وثيقة «الهوية الوطنية» - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 3 أكتوبر 2026 8:31 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

وثيقة «الهوية الوطنية»

نشر فى : السبت 3 أكتوبر 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : السبت 3 أكتوبر 2026 - 7:25 م

(1)
لعل أهم ما قدمته وثيقة «الهوية الوطنية» التى صدرت عن مكتبة الإسكندرية فى ختام أعمال مؤتمرها الحاشد عن «الهوية الوطنية» (21-23 سبتمبر الماضى)، برعاية الرئيس عبدالفتاح السيسى، ومتابعة مؤسسة الرئاسة ومشاركة الهيئات والوزارات الرسمية المختلفة، هو طرح إجابات مقبولة، بوضوح وإيجاز وبساطة فى الوقت نفسه، عن أسئلة بديهية حول: لماذا يطرح سؤال الهوية الآن؟ وما الذى تقصدونه بـ«الهوية الوطنية»؟ وماذا يعنى هذا المفهوم ببساطة ومن دون تقعير ولا فذلكة حين نستخدمه ونتداوله فى الأدبيات الراهنة؟
وقد جاء صياغة الوثيقة بمجملها إجابة أيضًا عن السؤال المطروح دائمًا ويتجدد كل حين:
وهل نحن فى حاجة لطرح سؤال «الهوية» من جديد؟ خصوصًا مع التناقض المطروح كظل ثقيل، فكيف لأمة تدعى لنفسها امتدادًا فى التاريخ يصل إلى أكثر من أربعة آلاف عام، ثم بعد ذلك تتساءل عن «هويتها»، وكأنها دولة فى طور التكوين تبحث عن ركائز لها؟!
ضمن إجابات عديدة مهمة ومحاولات لإزالة هذا الالتباس؛ أقف عند طرح الناقد الكبير محمد بدوى فى محاولته المهمة والعميقة للإجابة عنه. يرى بدوى أن طرح سؤال الهوية لا يعنى بالضرورة انعدام وجود «نواة صلبة» تجمع أفراد مجتمع بعينه؛ لأن «الهوية» ليست معطى جاهزًا يتسم بالثبات والجمود والسكون، ولا هى شىء سرمدى مجاوز لشروط الزمان والمكان، بل هى وجود تراكمى يُضاف إليه، وينتقص منه، فهو فى حال من التكون دائمًا. وحين يطرح سؤال «الهوية» الآن فليس ذلك دليل غيابها، بل علامة على اندراجها فى سياق مختلف من العلاقات التى غيرت من معناها القديم، ووجهته وجهة بعينها.
(2)
ربما كانت هذه الفكرة هى التى صاغتها وثيقة مكتبة الإسكندرية فى الأسطر التالية:
الهوية ليست كيانًا يقع خارج الأفراد، بل هى إطار كلى جامع يتأسس فى نفوس الأفراد وعقولهم ومخيالهم الاجتماعى، ويتجلى فى مشاعرهم المشتركة تجاه وطنهم وتاريخه، وفى عاداتهم وتقاليدهم ومنتجاتهم الثقافية (المادية والمعنوية)، وأنماط عمرانهم وأساليب حياتهم، وذوقهم العام.
وتتشكل الهوية عبر عمليات طويلة من التراكم الثقافى، وهى تكتسب عمقها من عمق التاريخ، وامتداده الزمنى. عندما يتمدد التاريخ فى عمق الزمن، تتعدد الحقب، وتتعدد الخطابات، ولكنها تنصهر وتندمج بقوة المشاعر المشتركة والتجانس الاجتماعى والثقافى.
ونأتى الآن للتعريف المقترح الذى قدمته الوثيقة للهوية الوطنية؛ فماذا نقصد بالهوية المصرية؟
تعرف الهوية المصرية، بحسب هذه الوثيقة، بكونها منظومة من الركائز المشتركة التى تشكلت عبر التاريخ الممتد للمصريين على أرضهم، من ذاكرة تاريخية جامعة، وروافد حضارية متنوعة، ولغة، وقيم روحية وأخلاقية مستمدة من الأديان السماوية، ومن الموروث الحضارى المصرى، والتراث الثقافى والرموز الوطنية المشتركة، والتى يعى المصريون من خلالها انتماءهم إلى أمة واحدة، ويختلفون بها عن غيرهم، ويرتبطون فيما بينهم برابطة المواطنة التى يكفلها الدستور، وهى هوية متصلة فى ركائزها، متطورة فى أشكال التعبير عنها، وتتسع لجميع فئات المصريين، وتستوعب تفاعلهم مع محيطهم العربى والإفريقى والمتوسطى والإنسانى.
(3)
ولا بد هنا من التأكيد على أننا فى حاجة إلى طرح سؤال الهوية، لا لأن مصر تبحث عن هويتها، أو عن هوية أخرى جديدة، كما يقول الدكتور بدوى، بل لأن ما يحوط هذا الكيان التاريخى من شروط، يسوّغ هذا الطرح؛ ثمة أولًا الهويات المجاورة، وبعضها موغل فى عدائه التاريخى لمصر، مثل إسرائيل، إننا فى علاقة مجاورة بثلاث قوميات؛ هى العبرية والطورانية والفارسية.
ومن المؤكد أن كل واحدة من هذه الهويات لها علاقاتها المعقدة بمصر؛ إيران -مثلًا- هوية مختلفة عن هويتنا، لكنها مع ذلك تشترك معنا فى كثير، ومن ثم فهى ليست هوية تتناقض معنا على النحو الذى تتناقض معنا به هوية الدولة العبرية. لكن كلتا الهويتين تدخل معنا فى علاقاتٍ من التناقض.
وثمة ثانيًا الهويات العربية التى تمثل دولًا، قائمة ذات سيادة، وبعضها يمثل هويات واضحة مغرقة فى الوجود التاريخى، لكنها مع ذلك دول شقيقة، علينا البحث معها عن طرائق للتنسيق والاتحاد، بعد أن فشلنا فى اللحاق بعصر الدولة العربية الواحدة التى تتطابق حدودها السياسية مع حدودها اللغوية.
وثمة ثالثًا، متغيرات الحاضر التى تجعل ضروريًّا صياغة استراتيجية ملائمة لصراع الهويات.
وتأتى وثيقة مكتبة الإسكندرية للهوية الوطنية لتضيف إلى هذه العناصر والتحديات ما أطلقت عليه الوعى بالمخاطر التى تهدد الهوية؛ وتطرح سؤالها: لماذا هذه الوثيقة من الأساس؟
تصدر الوثيقة عن مبادئ راسخة حول المخاطر الاجتماعية التى تواجهها الهوية الوطنية، والدور الذى تؤديه الهوية فى بناء المجتمعات واستمراريتها؛ فالمجتمعات الإنسانية تمر بحالة من تسارع التغير وظهور أشكال مستحدثة من الهيمنة الرقمية، وسيولة الحياة، وقابلية الروابط الاجتماعية للتفكك السريع، وتفشى ثقافة الاستهلاك، وانتشار الفوضى فى العالم الرقمى الذى تستخدم من خلاله أساليب خطرة للتشويش على المرتكزات الأصيلة للمجتمعات، وعلى مدركات أسس غريبة وهجينة، وتهديد الأسس التى تقوم عليها وسائط الشباب والأطفال، وتشكيل وعيهم على مواقع التواصل اللغوية والرمزية.

(وللحديث بقية)