فى مديات علم الاجتماع وتخبطاته - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأربعاء 9 سبتمبر 2026 8:18 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

فى مديات علم الاجتماع وتخبطاته

نشر فى : الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 7:10 م

 معاناة علم الاجتماع من أزمة بنيوية وأيديولوجية بحسب ألفن جولدنر تعود إلى ارتباط نظريات هذا العلم بالسلطة السياسية والطبقية، ولاسيما «النظرية الوظيفية البنائية» ممثلة بعالم الاجتماع الأمريكى تالكوت بارسونز Talcott Parsons (1902 - 1979) التى عجزت برأيه عن تفسير التحولات المجتمعية العنيفة فى ستينيات القرن العشرين (مثل حركات الحقوق المدنية، والاحتجاجات الطلابية، ومناهضة حرب فيتنام...)، فضلا عن الأزمات الاقتصادية والطبقية، لا بل خدمت مؤسسات دولة الرفاهية الليبرالية. وما الأزمات التسع لعلم الاجتماع التى عرضها فى كتابه المذكور إلا وجه من وجوه ارتباطه - أى هذا العلم - بالسلطة السياسية والطبقية؛ وهذه الأزمات التسع التى نشير إليها بعجالة، والتى عرضها عالم الاجتماع المصرى د. على ليلة فى تقديم الكتاب وترجمته إلى العربية (صدر عن المشروع القومى للترجمة/ المجلس الأعلى للثقافة فى مصر فى العام 2004)، تتمثل فى: أولا انقسام علم الاجتماع (فى العقود الأربعة الأخيرة قبل نهاية القرن العشرين) إلى علمين: علم اجتماع خاضع للتنظير الماركسى، وآخر خاضع للتنظير الليبرالى؛ ثانيا معايير الموضوعية والحيادية التى رافقت نشأة هذا العلم كمنهجية، أسوة بما هو سائد فى العلوم الطبيعية؛ ثالثا التحولات المتسارعة للتنظير الاجتماعى وذهابه فى اتجاهات متعددة ومتنوعة، تارة على مستوى الأنساق والبناءات الاجتماعية الشاملة، وتارة على مستوى التفاعلات الجزئية، وتارة ثالثة على مستوى النسق العالمى الشامل، ما حرمه من تحقيق التراكم الخصب والعميق؛ رابعا الفجوة بين البنية التصورية للنظرية الاجتماعية (المستندة إلى نسقية ثابتة ذات عناصر مرجعية ثابتة كما هو الحال مع البارسونزية كأنموذج) وبين الحالة التى تتفاعل العناصر فيها ووفقها، أى حركية التفاعل الواقعى؛ خامسا تغير البنية التصورية لعلم الاجتماع بما يحول دون الوصول إلى مقولات نظرية ذات ثبات نسبى لفهم الظواهر والتفاعلات الواقعية؛ وكذلك اعتبار تغير عواطف القائمين على العلم إحدى العقبات أمام تأسيس مقولات تنظيرية جديدة (جيل علماء الاجتماع الشيوخ/ جيل علماء الاجتماع الشباب)؛ سادسا الفجوة الزمنية والمعرفية بين النظرية والتغير الاجتماعى الحرك، وتخلف التنظير الاجتماعى بالتالى عن دوره المركزى فى توجيه المجتمع أو البحث الاجتماعى بفعل التغير المجتمعى الكبير الذى يجعل تنظير علم الاجتماع عاجزا بصورة دائمة عن ملاحقة هذا التغير؛ سابعا الفرضيات النظرية حول العالم التى يضعها علم الاجتماع ومحاولة تأكيد صدقيتها، لتصبح قضية علمية ذات ثبات نسبى؛ فى حين أن ثمة «طبقات من الفرضيات» منها ما يتعلق بذات الباحث (سيرته الحياتية، خلفيته الطبقية والسياسية والاجتماعية، تفاعله العاطفى مع الوقائع...)، وأخرى عامة تلعب دورها فى تشكيل وجهة نظره حول الكون والمجتمع والإنسان، فيما تشكل الافتراضات الكامنة والعواطف المرتبطة بها فى العادة، معايير الانتقاء للافتراضات العامة التى تتلاءم معها؛ ثامنا غياب جانب رئيسى فى العملية العلمية، يتمثل فى غياب تعميق الباحثين لوعيهم بذواتهم، وبالتالى عدم إدراكهم لطبيعة العناصر المشاركة فى عملية الفهم: الذات التى تسعى إلى المعرفة والموضوع القابل للمعرفة؛ بحيث إن غالبية التعميمات التى توصل إليها التنظير الاجتماعى لم تصمد طويلا أمام اختبارات الواقع؛ تاسعا استسلام التنظير الاجتماعى لدولة الرفاهية، وكذلك الاستسلام لشروطها.

فى ترددات أزمة علم الاجتماع الغربى

ما اعتبره عالم الاجتماع الأمريكى ألفن جولدنر أزمة علم الاجتماع الغربى، معطوفا فى عالمنا العربى على إرث سوسيولوجى كولونيالى، كان ولا يزال يعكس أحد أبرز تخبطات علم الاجتماع عندنا؛ المشكلة لا تنبع من كون هذا العلم بؤرة تلاق واشتباك معرفى تتداخل معه وتتقاطع مسارات التيارات والمناهج السوسيولوجية المعاصرة، وهو أمر يحيل على طبيعة العلم نفسه وقوانينه العالمية، وإنما هى تنبع من المشكلات البنيوية لمجتمعاتنا التى كانت ولا تزال تسهم فى الدفع به نحو خدمة الكولونيالية بوجهيها القديم والراهن والتغول الليبرالى الداعم لآليات إضعاف الدولة الوطنية.

لا نرمى فى هذا المقال إلى الخوض فى الأطر التى ينبغى أن تكون حاضنة لعلم الاجتماع، كالحرية واستقلالية النتاج السوسيولوجى عن توجيهات الأنظمة السياسية وسلطاتها، والحرية الأكاديمية، والميزانيات المرصودة له،... وغيرها من الأطر المساندة، بل فى مقوماته المعرفية غير المنفصلة حكما عن تلك الأطر؛ إذ تتحدد الغاية الأساسية لعلم الاجتماع بثلاثة مقومات رئيسة: أولاها تفسيرى، ينتج نظريات ومناهج صارمة قمينة بفهم الواقع الاجتماعى بعمق. ثانيها ميدانى حيوى يقرأ ويعايش التفاصيل اليومية والمعاشة للناس، وثالثها نقدى يسائل البديهيات والمسلمات اليومية المهيمنة والقيم والأهداف، ويدفع إلى قراءة الواقع بعيدا عن التفسيرات السطحية أو الميتافيزيقية؛ بحيث يتكامل ذلك كله لتأسيس وعى علمى وموضوعى بالمجتمع وبمحيطه، وتحقيق التحرر المعرفى والمجتمعى.

هذه المقومات الثلاثة، بتقاطعاتها مع الأزمات التسع لعلم الاجتماع وتشابكاتها معها، تواجه تحديا إبستمولوجيا، يكمن فى الهيمنة المعرفية للاتجاه الليبرالى العالمى وضغوط المركزية المعرفية الليبرالية، وصوغ أدوات التحليل الاجتماعى المحلية تماشيا مع النماذج الغربية العولمية؛ ففيما يتعلق بالمقوم الأول التفسيرى، يميل هذا «التفسير» إلى الانحراف أكثر فأكثر نحو «الفردانية المنهجية» مع ميل إلى تجاوز الأطر الجماعية والتاريخية والطبقية، وعزل المشكلات الاجتماعية عن أطرها البنيوية العامة. أما عن المقوم الثانى، أى المعايشة، فمن الملاحظ أن المقاربة الميدانية للمجتمعات المحلية تزداد ارتباطا وتأثرا بالأجندات التمويلية الدولية وبتمويلها، ولاسيما أن الأبحاث الميدانية مكلفة جدا ماديا ولوجستيا، فضلا عن ضعف الميزانيات المخصصة للبحث العلمى فى الجامعات الحكومية العربية بعامة، وفى مراكز البحوث الوطنية أو غيرها؛ بحيث تتحول المعايشة من أداة لفهم المجتمع إلى آلية لـ«جمع البيانات» وتعبئة الاستمارات التى تخدم مشروعات تنموية محددة سلفا، تبتعد غالبا عن الأولويات الحقيقية للإنسان العربى، مع ما يفضى إليه ذلك من تحول الباحث العربى، فى كثير من الأحيان، من عالم يسعى إلى فهم الظاهرة إلى «مستشار تقنى» يجمع البيانات ليصوغها فى تقارير وتوصيات سريعة يطلبها الممول. أما عن المقوم الثالث، أى النقدى، فمن الملاحظ كذلك تراجع النقد البنيوى لمصلحة تفكيك جزئى يخدم مفاهيم السوق والحرية الفردية، وإن تدثر بغطاء العلم والعقلانية لحجب المصالح المتضاربة.

صناعة أولويات وهمية

فى هذا السياق لا بد من التوقف عند التمويل الغربى وصناعة أولويات وهمية، ولاسيما عندما يوجه هذا التمويل بوصلة البحث نحو قضايا تهم الأمن القومى أو السياسات الخارجية للدول الغربية مثل: دراسات الهجرة غير الشرعية، ومكافحة التطرف، أو رصد التحولات الدينية، فى حين تهمش القضايا الهيكلية الحيوية للمواطن العربى كالأمية، والبطالة الهيكلية، وضعف الإنتاج، أو غياب العدالة الاجتماعية.

فى ظل هذا المناخ العام، نادرا ما تخدم السوسيولوجيا فى عالمنا العربى القرار السياسى لجهة تصويبه؛ فإذا كان لا بد لحقول علم الاجتماع الأربعة (أى علم الاجتماع المهنى، علم الاجتماع النقدى، علم الاجتماع السياسى أو السياساتى، علم الاجتماع العمومى)، التى حددها عالم الاجتماع البريطانى «مايكل بورواى» Michael Burawoy، أن تتكامل وأن يتوقف نجاح كل حقل فيها على فاعلية الحقول الأخرى، فإن الحقل النقدى يبقى هو الأساس الضامن لحماية البحث المهنى من الجمود، ولحماية السياسات من الارتهان لأجندات السلطة الممولة، أيا كان نوعها، ولتوجيه علم الاجتماع العمومى فى معاركه التحريرية أيا كانت؛ فيكون هذا الحقل النقدى فى ضوء ذلك المحرك الأول للممارسة السوسيولوجية، والقادر على منحها مشروعيتها وجودتها. لكن فى ظل التغلب على علم الاجتماع النقدى لدينا، يغدو الباحث الاجتماعى ناقلا ومترجما للأزمة المعرفية الغربية، يحول «البرستيج» الأكاديمى وأدبيات علم الاجتماع الغربى دون تشخيصه واقع مجتمعه تشخيصا أصيلا.

على هذا، لا تقف خطورة أزمة علم الاجتماع فى مجتمعاتنا عند حدود التنظير، بل تتعداه مع اتجاه علم الاجتماع فى الغرب (فى واشنطن وباريس ولندن وغيرها من العواصم ذات المراكز البحثية والجامعات العريقة) للبحث عن أدوار وظيفية جديدة، يتركز ثقلها المعرفى والبحثى فى خدمة الاستراتيجيات الاستعمارية الجديدة المتمثلة فى إدارة منطقتنا وتغيير خرائطها. لقد تحول سوسيولوجى من «ملاحظ ومحلل» فى سياق استشراقى، إلى «مهندس ومخطط» لسياسات التفكيك وإعادة التركيب فى العالم العربى؛ ويعد المستشرق والمحلل السوسيولوجى برنارد لويس الأنموذج الأبرز عن توظيف المعرفة الإنسانية فى تفكيك المنطقة. فمشروعه الشهير لتقسيم الشرق الأوسط استند إلى قراءة سوسيولوجية فوقية وعنصرية للتناقضات العرقية والطائفية والمذهبية، بهدف تحويل الدول العربية إلى «كانتونات» ودويلات ممزقة ومستدامة الأزمات. الأمر الذى يتواصل تنفيذه اليوم عبر أذرع عدة، لعل أبرزها الجامعات الغربية التى تخضع نظيراتها العربية لشروط «الاعتماد الدولى» ومؤشرات التصنيف العالمية، فارضة لغة أجنبية وتبنى أجندات بحثية غربية وأدوات قياس لا تناسب البنية الثقافية والاجتماعية المحلية، والإسهام فى إعادة إنتاج المناهج الغربية المأزومة واستبطانها من طرف الخبراء والأكاديميين من خريجين جدد وممارسين قدماء، ومراكز الأبحاث والتفكير التى يتلقف صانع القرار الغربى، بالاستناد إلى خبرائه ومراكزه، نواتجها لتفعيل الأزمات وإعادة رسم الخرائط العربية جغرافيا وديمغرافيا.

 

رفيف رضا صيداوى

مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلي:

https://bitly.cx/9AXO3

   

التعليقات