أىُّ سوريين فى المهجر لتعافى سوريا؟ - سمير العيطة - بوابة الشروق
الأحد 27 سبتمبر 2026 8:06 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

أىُّ سوريين فى المهجر لتعافى سوريا؟

نشر فى : الأحد 27 سبتمبر 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الأحد 27 سبتمبر 2026 - 6:15 م

باتت وفود السوريين فى المهجر تتوافد على بلدهم، وباتت السلطة الجديدة والمؤسسات الدولية تتحدّث عن السوريين فى المهجر باعتبارهم أحد الروافد الرئيسية لتمويل إعادة التعافى. إلاّ أنّه ليس هناك «مهجر سورى» (diaspora) واحد. وهذه ربما أهم نقطة ينبغى الانطلاق منها عند الحديث عن دور السوريين فى الخارج فى تعافى بلدهم. فالسورى الذى يرسل مئتى دولار شهريا إلى عائلته من ألمانيا، والطبيب السورى فى الولايات المتحدة الذى يعود فى مهمّة طبية، ورجل الأعمال الحلبى الذى بنى مصنعه فى مصر، وشبكة جمعيات من أبناء حماة تجمع عشرات الملايين، ورجل أعمال من أصلٍ سورى يقود شركة قطرية بمليارات الدولارات، لا يقومون بالفعل الاقتصادى نفسه، ولا تتحرّك أموالهم بالدوافع ذاتها.

لهذا فإن الحديث العام عن «رأس مال السوريين فى الخارج» قد يكون مضلّلا. ويجب التمييز بين أربعة أنماط: تحويلات الأسر، والعمل الجماعى المنظّم، والاستثمار الريادى المباشر، ثم رأس المال المرتبِط بسياسات دولة الإقامة وشركاتها. ولكلٍّ من هذه الأنماط منطقه وأثره المختلِف فى التعافى.

• • •

ما زالت التحويلات الأسريّة (remittances) أوسع أشكال مساهمة السوريين فى الخارج. وهذه ليست تفصيلا صغيرا؛ فهى بالنسبة إلى ملايين الأسر مصدر لتأمين الحدّ الأدنى من الغذاء والإيجار والصحة والتعليم وإصلاح المسكن. وكانت هذه التحويلات قد قُدّرت رسميّا بنحو 3.7 مليارات دولار عام 2023، بينما تكشف الفجوة بين الأرقام الرسمية وتقديرات التحويلات غير الرسمية عن حجمٍ أكبر من ذلك بكثير حتّى قبل سقوط النظام السابق. أضِف أنّ إجماليها قد ازداد بشكلٍ كبير بعد السقوط، لتصبح هذه التحويلات هى الرافد الأساسى لمعيشة السوريين، خاصّة أكثرهم فقرا وهشاشة... وكذلك الحركة الاقتصادية فى سوريا.

لكن الالتباس يبدأ حين يُنظر إلى هذه الأموال وكأنّها مدخرات جاهزة لتمويل المشاريع والمصانع. فالأسرة التى تُنفِق التحويل على الغذاء أو إصلاح منزلها لا «تهدر» المال، بل تقوم بوظيفة اقتصادية واجتماعية أساسية. إنّها قبل كلّ شىء... أموال بقاء، خاصّة فى ظلّ الارتفاع الجنونى فى تكاليف المعيشة الحالية. ولا يمكن تحويل جزء من هذه التحويلات من الاستهلاك والاستيراد إلى الاستثمار إلاّ عبر استعادة الثقة بالمصارف، وهى ثقة قوضّتها السياسات النقديّة خلال ما يقرب من السنتين الأخيرتين.

وهنا يظهر أحد أكبر عوائق التعافى: أنّ الاقتصاد أضحى اقتصادا نقديّا (cash economy) على نطاقٍ واسع، رغم ظهور وسائل الكترونية كمنصّة «شام كاش»، يعتمد على الحوالات وشركات الصرافة، وكذلك على محافظ رقمية لا تساهم، بحدّ ذاتها، فى خلق منظومة للائتمان والإقراض. فإذا دخل المال عبر تطبيق ثم سُحب فورا نقدا، أصبح التحويل فعلا أسرع، لكنّه لا يتحول إلى وديعة يستطيع مصرف من خلالها تمويل مصنع أو مشروع سكن أو مؤسسة صغيرة.

• • •

يرتبط النمط الآخر من مساهمة «المهجر السورى» بالشبكات الجماعيّة، سواء أكانت متجسّدة فى «منظّمات غير حكومية» (NGOs) أم فى شبكات اجتماعيّة ومناطقيّة. وفى هذا المجال تبرز مفارقات مناطقيّة كبيرة، مثلا بين حمص وحماة.

فقد شهدت حمص حروبا طاحنة، وتقديرات الدمار فيها أكبر بكثير من تلك فى حماة. إلاّ أنّه عندما انطلقت حملات التبرّع للتعافى والمساهمة فى الإعمار، تمّ الإعلان عن تعهدّات لسوريى «المهجر» بحوالى 13 مليون دولار «لأربعاء حمص» مقابل 210 ملايين دولار فى «فداء لحماة». وبمعزلٍ عن مدى تحوّل هذه التبرّعات إلى مدفوعات فعليّة وعن سبل إنفاقها، فإنّ هذه الفجوة تستحقّ التفسير، خصوصا أنّ التعافى فى حماة – دون ريفها – يبدو أسرع منه فى حمص.

ويُمكِن أن يكمُن التفسير فى كثافة الشبكات الاجتماعية فى حماة وتنظيمها. فقد أنتج المنفى السياسى القديم لأبناء حماة، منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى، روابط عائلية ودينية ومهنيّة وتجارية استمرّت لعقود، وخصوصا فى الخليج والولايات المتحدة. وقد اكتسبت هذه الشبكات التى تشكّلت تاريخيا قدرة عالية على جمع الموارد وتنظيمها، فى حين كانت موجات هجرة أبناء حمص أحدث وأكثر تشتّتا.

وهنا تكمُن مشكلة وطنية أساسية: إذا تُرِكَ التعافى لقدرة كلّ مدينة على تعبئة أبنائها فى الخارج، أو ما راكمته من دعمٍ وشبكات خلال سنوات الصراع، فسوف تتعافى المدن ذات الشبكات الأكثر تنظيما وثراء، والتى راكمت دعما أكبر منظمات غير حكومية ممولة من الخارج، بشكلٍ أسرع من المدن الأكثر حاجة. لذلك لا بد من آليات وطنية لتحقيق توازنٍ بين قدرة المجتمع المحلى على جمع المال وحجم الاحتياجات الاجتماعية والدمار الفعليين. كما أنّ بعض هذه المنظّمات المموّلة خارجيا باتت تؤدّى بعض أدوار الدولة، محليًّا أو وطنيًّا. 

• • •

أما النمط الثالث فهو الاستثمار الحقيقي: مصنعٌ، شركة، مزرعة، خدمة تكنولوجية أو مشروع لوجستى. وهنا تختلف الحسابات جذريا. فالصناعى الحلبى الذى غادر سوريا وأقام مصنعا ناجحا فى مصر أو تركيا لا يكفى أن يُطلَب منه «العودة إلى الوطن». فقد راكم خلال سنوات منظومة اقتصادية كاملة حوله: عمّالا ومورّدين وعلاقات مصرفية وأسواقا وتراخيص. والعودة الكاملة تعنى بالنسبة له التخلّى عن جزء من أصلٍ اقتصادى قائم. لذلك قد تكون العودة الجزئية أكثر واقعية: خط إنتاج فى سوريا، تخزين، شراكة، تعهيد، أو توزيع الوظائف بين بلدين. وهنا تبدو أيضا مفارقات واضحة: فجزءٌ ملحوظ من صناعيى حلب فى الخارج ما زال حذرا، ينتظر كهرباء مستقرّة، ومنظومة ائتمان، وجمارك واضحة، وشبكات نقل، وقنوات تصدير، ومن دونها ستبقى التجارة أكثر جاذبية من المصنع. بينما تتحرّك شبكات أعمال سورية صناعية أحدث عهدا فى تركيا بصورةٍ أسرع لأنها تعمل أصلا داخل اقتصاد حدوديّ يربط جنوب تركيا بشمال سوريا. وليست ميزتها «الوطنية» هى الأكبر، بل اندماجها فى الاقتصاد التركى.

إلاّ أنّ أكثر الحالات التباسا هى رجال الأعمال من أصلٍ سورى الذين أصبحوا جزءا من اقتصادات دولٍ أخرى. هنا يصعب وصف الاستثمار بأنّه مجرد «رأس مال سورى عائد». فشركة قطرية يقودها رجال أعمال من أصلٍ سوري، وتموّلها مصارف خليجية ودوليّة، وتدعمها بيئة وضمانات سياسية قطرية، هى استثمارٌ قطريّ بالدرجة الأولى، حتى لو كان أصحابها من أصولٍ سوريّة ويملكون روابط عائلية فى البلاد. والأمر نفسه ينطبق على استثمارات رجال أعمالٍ من أصول سورية فى دولٍ أخرى.

بالطبع، قد يكون هذا النوع من رأس المال مهمّا جدا لسوريا، لكنّه يحمل معه أيضا مصالح دولة الإقامة: أمنها الغذائى، وشبكات الموانئ والتجارة، وممرّات الطاقة والاتصالات، أو النفوذ الإقليمى. وهنا يجب ألاّ يكون السؤال عن حجم الاستثمارات المعلنة، بل: كيف تمّ منح الامتياز؟ وأين تذهب القيمة المضافة المنتجة والأرباح؟ وما العائد الحقيقى على معيشة السوريين؟ أى: إلى أىّ حد يمكن وصف هذا المستثمر بأنّه «سورى» اقتصاديا؟ وإلى أيّ حد يمثّل اقتصاد ومصالح دولة أخرى؟ وهل تنوّع الدولة روابطها الاقتصاديّة مع الخارج بين دولٍ متعدّدة؟

• • •

فى الواقع، يحتاج التعافى إلى سياسة دولة… لا إلى الحنين وحده. فالحنين إلى الوطن يُمكن أن يدفَع السورى إلى زيارة بلده أو التبرّع لمدينته أو إلى افتتاح وكالة تجارية، لكنّ ذلك لا يكفى لبناء اقتصاد. والتعافى الحقيقى لن يحدث إذا بقيت الأموال موزّعة بين تحويلات أسرية نقدية، وحملات تبرّع مناطقية، وصفقات ضخمة غير شفافة.

والتحدّى الحقيقى هو تحويل تعدّد السوريين فى المهجر من عامل تفاوتٍ فى البلاد إلى مصدر قوّةٍ لها: عبر حماية التحويلات الأسريّة، وتنظيم عمل «المنظّمات غير الحكوميّة" بشفافية، وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإعادة تنشيط القطاع المصرفى، الذى يُتعبر صموده النسبى أثناء سنوات الصراع استثنائيّا فى المنطقة، وكذلك عبر وضع قواعد واضحة على الاستثمارات الكبرى المرتبطة بالدول الأجنبية وتنويع مصادرها وشركائها.

بالتالى، ليس السؤال فقط: كم يملك السوريوّن فى المهجر؟ بل: ما شكل انخراطهم فى تعافى سوريا ومعيشة السوريين؟ وبأىّ أدوات؟ وبأىّ علاقات مع الدول التى يعيشون فيها؟ وإلى أىّ مناطق وقطاعات تتجه مواردهم؟ عندها فقط يُمكِن لموارد السوريين فى المهجر أن تصبح قوّة فعليّة للتعافى الوطنى، لا مجرّد انعكاس جديد للتفاوتات القديمة بين المدن والمناطق والشبكات، أو ساحة للتنافس الخارجى على النفوذ.

وهنا يبرز الدور الحاسم للدولة التى من دون دورها التنظيمى والتوازني، قد يتحوّل تعدد مصادر التمويل من فرصة للتعافى إلى عاملٍ جديد لانعدام المساواة والتبعية الخارجية.

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب

 

سمير العيطة رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
التعليقات