ترامب لم يقرأ التاريخ.. فخسر! - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الجمعة 6 نوفمبر 2026 7:23 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

ترامب لم يقرأ التاريخ.. فخسر!

نشر فى : الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:20 م

كيف يمكن فهم وتفسير التناقض بأن غالبية الشعب الأمريكى انتخبت الرئيس دونالد ترامب بأغلبية كبيرة فى نوفمبر ٢٠٢٤، وأعطوا حزبه الجمهورى أغلبية مريحة فى مجلسى الكونجرس وقتها، ثم انقلبوا على الرئيس وحزبه فى انتخابات الكونجرس، الثلاثاء الماضى، وأعطوا الحزب الديمقراطى المنافس الأغلبية فى المجلسين فى ضربة موجعة ستجعل ترامب يترنح حتى نهاية حكمه؟


حينما عاد ترامب رئيسا مرة أخرى قبل عامين اعتقد أنه صار مخلدا، وأن الساعة قد تجمدت عند لحظة فوزه بالرئاسة وهيمنة حزبه على المجلسين وأن هذه الشعبية صك مستمر الصلاحية بلا نهاية.


مشكلة ترامب أنه لم يقرأ أى كتاب تقريبا فى التاريخ، خصوصا ما يتعلق بالعلاقة بين الحاكم والمحكومين، ربما يكون قد قرأ كتبا كثيرة عن «الصفقات الكبرى» بل وألّف كتابا عن «فن الصفقة».


لو قرأ ترامب كتب التاريخ الحديث، وسير الشخصيات التاريخية الكبرى لربما تواضع قليلا وغيّر من سلوكه وتصرفاته.


ديفيد جورج لويد الذى قاد بريطانيا فى المرحلة الحاسمة من الحرب العالمية الأولى التى انتهت عام ١٩١٨، وساهم فى رسم النظام الأوروبى بعد الحرب، ورغم ذلك خسر الانتخابات عام 1922.


نموذج آخر لكنه مختلف إلى حد وهو الرئيس الفرنسى الأسبق شارل ديجول الذى قاد فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية وساهم فى دحر الاحتلال الألمانى وعاد إلى السلطة عام ١٩٥٨، وأنهى حرب الجزائر عام١٩٦٢، لكنه خسر ثقة الفرنسيين الذين رفضوا مقترحه بإصلاح مجلس الشيوخ وإعادة بناء الأقاليم. وقتها ربط استمراره بالموافقة على الاستفتاء، وبعد الرفض استقال فى اليوم التالى.


والنموذج الأبرز من بريطانيا، وهو ونستون تشرشل، أحد أشهر رؤساء الوزارات فى تاريخ بريطانيا الذى قاد بلاده للانتصار على ألمانيا النازية فى الحرب العالمية الثانية التى انتهت عام 1945، وساهم مع أمريكا فى تحرير أوروبا من النازى لكنه فشل فى الفوز بالانتخابات التى جرت فى يوليو ١٩٤٥ أمام حزب العمال.


وتفسير خسارته الغريبة أن الناخب البريطانى انتقل من أولوية الانتصار فى الحرب إلى أولوية إعادة إعمار البلاد، وحزب العمال بقيادة كليمنت أتلى قدم برنامجا يتضمن التأمين الصحى والإسكان والتوظيف.


لم يقرأ ترامب نموذجا قريبا فى بلاده وهو جورج بوش الأب، الذى قاد التحالف الدولى لتحرير الكويت من الاحتلال العراقى عام ١٩٩١، كما لعب الدور الأكبر فى تفكيك الاتحاد السوفييتى ونجح فى إعادة توحيد ألمانيا، وارتفعت شعبيته إلى نحو ٨٠٪، لكن فى الانتخابات الرئاسية التى تمت فى نوفمبر١٩٩٢ خسر أمام المرشح الديمقراطى بيل كلينتون. والسبب هو العبارة الأيقونية التى أطلقها كلينتون وقتها، وهى «أنه الاقتصاد يا غبى»، فبوش ورغم انتصاره الخارجى لم يهتم كثيرا بخطورة الركود الاقتصادى وارتفاع معدل البطالة، وزيادة الضرائب.


بالطبع هناك قادة كبار حققوا انتصارات عسكرية وسياسية، وفازوا فى الانتخابات التالية، لكن نحن اليوم نناقش قضية أساسية وهى أن الانتصار فى معركة عسكرية، أو سياسية والحصول على مكسب انتخابى كبير، لا يعنى ضمان هذا النجاح إلى الأبد، فتشرشل الذى كسب الحرب خسر معركة السلام السياسى، وبوش الذى كسب حرب الخليج عجز عن تحويل ذلك إلى رصيد انتخابى مستدام.


الصورة كانت واضحة جدا أمام ترامب لكنه فضّل أن يتجاهلها، فغالبية استطلاعات الرأى قبل الانتخابات الأخيرة كانت تقول بوضوح إن ثمانية وأحيانا تسعة من بين كل عشرة أمريكيين سيصوتون بناء على الاقتصاد وأحوالهم المعيشية التى تدهورت بصورة حادة. بسبب ارتفاع أسعار الوقود بفعل حرب ترامب ضد إيران.


المواطن أو الناخب الأمريكى أو فى معظم دول العالم يشغله أنه حينما يذهب إلى الأسواق أو محطات الوقود يجد أسعارا تناسب دخله، هو لا يهتم كثيرا بأن ترامب منع إيران من امتلاك قنبلة نووية لا توجد دلائل مؤكدة على وجودها أو حتى خطرها.


لم يفهم ترامب أن المواطن الذى صوّت له ولحزبه فى انتخابات الرئاسة والكونجرس قبل عامين بناء على وعود بتحسين الاقتصاد وعدم التورط فى أى حروب قد فقد الثقة فى ترامب وحزبه، ولذلك قرر أن يعاقبه بصورة مذلة.


حتى الآن لا يريد ترامب تصديق ما حدث، فى حين أن نائبه جى دى فانس فهم ذلك بسرعة، بل ربما قبل وقوع الهزيمة.


الدرس المهم مما حدث لترامب وحزبه هو أن ثقة الشعوب فى الحكم والنواب وعموم المسئولين ليست مؤبدة أو مطلقة، بل مرتبطة أساسا بأن تكون أحوالهم المعيشية جيدة، أو على الأقل تستطيع الحكومات أن تقنع شعوبها بالصعوبات التى تواجهها، وأنها رشيدة وجادة فى إصلاح الأحوال الصعبة.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي