كوبا - فنزويلا على طريق «سلطويّة السوق» - العالم يفكر - بوابة الشروق
السبت 31 أكتوبر 2026 8:33 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

كوبا - فنزويلا على طريق «سلطويّة السوق»

نشر فى : السبت 31 أكتوبر 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : السبت 31 أكتوبر 2026 - 7:25 م

لتفادى شبح «البرسترويكا» (مصطلح روسىّ يعنى إعادة الهيكلة والبناء) الذى أدّى إلى انهيار الاتّحاد السوفييتى، تسعى كاراكاس وهافانا إلى التوفيق بين الانفتاح الاقتصادى والإبقاء على نظام سياسى مُغلق ومُحكَم.

كان هذا تقديم المقال التى كتبه من المنفى «أرنستو هيرنانديز نورزغاراى Ernesto Hernandez Norzagaray »، بتاريخ 18 يوليو الفائت على موقع Latinoamérica21، وهو منصّة إعلاميّة وتحليليّة مستقلّة بارزة، مُختصّة فى نشْر المقالات والتحليلات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعية المتعلّقة بدول أمريكا اللاتينية، والذى نشرت دورية «الكورييه أنترناسيونال» الفرنسية فى عددها الصادر فى 20 - 26 أغسطس الماضى (العدد 1868) مقتطفات منه تولّى ترجمتها إلى الفرنسية أوليفييه راغازول Olivier Ragasol، لنقوم نحن بدورنا بترجمتها إلى العربية.

فى عقد الثمانينيات من القرن الماضى، لاحظ ميخائيل غورباتشوف إنهاك أو تآكل الأنموذج السوفييتى وعجزه عن تلبية احتياجات السكان من السلع الأساسية؛ فبادر عندئذ إلى تطبيق انفتاح استهدف تحديث الاقتصاد الراكد، عبر تبنّى اللامركزية وإدخال آليات السوق بشكلٍ محدود.

هكذا، وبعدما مَنح حريّة أكبر للمؤسّسات المملوكة للدولة، فتحَ مجالات لمبادرات خاصّة صغيرة. وقد أتاح أيضا مساحة أكبر لحريّة التعبير، وفَتح بابَ الوصول إلى معلوماتٍ كانت حتّى ذلك الحين محجوبة أو خاضعة للرقابة، فضلا عن فتْحه باب النقاش العامّ حول أزمات اتحاد سوفييتى آخذٍ فى الأفول.

منطق الكاراتيه أو منطق المناورة والالتفاف

لقد كان أنموذجا غير مسبوق، يبحث فى كيفيّة جعْل النظام الاقتصادى أكثر فعاليّة، وفى زيادة مشاركة المواطنين، وفى شفافيّة الدولة. لكنْ، ويا للمُفارَقة، أسهمت هذه الإصلاحات الاقتصادية والسياسية فى إضعاف النظام السوفييتى.

«البيريسترويكا» لم تنجح فى حلّ المشكلات الاقتصاديّة، فى حين أنّ «الغلاسنوست» (الشفافيّة) السياسيّة، التى كان هدفها إصلاح النظام السوفييتى عبر إلغاء الرقابة والسماح بحريّة التعبير، والنقاش العام، والوصول إلى المعلومات، فتحت الباب أمام الانتقادات المتراكمة طوال عقودٍ من الاضطهاد ضدّ معارضى النظام. إنّ ارتباط الأزمة الاقتصادية بالمطالب الديمقراطية والصحوة القومية، سرَّع من تصدُّع الاتّحاد السوفييتى فى العام 1991، وتفكُّكه.

هذا الانفتاح على السوق العالميّة وعلى الديمقراطيّة الليبرالية، نُظر إليه من قبل القادة الصينيين والفييتناميين على أنه غلطة، ذلك أنّ هذا الانفتاح «لبْرَلَ» الاقتصاد والسياسة فى آنٍ معا.

على عَكس ما قام به الاتحاد السوفييتى، أَطلق كلٌّ من الصين وفييتنام إصلاحات اقتصاديّة عميقة (ترافقت مع استثمارات خاصّة محدودة، التنافسيّة فى الأسواق، اللّجوء إلى التصدير، خلْق الثروة الخاصّة)، لكنّ هذيْن البلدَيْن الآسيويَّيْن حافظا على نظامِ الحزب الواحد، وعلى سيطرتهما على وسائل الإعلام، وعلى الإشراف على المنظّمات الاجتماعية، وعلى القيود المفروضة على المُعارضة. هذا ما سمّاه علماء ومحللو السياسة بـ «سلطويّة السوق» أو «رأسمالية الدولة السلطوية».

فى الأشهر الماضية، وأمام الضغوط التى تُمارسها حكومة ترامب والصعوبات الاقتصادية الحادة (التى عرفتها فنزويلا وكوبا)، سمعنا تصريحات مُختلفة من النّخب السياسيّة فى كاراكاس وهافانا، تَقترح فتْحَ المجال أمام القطاع الخاصّ من خلال الشركات الصغيرة والمتوسّطة، بغية تحفيز ديناميّات سوقٍ جديدة.

على ما يبدو، يريد هؤلاء الحكّام الاستلهامَ من الصين وفيتنام، على الرّغم من وجود فجوة معيّنة، مُتّبعين فى ذلك منطق الكاراتيه، الذى يقضى بالهجوم بوصفه أفضل طريقة للدفاع، وعَبر القيام بإصلاحٍ اقتصادى يرمى إلى الحفاظ على الاحتكار السياسى، مع تجنُّب، بأى ثمن، حدوث «غلاسنوست» من شأنه إشعال أزمة نظام. إنّهم يراهنون على أن يولِّد الازدهارُ الاقتصادى استقرارا وشرعيّة كفيلَيْن بإعادة بناء الثقة بأنموذجٍ سياسى واقتصادى تسبَّب فى حدوث بؤر واسعة من الفقر. مع ذلك، وإذا كان هذا الجهد المبذول للتكيُّف مع الوضعيّة الجيوبوليتيكيّة الجديدة يستحقّ التقدير أو الثناء، فإنّ كوبا ليس لديها الميزة التى كانت متوافرة لدى الصين وفييتنام. فالجزيرة لديها سوقٌ داخليّة صغيرة الحجْم، والاستثمارات الدوليّة محدودة فيها. فهى تعانى من شيخوخة السكّان، ومن الهجرة الكثيفة. وهى فضلا عن ذلك تَخضع لعقوباتٍ أجنبيّة أو خارجيّة.

مشكلة التوازُن

أمّا بالنسبة إلى فنزويلّا، فالظاهرة تبدو وليدة الارتجال وكردّ فعلٍ سريع، إذ لم تَشهد الحقبة الذهبيّة للتشيفازيّة (حركة سياسيّة لليسار الراديكالى أسّسها هوغو تشافيز لدى وصوله إلى السلطة فى العام 1999)، أى برنامج رائد للإصلاحات الاقتصاديّة، وذلك بعكس ما شهدته الصين تحت حكم دينغ شياو بينج Deng Xiaoping (فى الثمانينيّات)؛ بدلا من ذلك، عرفَ هذا البلد تكيّفا براغماتيّا متماسكا تمثّل فى دوْلرة غير رسميّة (للاقتصاد)، وفى تسامُحٍ أكبر مع الشركات الخاصّة، وقيودٍ اقتصاديّة أقلّ، فضلا عن تراجُع التدخّل المباشر فى بعض الأسواق.

لم يَشهد هذا البلدُ الأمريكى اللّاتينى تحوّلاتٍ مؤسّساتيّة عميقة. وقد نَتج عن ذلك انفتاحٌ اقتصادى دفاعى، بحيث فُتحت أبواب الاقتصاد لمُعالجة الأزمة، لكن من دون المساس ببنية السلطة السياسيّة، وظلَّ الوضع على هذا النحو حتّى اعتقال نيكولاس مادورو وترحيله. وهذا يعنى أنّ السلطة الفنزويليّة هى فى مواجهة مشكلات حادّة فى التوازن.

فى سياقٍ كهذا، يُمكننا أن نطرح سؤالا أساسيا يخصّ البلدان الاستبدادية ذات التوجُّه اليسارى مثل كوبا وفنزويلا الخاضعتَيْن للضغط الذى تمارسه الولايات المتّحدة: هل يُمكن أن يتوافر اقتصادٌ مفتوح نسبيّا فى ظلّ نظامٍ سياسى مُغلق؟
فى تسعينيّات القرن الماضى، التى باتت بعيدة الآن، كان كثرٌ يظنّون أنّ مشروعا كهذا ليس مجرّد أضغاث أحلام، وأنّه كان من الضرورى تسيير هذه الأنظمة نحو الانفتاح لتمكين آليّات السوق الدوليّة من أخْذ مجراها. والأكثر تفاؤلا، كانوا على قناعة بأن النمو الاقتصادى يقود لا محالة إلى الديمقراطيّة. وثمّة حالة قريبة من ذلك هى حالة المكسيك تحت حكم كارلوس ساليناس دى غورتارى (1988 - 1994)، الذى روَّج للّيبراليّة الاقتصاديّة من دون إصلاح النّظام. هذه السياسة واجهَت فشلا ذريعا. دمقْرطة البلاد تقدّمت بخطى سريعة حتّى العام 2000 تاريخ الانتخابات الرئاسيّة، التى وضعت حدّا للحُكم الطويل للحزب الثورى المؤسّسى PRI.

مع ذلك، ينبغى ألّا نغفل تجربة الصين وفيتنام وسنغافورة التى تدلّ على أنّ نظاما ما من شأنه أن يَجمع بين النموّ الاقتصادى، والأوتوقراطيّة، والرقابة السياسيّة، والاستقرار الطويل، وذلك فى الوقت الذى يحفظ فيه الشرعيّة السياسيّة، تلك العائدة لدولة قادرة على الاستجابة لحاجات سكّانها. بمعنى آخر، يُمكننا الاستفادة من الدّعم الاجتماعى ومن الشرعيّة من دون الحاجة إلى الديمقراطيّة.

السؤال الجوهرى كلّه يتمحور حول معرفة ما إذا كان قائدا كلٍّ من فنزويلّا وكوبا، تحت إشراف الولايات المتّحدة، سيكونان قادرَيْن على الوصول إلى النتائج نفسها من خلال الإصلاحات النّاشئة، فى حين يُعدّ عامل الوقت العدو الأول واللّدود لهما.


رفيف رضا صيداوى
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/555dt8uz

 

التعليقات