فى ليلة الانتخابات النصفية، دفع دونالد ترامب ثمن حرب إيران كاملًا، فخسر مجلس النواب ومجلس الشيوخ معًا. قبل أشهر دخل الحرب وهو يحلم بإسقاط النظام فى طهران وتنصيب حكومة تأتمر بأمره. واليوم فقد السيطرة على واشنطن نفسها بعد موجة زرقاء تاريخية منحت الديمقراطيين تفوقًا واضحًا فى المجلسين. كان تصويتًا عقابيًا صريحًا؛ فالناخب الأمريكى رأى أسعار الوقود تحرق جيبه، ورأى حربًا لا تنتهى، ورئيسًا يعده بـ«أمريكا أولًا» فإذا به يقصد «إسرائيل أولًا».
بخسارة المجلسين، صار ترامب «بطة عرجاء» لما تبقى من ولايته. وذلك يعنى أن كل مشروع قانون يرسله البيت الأبيض سيرفضه الكونجرس، وكل قانون يقره الكونجرس سيسقطه ترامب بالفيتو. الموازنة صارت فى يد خصومه، والحكومة مهددة بالإغلاق مرة بعد مرة، والتضخم سيزيد لأن الحرب ما زالت مفتوحة، ومن ثَمَّ واشنطن مقبلة على شلل، والمواطن العادى هو أول من يدفع الثمن.
لكن الهزيمة فى صناديق الاقتراع ليست سوى العَرَض، أما المرض فهو الحرب نفسها. فى 28 فبراير دخلت أمريكا وإسرائيل الحرب بـ4 أهداف واضحة: القضاء على مشروع إيران النووى، تدمير صواريخها الباليستية بعيدة المدى، قطع صلتها بحزب الله وحماس والحوثيين، ثم الهدف الأكبر وهو تغيير النظام. لذلك اغتيلت القيادة الإيرانية فى اليوم الأول، وبعد أكثر من 8 أشهر لم يتحقق هدف واحد.
• • •
بدأت الحكاية بالضربات الجوية وانتهت بالحصار البحرى، ولم تنجح أى منهما. استمرت حملة القصف الأولى 40 يومًا، وتوقفت فى 8 أبريل لأنها لم تحقق شيئًا، ولأن الذخائر الثمينة كادت تنفد. بعدها بـ5 أيام، فى 13 أبريل، فُرض حصار بحرى استمر حتى 17 يونيو، يوم وقّع ترامب مذكرة تفاهم مع طهران ثم تراجع عنها. تلت ذلك جولتان من الضربات المتبادلة، الأولى من 8 يوليو إلى 29 يوليو، والثانية من 30 أغسطس إلى 9 سبتمبر. ومنذ 14 يوليو يُفرض حصار بحرى ثانٍ على إيران، أضاف إليه وزير الخزانة سكوت بيسنت فى 24 أغسطس خطة لخنق الاقتصاد الإيرانى وعزله تمامًا عن العالم.
أوضح صورة للمأزق موجودة فى مضيق هرمز. كان يعبر هذا الممر يوميًا ما بين 130 و140 سفينة، واليوم تكاد تخرج منه 4 سفن تتسلل فى الظلام. وبحسب التقديرات، تدفع واشنطن نحو 100 مليون دولار يوميًا لإخراج ناقلتين أو 3 تحمل ما بين 6 و8 ملايين برميل، وكل ذلك حتى لا يقفز سعر البرميل إلى 150 دولارًا. تسلّم ترامب الرئاسة والنفط فى حدود 65 دولارًا، وواصل ارتفاعه الأسبوع الماضى إلى 111 دولارًا، قبل أن ينخفض إلى مستوى 94 دولارًا مدفوعًا بنتائج انتخابات التجديد النصفى.
الخسارة الأكبر استراتيجية، ولا تظهر فى فاتورة الوقود. ضربت إيران عددًا كبيرًا من القواعد الأمريكية فى المنطقة، واستنزفت الذخائر الدقيقة الهجومية والصواريخ الدفاعية الباهظة التى تحتاجها أمريكا فى أوروبا والمحيطين الهندى والهادئ. والأسوأ أن الحلفاء فى الخليج فقدوا الثقة فى حليف عجز عن حمايتهم. وفى اليمن استغل الحوثيون الفوضى وتقدموا نحو عدن، وصاروا يهددون العمق السعودى.
فى المقابل، تعرف إيران ما تريده جيدًا، ومطالبها لم تتغير؛ فهى تطالب بالإفراج عن أصول مجمدة تتجاوز 100 مليار دولار، وبتعويضات تزيد على 300 مليار دولار، ورفع كل العقوبات، وخروج القوات الأمريكية من الخليج، وتسوية تشمل لبنان وغزة واليمن، وسيطرة دائمة على مضيق هرمز مع فرض رسوم على العبور. أما الملف النووى فتؤجله عن قصد. وفى الداخل الإيرانى لم يعد الحديث عن صنع القنبلة حكرًا على المتشددين، وإنما صار مطلبًا عامًا يتردد على المنابر وفى الأوساط السياسية.
• • •
أمام ترامب الآن 4 أبواب، وكلها تقريبًا تؤدى إلى غرفة مظلمة:
الباب الأول عسكري: حملة قصف مكثفة لمدة أيام كما تتحدث وسائل الإعلام الأمريكية. والسؤال البديهى هنا: إذا فشل القصف فى 40 يومًا، فكيف ينجح فى أيام؟ ولو كان هذا الخيار قادرًا على حسم الحرب، فلماذا لم يستخدمه ترامب قبل الانتخابات فيجنّب حزبه هذه الهزيمة؟ ثم إن طهران أعلنت بوضوح أن أى ضربة جديدة سيقابلها رد ساحق على القواعد الأمريكية ودول الخليج وإسرائيل، وقد تصل لأبعد من ذلك!
الباب الثانى اقتصادى: وهو خيار خاسر فى الحالتين. الحصار البحرى وخطة الخنق الاقتصادى لم يحققا النتيجة المطلوبة حتى الآن، والدليل أن واشنطن نفسها تبحث عن بدائل. ولو نجحا وبدأ الاقتصاد الإيرانى يختنق، فلن تقف طهران متفرجة، بل ستحاول جر الاقتصاد العالمى معها إلى القاع.
الباب الثالث الدبلوماسية: ويدفع نحوه نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس والمبعوث ستيف ويتكوف. لكن أى اتفاق اليوم سيشبه مذكرة 17 يونيو، وربما بشروط أسوأ، لأن إيران تشعر الآن بأنها فى وضعية أفضل.
الباب الرابع، وهو الأخطر (السلاح النووى): الهدف المطروح هو جبل «الفأس»، وهو موقع نووى إيرانى أسفل جبل من الجرانيت الصلب، بعمق 300 قدم، لا تستطيع أى قنبلة تقليدية اختراقه. الخطة أن تحلّق قاذفة الشبح (B-2) فوق الجبل وتلقى قنبلة (B61-11)، وهى أقوى من قنبلة هيروشيما بنحو 40 مرة. لكن إيران تعرف ذلك، وستركز دفاعاتها الجوية حوله. وحتى لو نجحت الضربة، فلن تستسلم طهران، بل ستقدم نفسها للعالم على أنها الأمة التى ضُربت بالنووى ولم تركع، وتسرّع سعيها إلى صنع قنبلتها النووية. وفى الوقت نفسه سيتشجع فلاديمير بوتين فى أوكرانيا وأوروبا، وشى جين بينج فى تايوان، وسيصبح استخدام السلاح النووى أسهل على كل زعيم يجد نفسه محاصرًا، لا سيما فى شبه الجزيرة الكورية!
زادت الموجة الزرقاء التى اجتاحت واشنطن من تعقيدات هذه الأبواب الأربعة. فالحزب الديمقراطى عاد بالكثير من الوجوه الجديدة، التى يحمل الكثير منها تصورات مغايرة لكل ما هو سائد فى واشنطن. فلقد فاز كثيرون من أعداء اللوبى اليهودى، منهم إلهام عمر، ورشيدة طليب، وآدم الحمّوى (الجراح المولود فى مصر والقادم من نيوجيرسى، الذى يحتفى بمصر بوصفها أم الدنيا)، وعبدالرحمن السيد (الشهير بـ«عبدول»، وهو أيضًا من أصول مصرية.
هنا نصل إلى المعضلة التى تعنينا مباشرة فى المنطقة: إذا خرجت الولايات المتحدة من الحرب الآن، فذلك تمكين لإيران وجعلها قوة إقليمية تهيمن على الخليج. وإذا بقى ترامب فى الحرب، فالمنطقة تندفع نحو انفجار لا يخدم أحدًا، ولا حتى الولايات المتحدة، باستثناء إسرائيل، التى تراهن على أن ندمر أنفسنا بأيدينا، لتبقى بعدنا لا مجرد كيان استيطانى غاصب، بل مهيمنة على المنطقة.
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية