قراءة فى تطورات إقليمية لها دلالات مستقبلية - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الأربعاء 12 أغسطس 2026 8:04 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

قراءة فى تطورات إقليمية لها دلالات مستقبلية

نشر فى : الأربعاء 12 أغسطس 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 12 أغسطس 2026 - 6:35 م

إذا ما كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتى بدأت يوم 28 فبراير 2026، قد جذبت أنظار واهتمام العالم بأسره باعتبارها الحدث الأبرز فى منطقة الشرق الأوسط والخليج منذ ذلك التاريخ، نظرًا لحجم وضخامة المواجهات العسكرية فيما بين أطرافها من جهة، واتساع الرقعة الجغرافية لتلك الحرب ومن ثم انعكاساتها الاستراتيجية والأمنية من جهة ثانية، ومدى وانتشار التأثيرات الناتجة عنها، خاصة الاقتصادية منها، على العالم بأسره من جهة ثالثة، فإن هذه الحقيقة يجب ألا تجعلنا نقلل من قيمة تطورات إقليمية، بعضها حدث قبل اندلاع الحرب الجارية ولكنه مر بتحولات أو تغييرات هامة منذ اندلاعها، والبعض الآخر خرج إلى النور بعد اندلاع هذه الحرب، ولكل تلك التطورات الإقليمية جميعها لها دلالات هامة، ليس فقط على الواقع الإقليمى والدولى، بل أيضًا على المستقبل، على المدى القصير والمتوسط والبعيد، خاصة أنه ليس من المتوقع أن تختفى هذه التطورات أو تتراجع إذا ما انتهت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، أيًا كان شكل أو طبيعة أو محددات نهاية هذه الحرب أو توقيت تلك النهاية أو ما ستتضمنه من شروط أو معطيات أو ما سيحيط بها من ظروف إقليمية أو دولية.

 


ويقع ضمن دائرة تلك التطورات تقارب حدث بين دول عربية وأخرى عربية، وكذلك بين دول عربية وأخرى غير عربية ولكنها دول جوار للأمة العربية، كما يقع ضمن حدود تلك التطورات أيضًا تبدلات حدثت فى تحالفات دول عربية، حيث تبدلت المواقع فى العديد من الأحيان، وصار حليف الأمس «منافس» اليوم، حتى لا نذهب إلى استخدام أوصاف قد تكون أكثر حدة لتحولات شهدتها تلك العلاقات، وهناك مبادرات نشأت ومشروعات تم إطلاقها، بعضها لا تقتصر دلالاته على المنطقة فحسب بل تمتد لتشمل مناطق أخرى من العالم، بل والنظام الدولى بأسره، وفى خضم تلك التحولات استمر تواجد بؤر ملتهبة فى بلدان عربية تقع فى أنحاء متفرقة من الجسد العربى، وهى نتائج متبقية من تفاعلات داخلية وإقليمية ودولية جرت فى سياق ما أطلق عليه الإعلام الغربى «الربيع العربى»، والذى بدأ فى نهايات عام 2010، ومر عبر أكثر من موجة على مدار السنوات الماضية، شملت فعليًا أكثر من نصف البلدان العربية، وهو الأمر الذى سمح منذ حوالى عقد ونصف من الزمن ليس فقط بحدوث اختراقات من دول عربية أخرى، بل من دول إقليمية غير عربية، أو من جانب قوى إقليمية من خارج الإقليم، لتلك البلدان وأمنها القومى وسلمها الأهلى واستقرارها ووحدة أراضيها وممارسة السيادة على الأرض والشعب، بل كان من تداعياته الأكثر تحديدًا أيضًا تعاظم دور القوى الإقليمية غير العربية على حساب القوى العربية على صعيد المنطقة بأسرها.
ويدخل ضمن هذه التطورات القديمة المتجددة على سبيل المثال لا الحصر اتفاقيات السلام الإبراهيمية التى جرت برعاية أمريكية خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكى الجمهورى «دونالد ترامب»، وتراوحت نتائجها وما أفرزته من معطيات جديدة على الساحة الإقليمية بين حالة كل دولة عربية وأخرى ممن شملتهم تلك الاتفاقيات، وهناك أيضًا الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والتى استمرت لأكثر من عامين، وما آلت إليه فى نهاية الأمر من إنشاء «مجلس السلام»، أيضًا باقتراح من الرئيس الأمريكى ترامب، وهو مجلس له ولاية دولية، ولكن دوره الظاهر للعيان حتى الآن والذى يتسم بالفعالية هو أنه منوط به تسوية الأوضاع الناتجة عن تلك الحرب، ويأمل البعض أن يكون ذلك كمجرد مقدمة لتسوية القضية الفلسطينية برمتها، بما يتفق مع الشرعية الدولية، وهناك أيضًا انضمام عدد من الدول العربية لتجمع «بريكس» العالمى المؤثر، وهناك كذلك انضمام المملكة العربية السعودية لمجموعة العشرين ذات التأثير الدولى، وأيضًا علينا عدم إغفال المبادرة الهندية ذات الطابع الدولى المسماة «الممر الاقتصادى بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا»، وهناك مرور مفترض لهذا الممر على إسرائيل وعلى بعض الدول العربية، خاصة دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وهناك تقارب حدث بين جمهورية مصر العربية من جهة وكل من تركيا وإيران، كل على حدة، من جهة أخرى، بعد سنوات من الابتعاد أو حتى النفور فى العلاقة بين مصر وهاتين الدولتين الإسلاميتين الهامتين وذواتا الثقل الإقليمى فى الشرق الأوسط، ثم هناك تقارب قطرى سعودى بعد سنوات من قطيعة بين الدوحة والرياض بل وبين الدوحة وعدد من الدول العربية الأخرى، ثم ما بدا من أنه تعارض فى المصالح فى اليمن، خاصة أقاليمه الجنوبية، بين الرياض وأبو ظبى، وتوسع فى الاستثمارات الخليجية فى مناطق حيوية من العالم، مثل منطقة القرن الإفريقى وشرق إفريقيا، ومنطقة آسيا الوسطى، واتساع الدور السياسى لبعض دول الخليج أيضًا فى بعض الدول العربية الأخرى، وصاحب ذلك كله وساطة صينية نجحت فى إحداث تهدئة فى العلاقات السعودية الإيرانية، وسعى الإدارة الإيرانية الجديدة بقيادة الرئيس «مسعود بازشكيان» ووزير خارجيته «عباس عراقجى» فى تهدئة الأجواء مع أكثر من طرف عربى، بدون التخلى عن حلفاء طهران الأساسيين فى المنطقة من تنظيمات وجماعات، ثم التغيير السريع والمفاجئ فى نظام الحكم السورى فى 8 ديسمبر من عام 2024 وتداعياته على موازين القوى الإقليمية وعلى التركيبة الديمغرافية للشعب السورى، وتلك كلها مجرد أمثلة على بعض تلك التطورات الإقليمية الهامة وذات الدلالات الإقليمية، وأحيانًا الدولية، التى سبقت اندلاع الحرب الجارية، وليس محاولة لحصر جميع تلك التطورات.
أما التطورات الإقليمية اللاحقة على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فكان من أبرزها تعرض البلدان العربية فى الخليج والمملكة الأردنية الهاشمية لهجمات إيرانية دافعت عنها طهران باعتبار أنها للرد على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية وأنها استهدفت أهدافًا أمريكية فى تلك البلدان، بينما ردت تلك البلدان بأنها أضرت بأهداف ومصالح وطنية لا علاقة لها بواشنطن أو بتل أبيب، وجاء الإغلاق لمضيق هرمز من جانب إيران أكثر من مرة، سواء خلال الحرب أو بعد وقف إطلاق النار الذى تم بوساطة باكستانية، ليؤدى إلى وقوع أضرار اقتصادية مرة أخرى لغالبية البلدان العربية فى الخليج، ولدول أخرى إقليمية ودولية، ثم جاءت الوساطات الإقليمية المتكررة بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب الدائرة لتفتح الباب لتنسيق مكثف ومتواصل بين عدد من الدول العربية وغير العربية فى المنطقة، خاصة باكستان وسلطنة عمان ومصر والسعودية وتركيا وقطر، ثم جاء فتح إيران لجبهة جديدة من خلال جماعية الحوثيين فى اليمن وإعادة التلويح والتهديد من جانب الأخيرة بإغلاق مضيق باب المندب وبفرض حصار بحرى على المملكة العربية السعودية، ليدفع عددًا متزايدًا من الدول للتحرك، ربما كان الأبرز منها التحرك السعودى لعقد واستضافة اجتماع دولى استهدف الاتفاق على إنشاء قيادة مشتركة لتحالف عسكرى بحرى متعدد الجنسيات وقعت عليه 14 دولة، بالإضافة إلى توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية وبمبادرة من الأخيرة، واستمرار المشاورات المتواصلة على مستوى القمة بين مصر والبلدان العربية فى الخليج، وذلك كله بالطبع، ومرة أخرى، على سبيل المثال وليس على سبيل حصر كافة التطورات الإقليمية التى جرت منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى 28 فبراير 2026.
ويتعين علينا استيعاب حقيقة أنه حتى وإن كانت بعض هذه التطورات الإقليمية قد تأثرت بفعل الحرب أو ربما حتى نشأت جزئيًا بسبب الحرب أو كنتيجة غير مباشرة وغير مقصودة لها، فإن هذه التطورات قد اكتسبت بمرور الوقت وتغير الظروف الإقليمية والدولية ديناميكية ذاتية خاصة بها وقدرة على الاستمرار والتأقلم والتكيف والتغير، وأنه حتى فى حالة افتراض انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومعها بقية الحروب الفرعية التى نتجت عنها، فإن التطورات الإقليمية التى جرت قبل أو بعد اندلاع الحرب ستبقى وستكتسب دورة حياة خاصة بها، ويجب عند النظر إلى مستقبل الأوضاع الإقليمية والنظام الإقليمى والترتيبات الإقليمية المنتظرة أو المتوقعة أو المستهدفة فى منطقتنا أن نعى كعرب أهمية وضرورة التعامل مع هذه المعطيات الإقليمية كواقع جديد ومعاش سيستمر معنا لفترة قادمة قد تطول أو تقصر، وقد يتم مراجعة وتعديل بعض الأهداف لدى بعض تلك التحركات الإقليمية وما نتج عنها وما أفرزته، ولكن بالتأكيد لن تعود منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والخليج كما كانت من قبل، وقد تكون السيناريوهات مفتوحة على الانفتاح أكثر على مناطق أخرى قريبة توجد معها مصالح مشتركة مكثفة، مثل جنوب آسيا وشرق إفريقيا وآسيا الوسطى والقوقاز، كما قد تكون مفتوحة أمام تخطيط قوى دولية أخرى لتعزيز دورها فى المنطقة فى بعض الأحيان، أو استعادة دور قديم لها فيها فى أحيان أخرى، وهنا يجب أن تكون الأمة العربية يقظة وواعية ومستعدة للتعامل مع جميع هذه السيناريوهات، على تعددها وتنوعها واختلافاتها، ولبحث فرص وإمكانيات كيفية تعظيم الاستفادة العربية منها أو من بعضها وتحجيم واحتواء، أو على الأقل تقليل، الخسائر التى قد تلحق بالأمة العربية منها أو من بعضها، فى المستقبل المنظور.

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات