أبدأ بما يجب أن يُقال أولًا. لا أحد يملك أن يستخف بالثمن الذى دفعه السوريون منذ عام 2011: الشهداء، والمعتقلون الذين لم يعودوا، والمدن المدمرة، والملايين الذين اقتُلعوا من بيوتهم. وفرحة السوريين بسقوط السلطة البائدة فى ديسمبر 2024 فرحةٌ مشروعة، أشاركهم إياها. وما سأقوله هنا ليس انتقاصًا من هذا الألم ولا من هذه الفرحة، بل دفاعًا عن معناهما.
• • •
خلال زيارة أخيرة لسوريا ضمن جهد حول قضايا المعيشة والسكن بعد الصراع، دُعيتُ إلى منتدى «حلب عاصمة الثقافة الإسلامية» لأتحدث عن مستقبل المدينة والمحافظة. وكان محور محاضرتى نصًا كنت قد كتبته عن حلب ونُشر عام 2014 خاتمةً لكتاب «حلب ومجالها» أشرف عليه جان-كلود دافيد، وهو محبٌ لحلب مثلى، وصدر عن المعهد الفرنسى للشرق الأدنى. يتناول النص كيف فقدت حلب مجالها التاريخى ومنفذها إلى البحر، وكيف أُهملت هى والجزيرة عقودًا حتى صارتا من الأدنى فى مؤشرات التنمية البشرية فى سوريا. وينتهى بسؤال: من سيقرر أولويات مستقبل حلب؟ الحكومة المركزية، أم مجلس منتخب لإقليمها يتمتع بالشرعية والموارد والصلاحيات؟ وجوابى: اسألوا الحلبيين، وامنحوهم وسائل العمل فى سوريا من أجل مستقبلهم.
تلا المحاضرة نقاشٌ مطول وتفاعلٌ إيجابىٌ مع الحضور. بُثَّ جزءٌ طويلٌ من المحاضرة والنقاش مباشرةً، ومن هذا كله اقتطع البعض ثوانى قليلة، نُزعت من سياقها وأُطلقت فى وسائل التواصل على أنها إنكارٌ لتضحيات السوريين. التسجيل شبه الكامل نشره القائمون على المنتدى. وأدعو كل من غضب لألمه إلى مشاهدته قبل الحكم.
وأفهم هذا الغضب. فمن فقد ابنًا أو أخًا، أو خرج من المعتقل بعد سنوات، أو عاد إلى بيته فوجده ركامًا، يسمع كلمة «ثورة» بقلبه قبل أن يسمعها بعقله. وهى عنده ليست مصطلحًا، بل هى معنى لكل ما خسره. ولهذا لم يكن الاقتطاع بريئًا: فقد أُخذت كلماتى عن معنى الثورة لتُقدَّم كأنها استخفافٌ بالخسارة نفسها. وهذا ما أرفضه قبل أى أحد.
• • •
مسارى الفكرى والسياسى فى سوريا ليس سرًا. وقفتُ منذ زمنٍ طويل ضد سلطة الأسد، وحُرمتُ منذ عام 1979 سنواتٍ طويلة من زيارة بلدى. ثم وقفتُ مع انتفاضة السوريات والسوريين من أجل الحرية والكرامة منذ أيامها الأولى، وجهدت كى تبقى سلمية، وحييت هذه الانتفاضة وتضحياتها بتعبير «الله محيى أصلكم أيها السوريون».
ثم شاركتُ فى تأسيس «المنبر الديمقراطى السورى» عام 2012، لرأب صدع المعارضة. وكتبتُ وتحدثتُ طوال سنوات ضد جرائم السلطة. وكنتُ أحذر فى الوقت نفسه من وضع مصير البلاد بيد القوى الإقليمية والدولية، ومن الخطاب الذى يُقسم السوريين ويشرذم قواهم. وما قلته فى حلب ينبع من الموقف نفسه.
بل قلتُ وكتبتُ منذ عام 2011 إن ما يحدث فى سوريا هو «ثورةٌ ومؤامرة» فى آنٍ واحد. ثورةٌ لأنه حراكٌ اجتماعيٌ له جذوره السكانية والاقتصادية والسياسية. ومؤامرةٌ لأن قوى إقليمية ودولية كانت تتربص به لتوظفه فى صراعاتها. كتبتُ ذلك قبل أن تنتهى الأمور إلى فوضى الاقتتال والتشرذم. فـتحفظى اليوم على تعبير «ثورة» ليس انقلابًا على موقفى، بل هو قراءةٌ لما آلت إليه الأمور كما خشيتُ منذ البداية.
انتفض السوريون بشجاعةٍ استثنائية، ودفعوا ثمنًا لا يُوصف. وما أقوله هو أن الثورة ليست اسمًا يُطلق على حدث، وقد عرفنا كيف سُمى انقلاب 8 مارس 1963 «ثورةً» طوال عقود. بل إنها حكمٌ على ما يُؤسسه هذا الحدث. فالثورة الفرنسية شهدت عنفًا هائلًا، واقتتالًا بين «الثوار»، لكن التاريخ يذكرها «ثورةً» لأنها أنتجت «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»: مساواة المواطنين أمام القانون، والسيادة للأمة لا للحاكم. فالعنف لا يصنع ثورةً، بل القيم هى التى تصنعها.
• • •
خرج السوريون عام 2011 يهتفون للحرية والكرامة، ويهتفون بأن «الشعب السورى واحد». هذه هى قيم ثورتهم التى ضحوا من أجلها. والسؤال الذى يجب أن نطرحه بشجاعةٍ خاصةً اليوم: هل كُتبت هذه القيم فى عقدٍ اجتماعىٍّ جديد يحمى جميع السوريين؟ هل المواطنة المتساوية مضمونة؟ والحريات مصونة؟ والسلطة خاضعة للمساءلة؟
وقد سعيتُ منذ البداية لصياغة «عهد كرامة وحقوق»، ثم تفاوضت من خلال مبادرة المبعوث الدولى كوفى عنان لتحويله إلى «عهدٍ وطنى» وقَّعت عليه جميع أطياف المعارضة، لكنها ما لبثت أن تناسته.
وحين قلت إنى لا أحب اليوم تسمية ما جرى ثورةً، فأنا أقول إن الثورة لم تكتمل بعد. وإطلاق الاسم على ما تحقق حتى الآن قد يُعفينا من استكمال ما لم يتحقق. إذ إن تكريم الشهداء والمعتقلين وكل من تألم لا يكون بالاسم الذى نُطلقه، بل بالقيم التى نؤسسها باسمهم.
ولهذا أستعمل كلمة «الانتفاضة». وهى ليست انتقاصًا. بها وُصفت كذلك انتفاضات الربيع العربى كلها، من تونس إلى مصر واليمن وليبيا. وبها سمى الفلسطينيون أنبل لحظات نضالهم، انتفاضة الحجارة عام 1987 ثم انتفاضة عام 2000، حتى صارت الكلمة العربية تُستعمل كما هى فى لغات العالم. الانتفاضة فعلُ شعبٍ نهض فى وجه الظلم، والثورة هى ما يُبنى بعدها.
فى اللغة السياسية والقانونية، «التحرير» يكون من احتلال أو سيطرة أجنبية. أما ما واجهه السوريون فهو استبداد سلطةٍ سورية على سوريين. نعم، استندت السلطة البائدة إلى قوى خارجية وميليشيات كى تبقى، وكان تحييدها وخروجها مكسبًا حقيقيًا. لكن جوهر الصراع كان صراع السوريين من أجل حقوقهم فى وطنهم.
ثم إن القوى الخارجية لم تكن كلها فى صف السلطة البائدة. تدخلت دولٌ كثيرة، من حلفائها ومن خصومها على السواء، ومدت أطرافًا بالسلاح والمال وفق مصالحها، وشرذمت هذه الأطراف، وأخذت الأمور إلى حربٍ طويلة بالوكالة. وهى تحمل بذلك نصيبها من المسئولية عن دفع السوريين إلى الاقتتال، وعن دمار البلاد. وما زالت تعبث بمصير سوريا حتى اليوم. أن نسمى ما جرى «تحريرًا» يعنى أن نُخرج نصف هذه القوى من الحساب، وأن نمنحها صك براءة لا تستحقه. فالسيادة الحقيقية تبدأ حين يستعيد السوريون قرارهم من الجميع.
وللكلمة نتائج. إذا كان ما جرى «تحريرًا»، فماذا نقول عن الذين عاشوا فى مناطق سيطرة السلطة طوال السنوات الماضية؟ أكانوا مُحتلين حين أُجبروا على تأدية خدمة العلم؟ أم متواطئين مع المحتل؟ هذا المنطق يُقسم السوريين إلى مُحرِرين ومُحرَرين، إلى منتصرين ومهزومين. وهذا بالضبط ما لا تحتمله بلادٌ خارجة من صراع. «سقوط السلطة البائدة» حدثٌ كبير أخرج السوريين إلى الأمل ولا يحتاج إلى اسمٍ أكبر منه. ولتبقَ كلمة «التحرير» لما لا يزال محتلًا فعلاً من أرض سوريا، وفى مقدمته الجولان.
• • •
السؤال الذى طرحته فى المحاضرة هو نفسه سؤال «الثورة». أن يقرر أهل حلب وحمص وإدلب والجزيرة وحوران وجبل العرب والساحل وغيرهم مستقبل مناطقهم عبر مجالس منتخبة ذات صلاحيات وموارد. أن تُربط المدن الكبيرة والصغيرة المهملة بالسكك والموانئ فتُخلق فرص العمل حيث يعيش الناس. أن تُردم الفجوة بين المركز والأطراف، تلك الفجوة التى كانت أصلاً من جذور الانفجار. أن يستطيع جميع السوريين أن يؤمنوا معيشتهم وسكنهم بكرامة. هذا هو المقياس الذى أقيس به الثورة، لا الشعارات.
بالطبع يبقى الاختلاف حول الكلمات مشروعًا، والنقاش العلنى فيها هو بالضبط ما حُرِم منه السوريون لعقود. أما اقتطاع الكلام من سياقه، وتحويل آلام الناس إلى سلاحٍ ضد من يختلف فى الرأى، فأدواتٌ عرفها السوريون طويلًا، ولا يليق أن تستمر فى سوريا المستقبل.
أدعو كل من غضب بصدق إلى أن يستمع إلى الكلام كاملًا، وأن يعود إلى مواقفى طوال السنوات الماضية ليرى مع من وقفتُ دومًا: مع السلطة، أم مع الشعب السورى… كل الشعب السورى بجميع أطيافه ومناطقه. ثم ليناقشْ ويخالفْ إن شاء. فحرية أن نختلف على الكلمات، من دون خوفٍ ولا تخوين، هى أول القيم التى خرج السوريون ودفعوا ثمنًا باهظًا من أجلها.
رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب