لعل أعسر ما تواجهه المجتمعات الخارجة من أتون نزاعاتها الداخلية ليس إعادة الإعمار المادى، بل إعمار ما هو أدق وأعمق: الانتماء المشترك. ذلك الإحساس الذى يجعل المواطن يرى فى جاره شريكا فى الوطن لا منافسا فى البقاء، وينتمى إلى هوية وطنية جامعة دون أن تُلغى بالضرورة انتماءاته الأخرى من طائفة وإثنية وعشيرة ومنطقة. وهذا بالضبط التحدى الذى يواجه سوريا اليوم.
وإن بدا هذا التحدى جديدا فى سياقه السورى الراهن، فجذوره أعمق وأبعد مدى. فحتى حين انهارت الإمبراطوريات المتعددة الانتماءات ونشأت «الدولة القومية» على أساس وحدة اللغة، لم يكن بناء الهوية الوطنية الجامعة أمرا سهلا أو تلقائيا. فما بالنا بمجتمعات حافظت على تعددية هوياتها رغم قرن من الدولة القومية، ثم عاشت حروبا داخلية صلبت انتماءاتها «ما قبل الدولتية»؟ وباتت الدولة الجديدة مطالبة بتجاوز هذه الانتماءات وتوليفها فى مشروع مستقبل يكون مقبولا ومرغوبا من الجميع.
• • •
يتسم المجتمع السورى، شأنه شأن المجتمعين اللبنانى والعراقى وغيرهما، بتعددية الهويات. بل إن بعض الباحثين يذهبون إلى أبعد من ذلك، متحدثين عن «تعددية الأزمنة»: فلكل جماعة أيام أعياد تشكل رموزا راسخة لهويتها، مختلِفة عن أعياد الجماعات الأخرى. وقد أضافت الدولة الحديثة إلى هذا المشهد أعيادا «وطنية» جامعة، تشكل رمزا للانتماء المشترك وتتعايش مع الأعياد الخاصة بكل جماعة. ويصبح العبث بهذه الأعياد الوطنية تقويضا للهوية المواطنية الجامعة، بقدر ما يكون تهديدا للجماعات فى أعيادها الخاصة.
ثمة أيضا أبعادٌ أخرى كثيرا ما تُغفلها الروايات المبسطة للنزاعات الداخلية. فهى لا تنبثِق عن توترات طائفية وإثنية وعشائرية فحسب، بل تتشابك معها توترات اجتماعية-اقتصادية عميقة: بين المدينة والريف، بين داخل أسوار المدن القديمة وأحياء العشوائيات التى استقبلت موجات الهجرة الريفية، بين المدن المركزية والمدن الطرفية، بل وبين القرى المتجاورة على مسائل الماء والرزق. وحين تتلبس هذه التوترات الاجتماعية أثوابا طائفية وعشائرية، تتحول إلى ما سماه ابن خلدون «عصبية»، أى مظلومية جماعية ذات وجه عاطفى حاد.
يُضاف إلى هذا كله، فى مرحلة ما بعد النزاع، توترات إضافية: بين المقيمين والنازحين واللاجئين العائدين، وبين من انخرط فى أفكار «دولة الخلافة» - بمن فيهم الأجانب الذين توافدوا إلى سوريا من أصقاع العالم - وبين سائر فئات المجتمع. كلها طبقات متراكبة من التعقيد تجعل بناء الانتماء الوطنى المشترَك تحديا من الدرجة الأولى، لا ترفا سياسيا قابلا للتأجيل.
• • •
تُعد آليات الحقيقة والمصالحة - ما يُعرف بـ«العدالة الانتقالية» - ركيزة لا غنى عنها فى أى مشروع لإعادة بناء الانتماء الوطنى. غير أن نجاعتها مشروطة بشرط جوهري: ألا تبدو هذه العدالة «عدالة المنتصر» وحسب. فالعدالة التى تنحاز إلى طرف واحد لا تُصالِح، بل تُرسِّخ الانقسام. وانفلات الثأر الجماعى يزرع بذور نزاع داخلي جديد ويدفع من يشعرون بالظلم إلى طلب الحماية من الخارج، أى إلى تعميق هشاشة الدولة.
الحقيقة التى يجب أن تستند إليها هذه العدالة هى الاعتراف بأن الجميع كانوا طرفا فى النزاع وضحايا له فى الوقت ذاته، وأن السلطة التى أجرمت بحق الوطن قد أجرمت بحق جميع مواطنيه دون استثناء.
ومفيدٌ هنا استحضار التجربة الألمانية. فمحاكمات نورمبرغ لم تكن مجرد عقوبة للقادة النازيين، إذ قام الاتهام فيها على براهين دقيقة متناهية لا على أحكام اعتباطية. وكانت فى جوهرها مشروعا لإعادة تعريف الهوية الألمانية وفصلها عن الجرائم التى ارتُكبت باسمها. وكانت النتيجة أن خرج المجتمع الألمانى من «ذنب» الحرب الجماعي، وأصبح بوسعه لاحقا أن يكون أحد أعمدة الاتحاد الأوروبى وركيزة الاستقرار فى القارة.
التشاركية فى السلطة أداةٌ أخرى لا غنى عنها، لا سيما فى المراحل الانتقالية التى يتعذر فيها إجراء انتخابات عامة حقيقية. بيد أن التشاركية المطلوبة هنا تختلف جذريا عما شهده لبنان من تقاسم للسلطة بين أمراء الحرب، تلك التسوية التى رسخت التوترات الطائفية والمناطقية بدلا من تجاوزها.
النموذج المطلوب هو تشاركية مدنية، تُفرز حركات سياسية واجتماعية عابرة للانتماءات الضيقة، وتبنى مؤسسات دولة تكسب ثقة الجميع عبر أدائها لا عبر انتمائها. وهذا يستلزم توازنا مدروسا بين مستويات الإدارة المركزية والمحلية، إذ كثيرا ما تعجز الإدارة المركزية وحدها عن معالجة تداعيات النزاع فى تفاصيلها المحلية الدقيقة.
• • •
اللافت فى المشهد السورى الراهن أن المناطق التى تشهد أعمق أزمات الثقة مع الدولة - كالسويداء وجبال الساحل والمناطق الكردية - هى ذاتها التى غابت عنها المشاركة الحقيقية فى رسم ملامح المرحلة الانتقالية. وأغلب المجتمعات المحلية فى هذه المناطق لم تعترف بشرعية آلية تعيين مجلس الشعب الانتقالى، ما يُبعدها عن الشعور بالانتماء إلى «سوريا الجديدة»، ويُثير فى المقابل حفيظة مناطق أخرى. وفى ظل غياب الترخيص للأحزاب السياسية حتى اللحظة، تبقى مسارات التمثيل المدنى شحيحة.
تبقى المدرسة الركيزة الأعمق والأبعد أثرا فى بناء الانتماء الوطنى. غير أن سوريا تواجه هنا تحديا مضاعفا: فكثير من أبنائها خارج منظومة التعليم كليا بفعل سنوات الحرب، والتهجير، والفقر. وفى الوقت ذاته تطفو على السطح أسئلة وجودية ذات أثر بالغ: فأي رواية عن الحرب ستُدرَس فى الكتب المدرسية ومن منظور من؟ وأى سردية ستقوم عليها المواطنة الجديدة؟ أسردية أغلبية وأقليات؟ أم سردية مذهبية لطرف واحد؟ أم سردية مواطنية جامعة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد هوية الأجيال القادمة وطبيعة علاقتها بوطنها.
وينطبق هذا ذاته على القطاع الأمنى والجيش. فالسلطة الانتقالية الحالية تواجه خطر الوقوع فى الفخ ذاته الذى أوقعت فيه السلطة السابقة نفسها: أن يبدو الجيش - رغم أن الخدمة الإلزامية كانت تضم أبناء المجتمع كافة - جيش فئة بعينها لا جيش «الوطن» الحامى للجميع. وهنا تؤدى السردية دورا محوريا: فمن قاتل فى حروب الاستنزاف وعام 1973 واستشهد أو جُرح، هل هو بطل وطنى يستحق الاعتراف والتقدير، أم أنه مجرد مرتزق فئوى لا حق له ولا لذويه فى أن ينصفه «الوطن الجديد»؟ الإجابة عن هذا السؤال تمس الكرامة وتطال مئات الآلاف من الأسر السورية.
لا تنمو التوترات الداخلية فى فراغ. فلا توجد وصفة سحرية جاهزة مستوردة من تجارب المآسى العالمية تصلح لمعالجة التوترات الناجمة عن النزاعات الداخلية، لا سيما أن هذه التوترات قد تتفاقم بعد انتهاء المواجهة المسلحة. ويزيد الأمر تعقيدا أن هذه التوترات ليست داخلية صرفة، بل تتدخل فيها قوى خارجية ترى مصلحتها فى استمرار الانقسامات وتغذيتها، لأن ذلك يُتيح لها هامش نفوذ لا تريد التخلى عنه.
فبعض هذه القوى أرسلت مواطنين لها انخرطوا فى الفكر الجهادى المتطرف إلى سوريا، وهى اليوم ترفض استعادتهم وعائلاتهم، بل تنفق أموالا طائلة كى تُلقى بعبء إدماجهم على عاتق مجتمع يكافح أصلا للخروج من صراع مرير. وبينما فرضت تلك القوى عقوبات أحادية أنهكت المجتمع ومقومات عيشه وأضعفت تماسكه دون أن تُضعف السلطة السابقة وحاشيتها، تأتى اليوم ببعض الأموال لإقامة مشاريع تخدم مصالحها الإقليمية والدولية أكثر مما تخدم إنهاض الاقتصاد السورى.
وقد وظفت هذه القوى أجزاء من مجتمع سورى مدنى عبر تمويلات المنظمات غير الحكومية، لتعمل هذه الأخيرة بما يخدم أجندات خارجية فى أحيان كثيرة، بدلا من أن تكون رافدا لحراك اجتماعى أصيل يعمل لصالح المجتمع. كما سخرت أجساما سياسية من المعارضة حورت فى السرديات وضخمت الانقسامات، ثم رمت بها جانبا حين لم تعد ذات نفع لتفقد مصداقيتها أمام المجتمع. وأقامت أجهزة إعلامية كثيرا ما تلاعبت بمجريات الأمور لتزيد من تفاقم الصراع. بل وتستمر اليوم لخدمة مآربها.
• • •
تعيش منطقة المشرق العربى برمتها لحظة بالغة القسوة والتحول، تُقلَب فيها المفاهيم التى سادت منذ عقود ما بعد الاستقلال. صراعات تتداخل فيها إرادات دول ذات إمكانات ضخمة، تتلاعب بمصائر دول هشة تصدِّر إليها مشاكلها وأزماتها الداخلية. وفى ظل هذا كله، تقف سوريا أمام حجم التضحيات التى بذلها أبناؤها خلال أربعة عشر عاما من الحرب والمعاناة.
بناء «المواطنة المتساوية» فى هذه الظروف ليس أمرا يسيرا، لكنه يبقى مسئولية كبرى تقع على عاتق السلطة الانتقالية وجميع مكونات المجتمع معا. صفحة الصراع يجب أن تُطوى بوعى وإرادة، لا بمهرجانات خطابية فحسب، ولا بممارسات وسرديات تُكرس الهشاشة وتُعيد إنتاجها. المواطنة الحقيقية لا تُمنَح بمرسوم، بل تُبنى يوما بعد يوم، فى المدرسة والمحكمة والثكنة والسوق، فى كل لحظة تختار فيها الدولة العدل على الولاء، والمؤسسة على الشخص، والوطن على الطائفة.
هذا هو الرهان الحقيقى لسوريا فى مرحلة ما بعد الحرب: ليس فقط إعادة الإعمار، بل إعادة اختراع العقد الاجتماعى.
رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
الاقتباس:
بناء «المواطنة المتساوية» فى هذه الظروف ليس أمرا يسيرا، لكنه يبقى مسئولية كبرى تقع على عاتق السلطة الانتقالية وجميع مكونات المجتمع معا. المواطنة الحقيقية لا تُمنَح بمرسوم، بل تُبنى يوما بعد يوم، فى المدرسة والمحكمة والثكنة والسوق.