفرنسيين ومعهم جلّ الأوروبيين عادة ما يخلطون فى مجال الرقمنة بين السيادة التكنولوجية والملكية المادية، لأن امتلاك القاعدة البنيوية للتكنولوجيا لا يعنى بالضرورة التحكم فى التكنولوجيا، الأمر الذى يتطلب من الأوروبيين كما يقول جان باتيست تجاوز ردود الأفعال الدفاعية التى تفتقد للواقعية، ففى اللحظة التى تريد أوروبا مثلًا استثمار 43 مليار يورو لبعث صناعة أشباه الموصلات تستثمر واشنطن أكثر من 280 مليار دولار.
وعليه، فإن السيادة الرقمية لأوروبا تواجه صعوبة مزمنة فى تحديد الرهانات الحقيقية، كما تتبنى مقاربة بيروقراطية لمشروع يتطلب حرية ولا مركزية فى اتخاذ القرارات، وتعانى ضيقًا فى الأفق، فبينما تحارب من أجل توطين الخوادم، فإن السلطة الحقيقية تكمن فى البنيات الدقيقة لمختلف المنشآت والبرامج المتعلقة بعالم الرقمنة.
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/3prce599