أعداء الأمس فى خندق واحد.. لماذا تعنينا حرب إثيوبيا؟ - معتمر أمين - بوابة الشروق
الجمعة 2 أكتوبر 2026 8:43 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

أعداء الأمس فى خندق واحد.. لماذا تعنينا حرب إثيوبيا؟

نشر فى : الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 6:35 م

فى فجر 23 سبتمبر، لم يكن المسافرون فى مطار أديس أبابا يعرفون أن رحلاتهم لن تقلع إلى مقلى، عاصمة إقليم تيجراى. فخلال ساعات قليلة كانت ثلاثة مطارات فى إقليم تيجراى قد سقطت فى أيدى المتمردين، وكانت إثيوبيا، ثانى أكبر دول إفريقيا سكانًا ودولة منبع النيل الأزرق، تفتح فصلًا جديدًا من حرب ظن كثيرون أنها دُفنت قبل أربع سنوات. ما يجرى هناك ليس شأنًا داخليًا بعيدًا؛ فخيوطه تمتد من مرتفعات تيجراى إلى البحر الأحمر، ومن عواصم الخليج إلى القاهرة. وفى السطور التالية نروى القصة فى مشاهد متتابعة، نبدأها بكيفية انهيار الهدنة، لعلنا نستشرف إلى أين قد تمضى الحرب.


المشهد الأول: هدنة على ورق. ولنعد قليلًا إلى الوراء. بين عامى 2020 و2022 خاضت الحكومة الفيدرالية بقيادة آبى أحمد حربًا طاحنة ضد جبهة تحرير شعب تيجراى، سقط فيها عشرات الآلاف من القتلى، وانتهت باتفاق بريتوريا الذى رعاه الاتحاد الإفريقى فى نوفمبر 2022. لكن الاتفاق كان أشبه بضمادة فوق جرح مفتوح. ظلت العلاقة بين أديس أبابا ومقلى تتدهور عامًا بعد عام، حتى شطبت هيئة الانتخابات الجبهة من سجل الأحزاب، واستبعدتها من انتخابات 2026، ما عمّق الأزمة، التى نشر مراقبو الاتحاد الإفريقى وإيجاد بشأنها تقارير متعارضة. ثم فى 20 سبتمبر وقعت المفاجأة الأولى: 7 جماعات مسلحة معارضة تعلن ميلاد «تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، وهدفه المعلن إسقاط الحكومة الفيدرالية. والمدهش أن أعداء الأمس صاروا حلفاء اليوم؛ فقوات تيجراى وميليشيات «فانو» الأمهرية التى تقاتلت بضراوة قبل سنوات، تقف الآن فى خندق واحد.

• • •
المشهد الثانى: معركة السماء. سبق الانفجار الكبير يوم دامٍ. فى 22 سبتمبر شنّت الحكومة غارات بطائرات مسيّرة على بلدة ألاماطا، أصابت اثنتين منها مدرستين، وسقط ما لا يقل عن 14 قتيلًا مدنيًا و22 جريحًا. وفى الصباح التالى ردّت قوات تيجراى بالاستيلاء على مطارات مقلى وأكسوم وشاير. لكن القصة الحقيقية تدور فى السماء لا على الأرض. ففى حرب 2021 زحفت قوات تيجراى جنوبًا حتى اقتربت من أطراف العاصمة، ثم انقلبت الموازين حين دخلت المسيّرات التركية والصينية والإيرانية المعركة، فانكشفت القوات على الأرض وتراجعت مدينة بعد أخرى.

كان الدرس واضحًا: من يملك السماء يملك الطريق إلى أديس أبابا. لذلك جاء الخبر الأخطر من بيشوفتو، على بُعد نحو 45 كيلومترًا من العاصمة، حيث تقع قاعدة «هرر ميدا»، قلب سلاح الجو الإثيوبى ومركز أسطول المسيّرات. تحدثت تقارير عن ضربات بمسيّرات على هذه القاعدة، وعلى قاعدتى سمرة فى عفار وبحر دار فى أمهرة، وأظهرت صور أقمار صناعية آثار حرائق داخل منشآت هرر ميدا. لم تتبنَّ أى جهة الضربة رسميًا، لكن رسالتها وصلت: الحكومة التى كانت تضرب خصومها من بعيد صار هى نفسها هدفًا.

• • •
المشهد الثالث: الطريق الطويل، على الأرض تمتد المعارك عبر ثلاثة أقاليم: تيجراى وأمهرة وعفار. قرب لاليبيلا، المدينة الأثرية الشهيرة، توقفت الرحلات الجوية، وقُطع الإنترنت والاتصالات عن تيجراى. وتقول منظمة أطباء بلا حدود إن مستشفيات الشمال اختنقت بالجرحى، فيما نزح نحو 150 ألف شخص. لكن الحكومة لم تسقط فى الضربة الأولى. استعاد الجيش الفيدرالى مواقع فى سيكوتا وألاماطا، وما زال شريان التجارة الحيوى عبر جيبوتى مفتوحًا. وهنا يكمن مفتاح الحرب: الطريق الذى يبدأ من ألاماطا ويمر بولديا ثم ديسى وكومبولشا وصولًا إلى دبرى برهان، بوابة العاصمة، إنه الطريق نفسه الذى سلكه الزحف فى 2021، وهو اليوم ساحة الاختبار الكبرى.

وكعادة الحروب، تتضارب روايات الخسائر. أعلن الجيش الفيدرالى مقتل 272 من مقاتلى جبهة تيجراى فى هجوم قال إنه فشل، بينما وثّقت هيومن رايتس ووتش غارة حكومية سابقة على بلدة دائرو فى تيجراى، وقالت إنها لم تجد فى موقعها أثرًا لأى وجود عسكرى. وفى مشهد يلخص حجم الخوف، نقلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر 161 شخصًا من مقلى إلى سمرة فى عفار، بينهم عناصر من الشرطة الفيدرالية وموظفون فى الخطوط الإثيوبية. أما السفارة الأمريكية فنصحت رعاياها بمغادرة أقاليم الشمال الثلاثة إن استطاعوا ذلك بأمان.

• • •
المشهد الرابع: الجيران فى قفص الاتهام. فى أديس أبابا اختارت المؤسسة العسكرية رواية المؤامرة الخارجية. اتهم رئيس الأركان المشير برهانو جولا إريتريا بأنها الوسيط الذى يربط الجماعات المسلحة بقوى خارجية، وسمّى منها صراحة السودان ومصر. والمفارقة أن إريتريا كانت حليف آبى أحمد فى الحرب السابقة، قبل أن تنقلب العلاقة بسبب طموحه المعلن فى الوصول إلى البحر الأحمر. فى المقابل اصطف الخليج خلف الحكومة: الإمارات حمّلت جبهة تيجراى المسئولية صراحةً، وقطر أدانت التصعيد ضد القوات الفيدرالية دون أن تسمّى أحدًا، وقبل الانفجار بأيام، رفعت واشنطن حظر السلاح الذى فرضته على إثيوبيا عام 2021. ويحدث كل ذلك بينما يغلى الإقليم كله، من التوتر حول مضيق هرمز إلى جبهة اليمن على باب المندب.

• • •
لماذا يهم ذلك مصر؟ لم تعد القاهرة تتابع المشهد من مقاعد المتفرجين. فحين سمّى رئيس الأركان الإثيوبى مصر بين الداعمين المزعومين للمتمردين، انتقل اسم مصر من خلفية القصة إلى قلبها، فوق خلاف مفتوح منذ 2011 حول سد النهضة. ويحذّر محللون من أن إصرار أديس أبابا على تفسير أزمتها الداخلية بمؤامرة خارجية قد يدفع الحرب إلى عبور حدودها، لتتحول من نزاع داخلى إلى صراع إقليمى. ومن هنا تبدو مصر أمام معادلة تزداد تعقيدًا. فإذا حسم آبى أحمد المعركة سريعًا، سيخرج منها أقوى وأكثر تفرغًا لمشاريعه المؤجلة، من الوصول إلى البحر عبر ميناء عصب الإريترى إلى تعميق شراكته مع أرض الصومال الانفصالية. وإذا طالت الحرب سنوات، ستنشغل إثيوبيا بنفسها، لكن ثمن ذلك فوضى تزحف على ضفاف حوض النيل وأبواب البحر الأحمر، بجوار حرب السودان المشتعلة أصلًا.

بين هذين الاحتمالين تتفرع ثلاثة طرق للمستقبل. أقربها، كما يوحى المسار الحالى، أن تحتوى الحكومة الهجوم مستندة إلى تفوقها الجوى ودعم حلفائها. وأطولها حرب استنزاف لا يحسمها أحد، تتبادل فيها الأطراف القذائف والمسيّرات لسنوات. أما أخطرها فأن ينفلت الصراع من حدوده، فتتداخل فيه إريتريا والسودان وقوى الخليج، ويصير القرن الإفريقى ساحة حرب إقليمية. وأيًّا كان الطريق الذى ستسلكه الحرب، تبقى أسئلة كبرى بلا إجابات. هل يصمد تحالف جمع أعداء الأمس أمام أول هزيمة كبيرة؟ وهل تكتفى العواصم الإقليمية بالبيانات أم تنزلق إلى الميدان؟ ثم يبقى السؤال الذى يعنى المصريين أكثر من غيره: هل إثيوبيا المنشغلة بحربها أقل خطرًا على النيل أم أن الدولة الجريحة أشد اندفاعًا نحو المغامرة؟

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

 

معتمر أمين باحث في مجال السياسة والعلاقات الدولية
التعليقات