حسام علوان «المصراوى» الأصيل - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 31 أكتوبر 2026 8:33 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

حسام علوان «المصراوى» الأصيل

نشر فى : السبت 31 أكتوبر 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : السبت 31 أكتوبر 2026 - 7:30 م

(1)
منذ أن انتشر خبر رحيله على صفحات «السوشيال ميديا» الأسبوع الماضى، وسرادقات الوداع الافتراضية والتشييع الحزين الممض لا تنتهى! فوجئت بأننى لست وحدى الذى انغمست فى هذه الحالة من الحزن والإحساس بمرارة الفقد لصديق عزيز وغال وله قيمة إنسانية كبرى فى حياتى وحياة غيرى. ولم أتصور أن تكون الفجيعة فيه بهذا القدر، وأن يكون الحزن ثقيلا وكئيبا ومرّا لهذه الدرجة.

عن الكاتب والأديب والفنان والمنتج السينمائى، والإنسان المصرى النبيل، حارس الذاكرة الحية، وعاشق تاريخ وحكاوى المصراوية، كما يطلق عليه الصديق والناقد الكبير محمود عبدالشكور، الراحل الكريم حسام علوان، الذى رحل عنا الأسبوع الماضى بعد صراع لم يطل مع المرض اللعين.

ربما لم نلتق خلال عشر سنوات أو يزيد سوى مرات معدودة قد لا تزيد على أصابع اليد الواحدة! لكن من قال إنه يلزم أن تتعدد اللقاءات كى تتأكد من نقاء وصفاء روح إنسان تقابله لأول مرة فلا تشعر بغربة أو اغتراب بل تشعر بالألفة والحميمية وإحساس أنكما أصدقاء منذ الطفولة، لا تحتاج إلى أكثر من جلسة واحدة كى تدرك يقينًا أنك تحبه بتركيبته المدهشة الفذة؛ تركيبة مبدع موهوب وإنسان متأمل مندهش، محافظا على سلامة روحه من الصدأ، ونقاء مشاعره من الكدر، وعلى وصوله لهذه الدرجة من التطابق المذهل بين الإيمان بالأفكار والأحلام والبشر، وبين سلوكه الإنسانى العام فى حياته، وصداقاته المتعددة، وممارساته الثقافية والفنية والكتابية إلى أن غيّبه الموت الأسبوع الماضى وسط حالة من الحزن النبيل والوداع الجمعى المهيب الذى كلل صفحات الفضاء الأزرق، وشيعه الآلاف فى جنازة افتراضية لم أشهد لها مثيلًا منذ زمن بعيد.

(2)
حسام علوان الذى غيّبه الموت عن 54 عامًا، يعرفه كل عشاق السينما المستقلة، والأدب، والإبداع الحر الخلاق، فضلا على هوايته الأثيرة بجمع المقتنيات النادرة والأنتيكات والخطابات القديمة، وإطارات اللوحات العتيقة، وفضلًا على كل ما هو غريب ومثير للدهشة والفضول، ويفتح أبوابًا لا تحد للبحث والتنقيب!
كان يعرض على صفحته الشخصية على «فيسبوك» التى تحولت إلى أكبر متحف افتراضى حى، ما تعجز مؤسسات بأكملها عن تنظيمه وعرضه، فضلا على اجتذاب جمهور عريض له! كان ينشر صورة نادرة تعود إلى عشرات السنين ويطرح أسئلته البسيطة الإنسانية المتأملة عنها فيفتح الباب واسعا للخيال والإبداع لخلق سيناريو كامل حول هذه الصورة وشخصياتها وعناصرها!
احتشدت صفحته المتحفية بأرشيف صور نادرة للمحروسة فى تفاصيلها اليومية الحية، اجتمعت له من أسفاره ومن زياراته لسوق الجمعة وسوق الثلاثاء، وغيرها من الأسواق التى يعرفها روادها جيدا، اجتمعت له ثروة لم يضن بها على جمهوره، وكان يفتتح دائما عرضه لما ينشره على صفحته بجملته الأثيرة العذبة التى حفظها جمهوره «كنت مرة ماشى ولاقيت كذا» وتبدأ الحكاية التى يصوغها كأمهر جواهرجى وصائغ فنان.
أتصور أن نشاط حسام علوان فى هذا المضمار نموذج مثالى لما يطلق عليه المؤرخون «التاريخ من أسفل». فقد كان يفتح الباب واسعا للبحث والاستقصاء مع كل صورة نادرة يعرضها أو نص رسالة مكتوبة بخط اليد فى مطالع القرن ينشرها كاملة، أو تحفة فنية نادرة بتكوينها الجمالى أو تصميمها الفريد تعود إلى قرن أو يزيد.. إلخ، أقول إن حسام علوان كان يقدم مادة ثرية وخصبة لعشاق التاريخ الفنى والاجتماعى، والتراث المصرى الأصيل، والبحث عن النادر وغير المألوف فيما كان ذات يوم مألوفا وعاديا واعتياديا!

(3)
فى كتابه الذى صدر عن دار الكرمة قبل سنوات، بعنوان «شنطة سفر وحيدة» (وقد دونه بالعامية.. ولست ممن يرتاحون لصياغة التجارب الإنسانية والإبداعية بالعامية من الألف إلى الياء.. لكن هذه الكتابة بعاميتها لفرط صدقها وامتثالها للتداعى الحر غير المتكلف لا تملك إلا أن تستقبلها كما هى، وتحبها كما هى)، يقدم حسام علوان رؤيته للحياة والناس بدهشته المحببة، وسخريته المهذبة الراقية، وحسه الرائق بلا مساحيق ولا ادعاءات.
الكتاب يشير إلى أسفار ورحلات حسام علوان، وقد كان رحالة محبا للسفر والتجوال الحر، لكنه أيضًا يقدم رحلات أخرى موازية، رحلات التجوال بين الناس، فى كل خبرة حية رحلة، فى كل مشوار بالميكروباص أو الأتوبيس أو الطائرة رحلة فيها التأمل والسؤال والنظر، وإصرار لا يلين على الفهم والتعرف والاكتشاف، والغوص فى جوهر البشر ودواخلهم تعاطفا وشفقة قبل أن تكون حُكمًا صارمًا!
رحمه الله، كان واحدًا من أعذب وأنقى الشخصيات التى عرفتها فى حياتى. نموذج للإنسان الفنان الراقى، صاحب الذوق المرهف الشفيف، والحساسية العالية، والعين البصيرة اللاقطة للجوهر.. وقد كانت صفحته على «فيسبوك» واحدة من الصفحات التى تمتعنى وتبهرنى بجمالها المذهل، فضلا على شعبيته الجارفة فى أوساط المثقفين والمحبين للتراث والحكايات والنوادر واللفتات الذكية الحية.. ولعلها ستظل شاهدة على جمال روحه.
لن أقول وداعًا.. فقط سأقول إنى تشرفت بأن يكون لى صديق مثلك وفنان ومتذوق وجواهرجى، وصاحب ذائقة وحساسية عالية، يندر أن يوجد مثلها فى هذا الزمان.