السرديات التى تسجن الأمم عندما تصبح الأسطورة وطنًا - عيد محمد - بوابة الشروق
السبت 3 أكتوبر 2026 8:31 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

السرديات التى تسجن الأمم عندما تصبح الأسطورة وطنًا

نشر فى : السبت 3 أكتوبر 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : السبت 3 أكتوبر 2026 - 7:25 م

قبل سنوات، كنت أستمع إلى نقاش طويل حول إحدى الوقائع التاريخية الشهيرة. لم يكن المختلفون يتجادلون حول الوثائق، بل حول الحكاية التى تربوا عليها. وكلما ذُكر مصدر تاريخى يخالف ما يحفظونه، بدا الأمر وكأنه اعتداء على الذات، لا مراجعة لواقعة. عندها أدركت أن المشكلة ليست فى التاريخ، بل فى الطريقة التى يسكن بها التاريخ وعينا. فنحن لا ندافع دائمًا عن الماضى، بل عن الرواية التى تمنحنا شعورًا بالانتماء.
• • •
ليس أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً أن يُزوَّر تاريخها، بل أن تقع فى حب الرواية التى صنعتها عن ذلك التاريخ. فالتزوير الخارجى يمكن كشفه بالوثائق، أما التزوير الذى يتحول إلى جزء من الوعى الجمعى، فيغدو أشد رسوخًا من الحقيقة نفسها، لأن الناس لا يعودون يدافعون عنه بوصفه رواية، وإنما بوصفه جزءًا من هويتهم.
وهنا تكمن المفارقة التى كثيرًا ما يغفلها الخطاب الثقافى العربى. فنحن ننشغل، بحق، بنقد السرديات التى صاغها الآخر عنا، ونفكك الصور النمطية التى أنتجها الاستشراق عن الشرق، لكننا نادرًا ما نتوقف أمام سؤال أكثر إزعاجًا: ماذا عن السرديات التى صنعناها نحن عن أنفسنا؟ ومن يجرؤ على مساءلتها؟
فالعديد من الدراسات ما بعد الكولونيالية ترى أن التاريخ ليس مجرد سجل للأحداث، بل هو مجال للصراع على المعنى. ولم يكن مشروع إدوارد سعيد فى «الاستشراق» مجرد كشف لأخطاء معرفية ارتكبها الغرب، وإنما كشف للكيفية التى تتحول بها المعرفة إلى سلطة، وكيف يصبح السرد أداة لإنتاج واقع سياسى وثقافى كامل. غير أن الدرس الذى لم نستوعبه بما يكفى هو أن هذه الآلية لا تعمل فقط بين المستعمِر والمستعمَر؛ إنها تعمل أيضًا داخل المجتمعات نفسها، حين تنتج الجماعة سردياتها الخاصة، ثم تحيطها بهالة من القداسة تجعل الاقتراب منها أقرب إلى الاقتراب من المحرمات.
ولكى لا يبقى الكلام معلقًا فى فضاء التنظير، يكفى أن نتأمل الطريقة التى استقرت بها بعض الوقائع الكبرى فى الذاكرة الشعبية. فهناك أحداث تاريخية حقيقية ومهمة، لكنها لا تعيش فى وعينا كما وقعت، بل كما احتاجت الجماعة أن تتخيلها. تصبح المعركة خلاصًا مطلقًا، والشخصية التاريخية بطلًا بلا تناقض، والعصر القديم فردوسًا مفقودًا، ثم تتحول هذه الصور مع الوقت إلى حقائق وجدانية لا تقبل المراجعة.
• • •
خذ مثلًا صورة مصر القديمة فى المخيال العام. كثيرًا ما تُستدعى بوصفها زمنًا ذهبيًا كاملًا، وكتلة واحدة متجانسة من العظمة والنظام والحكمة، وكأن التاريخ المصرى القديم كان صفحة ممتدة من الانسجام الحضارى الخالص. غير أن النصوص والآثار نفسها تقول شيئًا أكثر ثراءً وتعقيدًا: صراعات على العرش، فترات ضعف وانتقال، اضطرابات اجتماعية، أزمات اقتصادية، حروب، وانقطاعات فى السلطة. هذا لا ينتقص من عظمة الحضارة المصرية القديمة، بل يجعلها أكثر إنسانية وواقعية. فالحضارات الكبرى لا تكون عظيمة لأنها بلا تناقضات، بل لأنها استطاعت أن تنتج المعنى والإنجاز رغم تناقضاتها.
لكن الذاكرة الجمعية لا تحب التعقيد. إنها تميل إلى الصورة الأوضح، والحكاية الأكثر دفئًا، والرمز الأكثر قدرة على إنتاج الاعتزاز. ولهذا تختزل التاريخ أحيانًا فى مشهد واحد، وتختصر البشر فى تماثيل، وتحول الماضى إلى مرآة لا نرى فيها إلا ما نحب أن نراه.
ومن هنا، فإن المشكلة ليست فى وجود الأساطير. فكل الحضارات الكبرى نسجت لنفسها أساطيرها المؤسسة، من اليونان القديمة إلى اليابان، ومن أوروبا الوسيطة إلى الحضارات الإسلامية. الأسطورة ليست نقيضًا للحضارة، بل هى جزء من التكوين الرمزى لأى مجتمع. لكنها تصبح عبئًا عندما تتجاوز وظيفتها الثقافية لتحتل مكان التاريخ، وحين تتحول من لغة رمزية لفهم العالم إلى وثيقة يُطلب منا تصديقها دون سؤال.
ولعل المؤرخ الفرنسى مارك بلوخ كان من أوائل من أدركوا هذه الإشكالية حين أكد أن أولى فضائل المؤرخ هى الشك المنهجى، لا الشك العدمى. فالوثيقة لا تُقرأ بوصفها حقيقة مكتملة، بل بوصفها أثرًا يحتاج إلى النقد والمقارنة والتحليل. والتاريخ ليس ما وصل إلينا، بل ما نستطيع إثباته بعد تمحيص ما وصل إلينا.
• • •
غير أن المجتمعات لا تعيش غالبًا داخل الوثائق، بل داخل الحكايات. فالإنسان لا يتذكر الماضى كما وقع، وإنما كما يحتاج أن يتذكره. ولهذا فإن الذاكرة الجمعية تختلف جذريًا عن التاريخ. الذاكرة انتقائية بطبيعتها؛ تحفظ ما يعزز الهوية، وتتجاهل ما يربكها، وتعيد ترتيب الأحداث بحيث تمنح الجماعة شعورًا بالتماسك والاستمرار. أما التاريخ، فلا يملك هذا الترف؛ لأنه ملزم بالدليل قبل الرغبة، وبالوثيقة قبل العاطفة.
وهنا تظهر خطورة الخلط بين الذاكرة والتاريخ. فما إن تتحول الذاكرة إلى مرجع معرفى نهائى، حتى يصبح نقدها اعتداءً على الهوية نفسها. وتتحول الأسئلة العلمية إلى اتهامات أخلاقية، ويصبح الباحث متهمًا لأنه سأل، لا لأنه أخطأ.
لقد بيّن المؤرخ البريطانى إريك هوبسباوم فى كتابه الشهير اختراع التقاليد أن كثيرًا مما تتعامل معه الأمم بوصفه تقاليد ضاربة فى القدم، ليس فى الحقيقة سوى بناء حديث نسبيًا، أُنتج فى ظروف سياسية وثقافية محددة، ثم قُدِّم للأجيال اللاحقة باعتباره ميراثًا خالدًا. ولم يكن هدف هوبسباوم السخرية من التقاليد، بل كشف آليات إنتاجها، لأن فهم الطريقة التى تُصنع بها الرموز هو الخطوة الأولى لفهم السلطة التى تمارسها.
وليس معنى ذلك أن كل رواية تاريخية مختلقة، أو أن الماضى وهم كامل، كما يروج بعض أنصار النسبية الثقافية. فثمة فرق جوهرى بين الاعتراف بأن التاريخ يُكتب من خلال السرد، وبين الادعاء بأن كل السرديات متساوية فى القيمة. هنا تكمن أهمية التمييز بين الوقائع وتأويلها. فقد تختلف القراءات، لكن الحدث نفسه لا يصبح صحيحًا لمجرد أن جماعة أكبر صدقته، ولا يصبح زائفًا لأن جماعة أخرى رفضته.
وربما لهذا السبب كانت أخطر لحظات التاريخ هى تلك التى اختلط فيها الانتماء باليقين. فكلما ازداد المجتمع اقتناعًا بأن هويته تقوم على قصة واحدة لا يجوز الاقتراب منها، تراجع فيه العقل النقدى، وازدادت قدرته على إنتاج أوهام جديدة يورثها للأجيال باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش.
• • •
الأمم لا تنهض لأنها تحفظ ماضيها كما تحب أن تراه، بل لأنها تملك شجاعة النظر إليه كما كان: جميلًا وقاسيًا، عظيمًا ومتناقضًا، ملهمًا ومزعجًا فى آن واحد. فالماضى الذى لا نسمح بمساءلته لا يحررنا، بل يسكننا، ويعيد إنتاج نفسه فى وعينا حتى نظن أننا ندافع عن التاريخ، بينما نحن فى الحقيقة ندافع عن الحكاية التى صنعناها كى نحتمل التاريخ.
وليست الأمم التى بلا أساطير هى التى تتقدم، فكل الحضارات صنعت رموزها وحكاياتها المؤسسة. وإنما تتقدم الأمم التى تعرف أين تنتهى الأسطورة، وأين يبدأ التاريخ؛ أين ينتهى الانتماء، وأين يبدأ العقل؛ وأين تصبح محبة الماضى سببًا لفهمه، لا ذريعة لتقديسه.


أستاذ مشارك (ودكتور حاصل على درجة الدكتوراه فى الدراسات الأمريكية من جامعة جورج واشنطن)

عيد محمد أستاذ مشارك (ودكتور حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الأمريكية من جامعة جورج واشنطن)
التعليقات