بعض العرب وعدد كبير من دول وشعوب العالم ينظرون بإعجاب شديد إلى إسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية جدًا، وسط صحراء جرداء من الديكتاتورية والاستبداد السياسى العربى والإسلامى.
هؤلاء يبنون تصورهم على أن هناك انتخابات نزيهة وتداول سلطة، ويمكن لحزب أو ائتلاف أن يحكم البلاد بفارق مقعد واحد فى الكنيست.
وتتعزز وجهة نظر هؤلاء بالانتخابات البرلمانية الأخيرة التى شهدتها إسرائيل يوم الثلاثاء الماضى ولم يتمكن أى ائتلاف سياسى من تحقيق نسبة الـ 61 مقعدًا ليشكل الحكومة. فالائتلاف الحاكم بزعامة بنيامين نتنياهو حصل على 54 مقعدًا وكتلة التغيير المعارضة بزعامة غادى آيزنكوت حصلت على 48 مقعدًا.
ويستشهد المقتنعون بديمقراطية إسرائيل بأن القوائم العربية حصلت على 19 مقعدًا وصار بإمكانها التحكم الفعلى فى ترجيح كفة على كفة داخل الكنيست.
يضيف هؤلاء أن حرية الرأى والتعبير مكفولة فى إسرائيل، بل إن رئيس الوزراء تجرى محاكمته بتهم متنوعة والإعلام يمكنه انتقاد قادة الجيش علنًا وهم يخوضون حروبًا على أكثر من جبهة.
كل ما سبق يبدو صحيحًا، لكن عند مناقشته بهدوء قد نكتشف أنه شكل وديكور جيد جدًا، لكنه بلا مضمون حقيقى.
لا أصل إلى هذه النتيجة لأبرر غياب الديمقراطية وحريات التعبير فى البلدان العربية فهى مسألة مفروغ منها تمامًا.
نعم هناك فى إسرائيل انتخابات تعددية بقوائم نسبية، وتداول سلطة إلى حد ما، وحريات رأى وتعبير فعلية، حتى خلال الحروب، وهناك مظاهرات واحتجاجات مستمرة ضد الحكومة.
لكن السؤال الجوهرى هو: هل يمكن أن تكون هناك ديمقراطية فى دولة عنصرية، لا ترتكب فقط الإبادة الجماعية بحق شعب آخر، بل وتفرق بين مواطنيها بناءً على اللون والعرق رغم أن جميعهم يهود وهو ما يتضح ضد اليهود الشرقية «السفارديم» واليهود الأفارقة «الفلاشا»؟
منذ زرع إسرائيل فى المنطقة عام 1948، وهى تحاول محو الشعب الفلسطينى صاحب الأرض من الوجود.
هى تمارس ضدهم كل أشكال القهر والظلم والقتل. وقد رأينا ذلك بوضوح خلال العدوان على غزة منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى الآن، حيث دمرت القطاع بالكامل تقريبًا، وقتلت 74 ألفًا وأصابت 175 ألفًا معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن.
وهى متهمة من المحاكم الدولية بارتكاب الإبادة الجماعية ومحاولة تهجير الشعب الفلسطينى خارج أراضيه، ويتباهى قادتها ومواطنوها بهذه العنصرية الفجة.
يفترض أن الديمقراطية السليمة تقود إلى تداول فعلى للسلطة فى حين أن حزب العمل ظل يحكم إسرائيل عمليًا منذ عام 1948 وحتى عام 1977، فى حين أن حزب الليكود اليمينى ومعه المتطرفون يحكم منذ عام 1996 وحتى الآن باستثناء فترات قليلة جدًا.
وحتى بعيدًا عن تداول السلطة غير الموجود فهناك رأى يقول إن المؤسسة العسكرية هى التى تحكم إسرائيل فعليًا، ولكن عبر جنرالات أو سياسيين يأتمرون بأمرها عبر سياسة «الباب الدوار» فهو يخرج من الجيش إلى السلطة أو حتى المعارضة.
إذن جوهر الديمقراطية الإسرائيلية أنها تخاصم الديمقراطية الفعلية والأهم تخاصم الإنسانية.
فلا توجد ديمقراطية لقوم يؤمنون بأنهم «شعب الله المختار» وأن «العربى الجيد هو العربى الميت».
ويكفى مطالعة ما يفعله المستوطنون فى الضفة الغربية ضد العرب أصحاب الأرض الأصليين من قتل وحصار وتجويع وتدمير للطرق والحقول والبيوت وما تفعله الحكومة من إهمال لعرب 48 ووصل إلى حد ترك الجريمة المنظمة تتفشى هناك.
ورغم كل ما سبق فمن المهم الاعتراف بأن الإسرائيليين نجحوا فى صياغة نموذج سياسى شديد التعقيد يوحى لكثيرين بأنه ديمقراطى، فالمواطن الأوروبى والأمريكى، وحتى الغربى أحيانًا الذى لا يعرف حقيقة هذا الكيان العنصرى، يعتقد أن هناك ديمقراطية فعلًا خصوصًا وهو يرى انتخابات مستمرة ومحاكمات لكبار المسئولين بمن فيهم رئيس الوزراء نفسه وكبار قادة الجيش، إضافة لحرية الرأى والتعبير.
الصيغة الإسرائيلية مبهرة لمن لا يعرف حقيقتها، لكن يكفى لأى متابع أن يطلع على تصريحات بعض المسئولين الإسرائيليين أمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وبقية العصابة الحاكمة، أو حتى غالبية قادة المعارضة، ليدرك حقيقة هذه الدولة العنصرية.
هناك قلة قليلة داخل إسرائيل يحذرون ليل نهار من أن إسرائيل تحولت إلى دولة فصل عنصرى وترتكب الإبادة الجماعية بل وفى طريقها للتحول إلى دولة دينية متطرفة ضد بعض مواطنيها العلمانيين.
المشكلة لم تعد فقط نتنياهو وحكومته المتطرفة، بل الشعب نفسه الذى يعيد انتخابهم دائمًا.
هل تتذكرون نموذج دولة الفصل العنصرى فى جنوب إفريقيا، كان لديها انتخابات وتعددية وديمقراطية شكلية، لكنها عنصرية، ولذلك فإن انهيارها كان حتميًا.