«الهوية» ومشروعية البحث! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 26 سبتمبر 2026 8:22 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

«الهوية» ومشروعية البحث!

نشر فى : السبت 26 سبتمبر 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : السبت 26 سبتمبر 2026 - 6:59 م

(1)
هوية مصر والمصريين.. الهوية المصرية.. هويتنا، العروبة والإسلام، الإفريقية والآسيوية، الشرق أوسطية وحوض البحر المتوسط، اللغة.. الدين.. الثقافة.. الجغرافيا والتاريخ… إلخ، ما يمكن أن يمثل علاماتٍ ومفاهيم وألفاظًا تشكل فى مجموعها موضوع «الهوية الوطنية» أو «هوية مصر» أو ملامح ومحددات «الشخصية المصرية».


يبدو أننا سنظل لوقتٍ غير قصير ننخرط فى دوامة الطرح والبحث والتباسات الصراع: لماذا يتجدد الحديث ويثور السؤال أو يندلع النقاش حول هذه المسألة هذه الأيام؟


ولماذا يبدو أن انفصالًا ما بين الطروحات الفكرية والثقافية و«النظرية»، عمومًا، وممارسات الناس على الأرض، وردود أفعالهم العملية؟!


أتصور أن الوعى بهذه المفارقة أو هذا الانفصال هو المرتكز الأساس للدعوة إلى عقد مؤتمر «الهوية الوطنية» المنعقد بمكتبة الإسكندرية الأسبوع الماضى؛ برعاية رسمية وشخصية من رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسى.


وبعيدًا عن الجدالات والمناكفات المعتادة فى مثل هذه الأمور؛ فإن ثمة دلالات إيجابية لاهتمام مؤسسة الرئاسة ومؤسسات الدولة مجتمعة بهذا الموضوع؛ لأنه ــ فى تقديرى ــ يأتى على رأس الأولويات فى رسم السياسات العامة للدولة، وإدارة شئونها وخدمة مواطنيها؛ فإذا حددنا أولًا موقفنا من الأسئلة التى تتردد منذ قرنين دونما أى حسم ودونما أى اختيار؛ فإننا سنظل نراوح أماكننا ونعيد ونزيد دون أن نتقدم خطوة واحدة!


فمن الضرورى أن نعرف هل نحن دولة مدنية حقًا أم لا؟ هل نحن دولة تتبنى قيم المواطنة والمساواة وتفعيل دولة القانون أم لا؟ هل نحن معنيون حقًا بأولوية الحفاظ على الملامح العامة والضرورية لمعنى «الثقافة المصرية» واحترام التعددية والتنوع والهويات الفرعية فى إطار الملامح العامة والكلية (التى تم الاتفاق عليها ورسم ملامحها عبر العصور بالتاريخ والممارسة والفعل الحى).. وبما يترتب عليه لزومًا وتضمنًا من رسم سياسات التعليم الأساسى والتعليم الجامعى، وما تستلزمه هذه السياسات من إجراءات وآليات وخطوات تنفيذية على الأرض..


أتصور أن كل هذه أسباب ومبررات تؤكد مشروعية بحث «الهوية الوطنية»، واتخاذ ما يلزم لطرح حوار مجتمعى واسع ونقاش معمق حول كل عناصر ومكونات هذه المسألة.


(2)
إن الثقافة المصرية نموذج فريد ــ ليس الوحيد، بيد أنه الأقدم والأول والأدلّ ــ للثقافة العتيقة التى توافرت لها عوامل الثبات النسبى، فكانت خصيصة (المحافظة)، وعوامل التغير فكانت خصيصة (الاستمرارية)، وعوامل كثرة المكونات ــ المتواترة والوافدة ــ من أركان الدنيا الأربعة، فكانت خصيصة (التعددية).


عندما يصبح عمل هذه الخصائص متوازية متجادلة فى سلامة وتناغم وهدوء، كان الصعود المصرى فى التاريخ ينشر ألوية الإبداع والتقدم والسلام والحضارة. وعندما كان يمرض عمل هذه الخصائص، كان دور مصر فى التاريخ يتراجع ويخمد توهجه:


فى لحظات المرض هذه، كانت «المحافظة» ترى المستقبل فى الماضي، وكانت «الاستمرارية» قطيعة تنكر منجز آلاف السنين، وكان كل مكون يسعى إلى الانفراد والهيمنة على غيره من المكونات ــ فيثمر مسعاه قتل «التعددية» ــ وهى جوهر البنية التاريخية الاجتماعية الثقافية المصرية.


وفى كل الأحوال ــ لحظات التقدم، ولحظات التراجع ــ لم تغب الثقافة المصرية عن التاريخ الإنسانى يومًا، ولم يجر عليها ما جرى على غيرها من التوقف والاندثار، وآية هذه الحقيقة الأخيرة «التواصل الثقافى المصرى فى التاريخ» ما تواجهه الثقافة المصرية منذ عصر نهوضها الحديث الراهن (فى القرنين التاسع عشر والعشرين والعقود الأولى من القرن الحادى والعشرين) من صراع جهير، بين «ماضوية» حازمة ترى مستقبل مصر وراءها و«حداثية» تعتمد القطيعة، وسعى لهيمنة مكون واحد يعتمد شمولية معادية للتعددية المبدعة.


ويجاهد أهل الفكر من مثقفى مصر جهادًا نشطًا لتعود صحة التفاعل قانونًا للبنية الثقافية المصرية، ولمجمل حياة مصر، فى حاضرها الراهن، ومستقبلها الآتى.


لكن هذا الجهد يواجه تحديات جسيمة، حيث تشهد البشرية تحولات عظمى غير مسبوقة فى التاريخ البشرى كله.


(3)
هذا السياق العام أعاد إلى الواجهة مرة أخرى «سؤال الهوية»، وإشكالاتها المعلقة والملتبسة والمرتبكة فى القرنين الأخيرين، يطفو على السطح فى أوقات الاضطراب والارتباك، والمواجهات الصراعية الأيديولوجية الحادة، ونحن فى أتونها المشتعل الذى لم يهدأ لحظة فى العقد الأخير!


إن سلوك الناس وخياراتهم فى ممارسة حياتهم اليومية، وفى مجمل تصرفاتهم وردود أفعالهم وتعليقاتهم ونكاتهم اللاذعة، تحمل فى طياتها قناعاتهم دون تنظير أو تقعير أو تأطير!


هكذا هم المصريون الذين يعيشون على هذه الأرض، تظلهم هذه السماء، يشربون من ماء النيل، ولا يعنى بعد ذلك أى حديث عن عرق أو جنس أو دين أو مقيم أو وافد.. هذه نعوت وأوصاف لم تشغل المصريين أبدًا ولم يقفوا عندها بقليل أو كثير، فى كل حقب التاريخ، وعبر العصور.


ذلك أنهم من الشعوب والأمم الذين يمارسون التفاعل الحضاري، والانفتاح الثقافى «عمليًا» ودونما فذلكة أو تخوف أو تقوقع!


يصلون بهذا التفاعل والانفتاح إلى أقصى مدى فى عصور الازدهار والتألق، وينكمش وينحسر فى عصور الانحطاط والانغلاق والجمود دون أن يتلاشى أو يضمحل أو يختفى، لم يحدث هذا أبدًا فى تاريخ مصر وعبر عصورها منذ فجرها البعيد وحتى وقتنا هذا!


(وللحديث بقية)