المسئول الذي ينزل إلى الشارع، ويدخل موقع العمل، ويستمع إلى المواطنين والعاملين، ويرى المشكلات بنفسه، هو مسئول يمارس دوره كما يجب.
فالقرارات التي تهم الناس وتصنع فرقًا حقيقيًا لا يمكن دائمًا أن تأتي من وراء المكاتب، وإنما تحتاج إلى عين ترى الواقع، وأذن تسمع الناس، ومسئول يمتلك القدرة على اتخاذ القرار في مكان المشكلة.
ومن هنا، فإن زيارات المسئولين الميدانية للمتابعة أمر مهم وضروري؛ لأنها الوسيلة الأقرب للوقوف على الواقع، والاستماع إلى المواطنين والعاملين، ورصد المشكلات على الطبيعة، واتخاذ قرارات حقيقية لمعالجتها.
لكن ما يحتاج إلى مراجعة، في رأيي، هو الطريقة التي يتم بها أحيانًا توثيق هذه الزيارات والتعامل معها إعلاميًا.
فالتصوير الفوري والمستمر قد يلتقط لحظة انفعال، أو نقاشًا حادًا، أو اختلافًا في وجهات النظر، وهي أمور طبيعية يمكن أن تحدث في أي نقاش هدفه الوصول إلى الحقيقة. لكنها، عندما تخرج في لقطة مبتورة أو مقطع قصير على مواقع التواصل الاجتماعي، قد تتحول من وسيلة للمتابعة إلى مشهد للإحراج أو الإساءة، حتى لو لم يكن ذلك مقصودًا من أي طرف.
والأخطر أن يشعر المواطن أو الموظف بأن كل كلمة يقولها، وكل رد فعل يصدر عنه، قد يتحول في لحظة إلى مادة للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي. وهنا قد نفقد جزءًا مهمًا من الهدف الحقيقي للزيارة، وهو أن يتحدث الناس بصراحة، وأن يسمع المسئول الحقيقة كما هي، دون تزييف أو تجميل.
لذا أرى أن تكون المتابعة أكثر هدوءًا، وأن يكون التصوير بقدر الحاجة، وأن تتاح للمسئول مساحة حقيقية للسؤال والاستماع والمناقشة، كما تتاح للمواطن أو الموظف مساحة حقيقية لشرح موقفه والرد دون خوف من الكاميرا.
وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال غياب الشفافية أو التوثيق؛ بل على العكس، يمكن توثيق الزيارة بشكل مهني، ثم تقديم صورة واضحة عن نتائجها، وما تم رصده من مشكلات، وما صدر من توجيهات وقرارات لمعالجتها، وما تحقق بالفعل بعد الزيارة.
وأعتقد أن المواطن لا يهمه في النهاية أن يرى كل تفاصيل النقاش، بقدر ما يحتاج إلى أن يعرف ماذا تغير بعد هذا النقاش، وما الذي تم إنجازه على أرض الواقع.
فالأهم أن تكون المتابعة وسيلة للإصلاح، لا للمحاسبة أمام الكاميرات، وأن يكون الهدف هو حل المشكلة، وليس البحث عن مشهد يحقق انتشارًا.
فالشفافية الحقيقية ليست في كثرة التصوير، وإنما في وضوح النتائج.
والمتابعة الناجحة ليست في صناعة مشهد، وإنما في صناعة التغيير