من «هي تكية؟» و«امشي من قدامي» إلى مدارس القليوبية.. لماذا تتحول بعض الجولات الميدانية للمسئولين إلى قضية رأي عام؟ - بوابة الشروق
الأربعاء 9 سبتمبر 2026 11:54 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

من «هي تكية؟» و«امشي من قدامي» إلى مدارس القليوبية.. لماذا تتحول بعض الجولات الميدانية للمسئولين إلى قضية رأي عام؟

كريم البكري
نشر في: الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 11:12 ص | آخر تحديث: الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 11:17 ص

أعادت جولة محافظ القليوبية حسام عبد الفتاح على عدد من المدارس، وما تبعها من انتشار مقاطع مواجهته مع مديرين أمام الكاميرا، نقاشًا ظهر أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة: متى تظل الجولة الميدانية أداة للمتابعة والمحاسبة، ومتى تتحول طريقة المحاسبة نفسها إلى قضية رأي عام؟

خلال الساعات الماضية، تجاوز الجدل حالة المدارس التي زارها المحافظ إلى طريقة مخاطبة مدير مدرسة برقطا ومديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير، قبل أن تدخل نقابة المعلمين على الخط، ويعود المحافظ نفسه لتوضيح أسباب قراراته وما جرى خلال الزيارة.

- الجولة الميدانية.. أداة عمل وليست حدثًا استثنائيًا

تمثل الجولات الميدانية جزءًا أصيلًا من طريقة إدارة ومتابعة المرافق والمشروعات الحكومية؛ فقانون نظام الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 يعتبر المحافظ ممثلًا للسلطة التنفيذية داخل محافظته، ويمنحه بالنسبة للمرافق الداخلة في اختصاص الإدارة المحلية السلطات التنفيذية المقررة للوزراء، ويجعله رئيسًا للأجهزة والمرافق المحلية في نطاق المحافظة.

وفي التعليم تحديدًا، تنص المادة 11 من قانون التعليم على تولي المحافظات «العملية التنفيذية التعليمية والمتابعة المحلية»، إلى جانب إنشاء وتجهيز وإدارة المدارس الداخلة في اختصاصها.

كما تظهر الجولات نفسها بوضوح في لغة الإدارة الحكومية الحالية؛ فعندما عرض محافظ بني سويف أداء محافظته أمام رئيس الوزراء في يونيو الماضي، وصف الجولات الميدانية بأنها «ركيزة أساسية» في أسلوب العمل التنفيذي، وأن نتائجها تدخل في تقييم أداء الإدارات وفرق العمل.

- سبتمبر 2026.. مدرستان وجدل واحد في القليوبية

بدأت جولة محافظ القليوبية الأخيرة بملف التأكد من جاهزية المدارس قبل بدء العام الدراسي؛ في مدرسة برقطا الإعدادية، رصد المحافظ ملاحظات تتعلق بالنظافة والصيانة والمقاعد، ولفت انتباهه حضور مدير المدرسة مرتديًا الجلباب، فسأله عن «الزي الرسمي»، قبل أن ينتهي المرور بقرار استبعاد المدير.

وفي مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار، دخل في نقاش آخر مع المديرة حول النظافة واحتياجات المدرسة، بعدما تحدثت عن نفقات تحملتها ومخاطبات وجهتها إلى الجهات المعنية؛ لكن ساعات قليلة كانت كافية لنقل الجولة إلى مسار مختلف؛ انتشر المقطعان، وبدأت المناقشة حول الجلباب وطريقة الحوار مع المديرة، ودخل إعلاميون ونقابة المعلمين في النقاش، فيما أعلنت النقابة رفضها تحويل المدارس إلى ما وصفته بـ«ساحات للشو الإعلامي»، وطالبت بضوابط للزيارات التفقدية.

وفي اليوم التالي، اضطر المحافظ إلى العودة إلى تفاصيل الواقعة، مؤكدًا أن استبعاد مدير برقطا ارتبط بتقاعسه عن التعامل مع مشكلات المدرسة وليس بارتداء الجلباب، كما عرض روايته بشأن مستندات مديرة كفر الجزار وما ذكرته عن الإنفاق الشخصي.

وهنا اكتمل نموذج سيتكرر في وقائع أخرى: ملاحظة ميدانية، مواجهة أمام الكاميرا، انتشار مقطع قصير، ثم روايات وتوضيحات تبدأ بعد انتهاء الجولة نفسها.

- مايو 2026.. «امشي من قدامي»

قبل أربعة أشهر فقط، قدمت جولة وزير النقل كامل الوزير في أسيوط نموذجًا شديد الوضوح لتأثير الكاميرا.

كان الوزير يتابع التشغيل التجريبي للمرحلتين الثانية والثالثة من محور ديروط، عندما ارتبك أحد المهندسين أثناء تقديم شرح للمشروعات، وقال إن محور سمنود يقع في القليوبية، قبل أن يصحح المعلومة إلى الغربية؛ قاطع كامل الوزير المهندس، وطلب منه الابتعاد عن موقع الشرح قائلًا: «امشي خالص من قدامي».

فجّر الفيديو حالة من الجدل؛ بين من رأى في رد الوزير حزمًا مطلوبًا في التعامل مع مهندس يفترض إلمامه بتفاصيل المشروع، ومن اعتبر الطريقة قاسية أمام الحضور والكاميرات؛ ثم ظهرت بقية المشهد.. مصدر بوزارة النقل قال في تصريحات صحفية إن الفيديو المتداول لم يعرض نهاية الواقعة، وإن الوزير أعاد استدعاء المهندس بعد دقائق وطلب منه استكمال الشرح،

- أغسطس 2025.. «هي تكية؟»

قبل ذلك بنحو عام، كانت مدرسة أشروبة الثانوية بمركز بني مزار في المنيا مسرحًا لواقعة مشابهة؛ خلال جولة للواء عماد كدواني، المحافظ، اكتشف أن أحد الفصول يستخدم مكتبًا واسعًا لمدير المدرسة، فاعترض على تخصيص مساحة فصل كامل بهذه الصورة، وطلب إعادته للاستخدام التعليمي، كما وجه بنقل المدير.

لكن الجملة التي سبقت بقية التفاصيل إلى مواقع التواصل كانت: «هي تكية؟»؛ بعد ساعات، بدأت القصة تتعقد؛ سرعان ما نشر الأهالي صورًا للمدير وهو يوزع المياه على الطلاب، وقدموا شهادات عن خدمته للمدرسة والأهالي، وقالوا إن وضع المكتب كان قائمًا قبل توليه الإدارة، لينتقل النقاش من مساحة الفصل إلى شخصية المدير نفسه وطريقة التعامل معه.

ثم تدخلت نقابة المعلمين، وقالت إن احترام المعلم واجب، فيما أكد المحافظ لاحقًا أن توجيهاته استهدفت الصالح العام وخدمة العملية التعليمية.

- الدقهلية 2024.. «لو مش قادر.. فيه مليون واحد»

ومن المدارس والمشروعات إلى الخدمات الحكومية؛ في يوليو 2024، وفي أيامه الأولى محافظًا للدقهلية، دخل اللواء طارق مرزوق المركز التكنولوجي بمدينة جمصة في جولة تفقدية، ورصد زحامًا وتأخرًا في إنجاز مصالح المواطنين؛ وخلال المواجهة مع مدير المركز، أبلغه بتحويله للتحقيق، وقال له إن كان غير قادر على الإدارة فهناك «مليون واحد» يتمنى القيام بالمهمة.

- قرارات أكثر صرامة.. ولم تتحول الجولة إلى أزمة

لكن المواجهة الحادة أو القرار الإداري وحدهما لا يفسران انتشار بعض الجولات؛ في فبراير الماضي، فاجأ اللواء عمرو الغريب محافظ المنوفية، المركز التكنولوجي بحي غرب شبين الكوم، ووجّه حديثًا حادًا إلى موظف بسبب تأخر إنهاء إجراء لأحد المواطنين، وطالب بإنجازه فورًا، بينما شهدت الجولة إحالة 26 موظفًا للتحقيق بسبب عدم الانضباط والتقصير. الواقعة نفسها مصورة ومنشورة، لكنها بقيت إلى حد كبير في نطاق خبر الأداء الحكومي.

وفي مارس، أجرى محافظ الجيزة أحمد الأنصاري جولة مفاجئة بمركز الصف، وانتهى المرور إلى مجازاة رئيس المركز ونوابه ورؤساء وحدات محلية بسبب مستوى النظافة والمخلفات. هنا أيضًا كان القرار الإداري واسعًا، بينما ظل مركز القصة هو حالة الشارع والجزاء الصادر بشأنها.

إذن.. الإحالة إلى التحقيق أو توقيع الجزاء ليسا وحدهما ما يصنع «التريند».

- متى تصبح الجولة نفسها هي القصة؟

تكشف المقارنة بين هذه الوقائع مجموعة من العوامل التي تبدو أكثر تأثيرًا من شدة القرار ذاته؛ أولها أن تتحول المخالفة إلى مواجهة شخصية واضحة، مشهد وزير يسأل مهندسًا مرتبكًا، أو محافظ يواجه مدير مدرسة أمام موظفيه، أكثر قابلية للتداول من قرار مكتوب بإحالة 26 موظفًا للتحقيق؛ لأن الجمهور يرى شخصين ونبرة صوت ورد فعل وتفاوتًا واضحًا في السلطة بينهما.

وثانيها وجود عبارة مكتفية بذاتها؛ «هي تكية؟»، «امشي من قدامي»، «هو ده الزي الرسمي؟»؛ جمل قصيرة تستطيع العيش منفصلة عن بقية الجولة، وتتحول بسهولة إلى عنوان وفيديو قصير ومادة للتعليق.

- حين يصبح الموظف صاحب قصة

وهنا يظهر فارق مهم بين «الموظف المقصر» و«الشخصية العامة المؤقتة» التي تصنعها الكاميرا؛ في الجولة التقليدية، يعرف الجمهور المسئول ولا يعرف الموظف، أما حين يقع الاشتباك أمام الكاميرا، يحصل الطرف الآخر فجأة على اسم وصورة وقصة؛ ويبدأ البحث عما فعله قبل الدقيقة التي ظهر فيها.

حدث ذلك مع مدير أشروبة، ويحدث حاليًا مع مديرة كفر الجزار.

وعندما يجد الجمهور أن الموظف لديه مستندات أو شهادات تؤيده أو تاريخ مهني يتعارض مع الانطباع الأول، تنتقل المناقشة تلقائيًا من «هل توجد مخالفة؟» إلى «هل كانت المحاسبة عادلة؟».


- الكاميرا لا تسجل الجولة فقط.. أحيانًا تعيد تشكيلها

الجولة الميدانية صُممت في الأصل لكي يرى المسئول بنفسه ما لا يظهر في التقارير المكتبية؛ وهي لهذا السبب واحدة من أهم أدوات الرقابة التنفيذية؛ لكن نشرها بالصوت والصورة يجعلها تؤدي وظيفتين في وقت واحد: الرقابة على المرفق، وعرض ممارسة الرقابة أمام الجمهور.

وهنا يكمن الفارق بين زيارة ينتهي خبرها عند «إحالة مسئول للتحقيق» وأخرى تستمر أيامًا بعد مغادرة المسئول للموقع.. في الأولى، تبقى المخالفة هي القصة؛ وفي الثانية، تضيف الكاميرا زاوية أخرى: مَن حاسب مَن؟ وبأي طريقة؟ وهل كانت الدقائق التي شاهدها الجمهور هي الواقعة الكاملة؟



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك