فى ذكرى زغلول والنحاس وعن أهمية الإعداد لمئوية رحيل سعد - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الأربعاء 9 سبتمبر 2026 8:19 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

فى ذكرى زغلول والنحاس وعن أهمية الإعداد لمئوية رحيل سعد

نشر فى : الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 7:15 م

مرت منذ أيام الذكرى السنوية لرحيل كل من زعيم ثورة 1919 الشعبية المصرية ومؤسس وأول زعيم لحزب الوفد المصرى سعد زغلول، وخليفته فى زعامة الحزب ورئاسة الحكومة المصرية لعدة مرات قبل ثورة 23 يوليو 1952 مصطفى النحاس، ومن المفارقات أنهما توفيا فى نفس اليوم ولكن بفارق زمنى قدره 38 عامًا، حيث رحل سعد زغلول عن عالمنا فى عام 1927، بينما رحل مصطفى النحاس فى عام 1965. ويعنى ذلك أننا نستعد فى العام القادم 2027 لإحياء الذكرى المئوية الأولى لوفاة سعد زغلول الذى لقبه غالبية الشعب المصرى ومعظم المؤرخين فى حينه بلقب «زعيم الأمة».

وسيكون من المطلوب ومن المتوقع ومن المفترض أن يقوم المجتمع المصرى، بكل أطيافه وعلى تنوع اتجاهاته وانتماءاته الأيديولوجية، بالتحضير من الآن لإحياء مئوية وفاة سعد زغلول منذ وقت مبكر، بحيث تدور الفعاليات الثقافية والفكرية والفنية لإحياء هذه الذكرى على مدار عام 2027 بأكمله، وذلك أسوة بما تم بشأن إحياء العيد المئوى لثورة 1919 الشعبية المصرية، نظرًا لأنه فى الحالتين فالأمر ليس مقصورًا، ولا يجب أن يكون، على الوفديين وحدهم، ولا حتى على الليبراليين المصريين فقط، فى عمومهم. ففى الحالتين، أى فى حالة مئوية ثورة 1919 ومئوية رحيل سعد زغلول، نحن نتحدث عن مرحلة شديدة الأهمية والمحورية فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر، ونحن أمام حقبة ثرية من حقب تطور المجتمع المصرى، ومرحلة هامة من مراحل نضال الشعب المصرى ضد الاستعمار الأجنبى ومن أجل نيل حريته واستقلاله الوطنى، السياسى والاقتصادى على حد سواء، وحلقة أساسية من حلقات الثورة الوطنية الديمقراطية فى مصر لتحقيق التحرر الوطنى والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وكاتب هذه السطور لم ينتمِ يومًا، لا فكريا ولا تنظيميًا ولا سياسيًا، لحزب الوفد المصرى، ولكننى أنتمى إلى الكثيرين من أبناء مصر الذين يدركون ويعون جيدًا الأدوار الهامة والمحورية التى لعبها ذلك الحزب منذ نشأته فى أعقاب ثورة 1919 وعلى امتداد تاريخ مصر فى الحقبة الليبرالية الممتدة ما بين صدور دستور 1923 وحتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، فى تبنى مطالب القطاعات العريضة والواسعة من الشعب المصرى وقيادة النضال الوطنى لتحقيق الأهداف والآمال والأحلام العريضة للشعب المصرى.

ولقد مرت مسيرة هذا الحزب، تحت قيادة سعد والنحاس، خلال تلك الفترة المذكورة بإنجازات وإخفاقات، ونجاحات وأخطاء وسلبيات، تم كتابة مجلدات من الكتب والدراسات عنها، ولكنه بقى يمثل أغلبية الشعب المصرى فى أى انتخابات برلمانية اتسمت بقدر عالى من النزاهة والشفافية خلال الحقبة الليبرالية المشار إليها فيما سبق. بالطبع حدثت انشقاقات عدة مرات داخل الحزب، ومنذ زمن سعد زغلول نفسه، وتم توجيه الاتهامات من جانب القيادات المنشقة، وجميعهم قامات وطنية وسياسية هامة فى تاريخ مصر فى تلك الحقبة، للزعامة الوفدية، سواء فى عهد سعد زغلول أو مصطفى النحاس.

وقد نتفق أو نختلف مع هذه السياسة أو تلك أو مع هذا الموقف أو ذاك لسعد أو للنحاس أو لحزب الوفد، وقد يتهم البعض سعد زغلول بضرب الحركة النقابية والعمالية واليسارية المصرية بعنف عندما شغل منصب أول رئيس وزراء منتخب لمصر بعد إعلان استقلالها الرسمى والجزئى بموجب التصريح البريطانى الأحادى الجانب فى 28 فبراير 1922. وقد يتهم البعض الآخر سعد أو النحاس بالصبر أكثر مما كان ينبغى على نهج التفاوض مع المحتل البريطانى لتحقيق الجلاء عن مصر، حتى أكتوبر 1950، عندما أعلن النحاس، وهو رئيس للحكومة، إلغاء معاهدة 1936 من جانب واحد، وسمحت القيادة الوفدية وغضت الطرف عن انطلاق حرب التحرير الوطنية فى منطقة قناة السويس ضد القواعد العسكرية البريطانية، وهى حرب كان من المفارقات أن من قادها كان تنظيم الضباط الأحرار، السرى فى ذلك الوقت، والذى بعد أشهر قليلة أطاح بالنظام الملكى فى مصر وأسس الجمهورية وتوصل إلى اتفاقية الجلاء مع بريطانياـ والتى توجت عقودًا طويلة من الكفاح الوطنى للشعب المصرى من أجل الحرية والاستقلال، بداية تحت قيادة الحزب الوطنى بزعامة مصطفى كامل ومحمد فريد، ومن بعده بقيادة حزب الوفد بزعامة سعد زغلول ومصطفى النحاس، ثم ثورة يوليو بزعامة محمد نجيب وجمال عبدالناصر.

إلا أنه مع كل تلك الانتقادات أو التحفظات أو غيرها نبقى جميعًا على وعى تام ويقين بأهمية ومركزية الدور الذى لعبه سعد زغلول ومصطفى النحاس وحزب الوفد المصرى تحت قيادتهما على صعيد النضال الوطنى المصرى.

وإذا تناولنا سعد زغلول على سبيل الخصوص، فإننا نرى شخصية نجحت فى آخر عقد من حياتها فى أن تحدث تحولات هامة وجذرية فى مواقفها السياسية ودورها الوطنى، وتنحاز بقوة للمطالب الوطنية للقطاعات العريضة من الشعب المصرى، وتتصف بالجسارة والشجاعة فى مواجهة عواصف عاتية فى سن متقدم نسبيًا، وتتحمل المصاعب والمخاطر من قبل سلطات الاحتلال البريطانى، بما فى ذلك النفى أكثر من مرة، فى سبيل تلبية نداء الشعب الذى تنتمى إليه. فقد قرر الشعب المصرى اختيار سعد زغلول لقيادة مسيرته الوطنية فى تلك المرحلة ووثق به أشد الثقة وأوكله فى تحقيق كل آماله وطموحاته وأحلامه، إلى درجة بلغت أحيانًا ما يمكن اعتباره تعصبًا سياسيًا، مثل تبنى شعارات على شاكلة: «الاحتلال على يد سعد ولا الاستقلال على يد عدلى (فى إشارة إلى زعيم حزب الأحرار الدستوريين عدلى يكن)»، و«لو رشح الوفد حجرًا لانتخبناه». وهى كلها شعارات تتصف بالكثير من المبالغة المرفوضة، ولكنها فى الوقت نفسه تشى بمدى الشعبية التى حصل عليها سعد زغلول فى العقد الأخير من عمره.

وعندما توفى سعد زغلول كان يشغل منصب رئيس مجلس النواب فى مصر، وخرجت أعداد غفيرة من أبناء الشعب المصرى فى جنازته، ورثاه خصومه قبل أنصاره وتلاميذه، وشهد له الجميع بما تمكن من تحقيقه من تلبية جزء من آمال الشعب المصرى فى الحرية والاستقلال، بالإضافة إلى دفعه لجهود بناء اقتصاد مصرى وطنى بدت بواكيره مشجعة فى ذلك الوقت لإزاحة السيطرة الأجنبية على الاقتصاد المصرى. فقد تأسس بنك مصر برأس مال مصرى خالص بقيادة المفكر الاقتصادى المصرى طلعت حرب فى عام 1920، وإن كانت التجربة قد تعرضت لاحقًا، وفى خلال الحرب العالمية الثانية، لهزات وانتكاسات عميقة أثرت على عافيتها وقدرتها على الاستمرار.

وكان سعد زغلول من الزعماء القليلين على مستوى العالم الذين أقيمت لهم جنازتان نفصل بينهما تسعة أعوام، وفى المرتين، شارك مئات الآلاف من أبناء الشعب المصرى فى الجنازة، فالأولى كانت عند وفاته فى عام 1927 وشهدت دفن جثمانه فى مقابر الإمام الشافعى، والثانية فى عام 1936 وشهدت نقل رفاته من الإمام الشافعى إلى ضريح سعد الذى أقيم بجوار منزله المعروف تاريخيًا باسم «بيت الأمة».

وإذا عدنا إلى ما ذكرناه فى مطلع هذا المقال بشأن أهمية التحضير المبكر والشامل والمتكامل على الصعيد المجتمعى فى مصر لإحياء الذكرى المئوية الأولى لرحيل سعد زغلول، فمن الهام على سبيل المثال لا الحصر إصدار طبعات شعبية من الأعمال والكتابات الكاملة لسعد زغلول التى قامت الهيئة المصرية العامة للكتاب بجهد كبير فى السابق لإصدارها فى تسعة أجزاء، وذلك لتكون متاحة أمام النشء والشباب من أبناء مصر بأسعار فى متناول أيديهم، والجهات الحكومية المعنية والقطاع الخاص المصرى ومؤسسات المجتمع المدنى فى مصر مدعوة للمساهمة فى هذا الجهد الجماعى الوطنى.

كذلك فيمكن النظر فى إمكانية تكرار النموذج الناجح لسلسلة الكتب والوثائق التى نشرتها دار الشروق فى الذكرى المئوية لثورة 1919، ولكن هذه المرة بالتركيز على دور ومسيرة سعد زغلول، من خلال رؤى نقدية تبرز خلفيات وظروف النجاحات وكذلك تحلل وتفسر أسباب الإخفاقات، بما يفيد أيضًا الأجيال الجديدة فى التعرف على تاريخها الحديث والمعاصر عبر منهج علمى وموضوعى ومن خلال منظور جدلى ورؤية نقدية ودراسة مقارنة مع أحداث أخرى ومراحل سابقة أو تالية فى التاريخ المصرى الحديث والمعاصر. وقد تكون كل تلك الإصدارات مصحوبة بندوات ثقافية وفكرية وفعاليات مثل المعارض الفنية على مستوى مصر بأكملها، خاصة من خلال آلية قصور الثقافة المتواجدة فى كل أرجاء الوطن، لإحياء تلك الذكرى الهامة. وربما يكون من المفيد أيضًا إنتاج عمل سينمائى أو مسلسل تاريخى واقعى عن دور سعد زغلول الوطنى، وتشجيع كتابات نقدية من الشباب عنه من مختلف الاتجاهات، بالإضافة إلى تجميع كتابات شهيرة عنه من جانب كُتاب ومؤرخين كبار مصريين وعربًا وترجمة كتابات شهيرة لكتاب ومؤرخين أجانب كبار عنه، وإتاحتها بأسعار رمزية للنشء والشباب.

رحم الله سعد زغلول ومصطفى النحاس وجزاهما بقدر عطائهما للشعب المصرى ونضاله الوطنى، مع التذكر دائمًا أن الزعماء فى أى موقع أو مكان هم بشر يصيبون ويخطئون، يجتهدون وأحيانًا يكون اجتهادهم فى الاتجاه الصحيح وفى أحيان أخرى يجانب اجتهادهم الصواب.

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات