قبل نحو تسعين عامًا، كان طه حسين يكتب «مستقبل الثقافة فى مصر» فى لحظةٍ بدا فيها أن البلاد تقف أمام بدايةٍ جديدة. حصلت مصر على قدرٍ من استقلالها السياسى، لكن عميد الأدب العربى كان يدرك أن الاستقلال فى ذاته لا يصنع نهضة. فالحقوق تخلق مسئوليات، وتحرير الأرض لا يكفى ما لم يصاحبه تحريرٌ للعقل، وبناءٌ للتعليم والمؤسسات، وإعادة نظرٍ فى الطريقة التى يعيش بها الناس وينظّمون بها مجتمعهم.
ربما نحتاج اليوم إلى استعادة هذا السؤال، لا لنكرر إجابات طه حسين، بل لنطرح سؤال عصرنا: ما الثقافة التى تحتاجها مصر لكى ينجح الإصلاح؟
فالبلاد تغيّرت كثيرًا. طرقٌ جديدة، ومدنٌ جديدة، وشبكات مواصلات، ورقمنةٌ للخدمات، ومشروعاتٌ هائلة تمتد من الساحل إلى الصعيد. لكن الإصلاح الحقيقى لا يُقاس بما نبنيه من خرسانة فحسب، بل أيضًا بما نبنيه فى الإنسان، وفى علاقته بالمكان وبالآخرين.
يمكن أن ننشئ أجمل طريقٍ فى العالم، لكن ما فائدته إذا اعتبر كل سائقٍ أن الحارة المرورية مجرد اقتراح، وأن من حقه الانتقال بينها كيفما شاء؟ ويمكن أن ننفق الملايين فى تجميل شارع، ثم يحتل مقهى الرصيفَ كله بكراسيه، ويمدّ متجرٌ بضاعته حتى حافة الطريق، فيجد المواطن نفسه مضطرًا إلى السير بين السيارات لأن المكان الذى صُمّم له قد اختفى. هذه التفاصيل الصغيرة ليست صغيرة.
الرصيف، على سبيل المثال، ليس مجرد أمتارٍ من البلاط؛ إنه تعبيرٌ عن فلسفة المجتمع. وجوده يعنى أن هناك إنسانًا له حقٌّ فى المجال العام، وأن الطفل والمسنّ والمرأة وذوى الإعاقة ليسوا مضطرين إلى منافسة السيارات كى يعبروا شارعًا. وحين يُستباح الرصيف يوميًا بلا اكتراث، فنحن لا نفقد مساحةً للمشى فقط، بل نفقد شيئًا من فكرة النظام والحق العام.
والأمر نفسه نراه فى القيادة، والطوابير، وإلقاء المخلفات، والضوضاء، والاستيلاء على الأماكن العامة، وتحويل القانون أحيانًا إلى مسألة تفاوضٍ شخصية. مظاهر تبدو منفصلة، لكنها تنتمى فى جوهرها إلى سؤالٍ واحد: هل المجال العام مِلكٌ للجميع، أم غنيمةٌ لمن يستطيع الاستيلاء على أكبر جزءٍ منه؟ وهنا تصبح الثقافة قضية تنمية، لا ترفًا فكريًا.
لكن ينبغى الحذر من تفسيرٍ آخر شديد الخطورة، هو ما يمكن تسميته بـ«الاستشراق الذاتى»؛ أى أن نتبنّى نحن أنفسنا الصورة النمطية التى صاغها الآخر عنّا، فيصبح المقهور مُبشِّرًا بالصورة التى رُسمت له. عندها نردد بلا تفكير: «إحنا شعب كده»، و«المصرى ما يمشيش غير بالعصا»، و«النظام لا يصلح عندنا»، وكأن الفوضى كامنةٌ فى جينات المصريين. هذه ليست واقعية، بل استسلام.
والأخطر أنها تعفى الجميع من المسئولية. فإذا كانت المشكلة «طبيعة شعب»، فلماذا نصلح التعليم؟ ولماذا نعيد تصميم المدن؟ ولماذا نطبّق القانون؟ ولماذا نحاسب المؤسسة أو المواطن؟ إن المصريين الذين يحترمون قواعد المرور والنظام العام حين يعيشون فى مجتمعاتٍ تطبّق القانون بوضوح ليسوا شعبًا آخر. فالإنسان يتأثر بالبيئة المحيطة به، وسلوكه بدوره يُعيد تشكيل هذه البيئة.
لذلك فإن تحميل المواطن وحده مسئولية الفوضى ظلم، مثلما أن تحميل الحكومة وحدها كل المسئولية تبسيطٌ مخلّ. فإذا كان الرصيف غير موجودٍ أصلًا، أو ينتهى فجأةً عند عمودٍ أو حفرةٍ أو سيارةٍ مركونة، فلا يجوز أن نحاضر المواطن طويلًا عن ثقافة المشى. وإذا كان القانون يُطبَّق على محلٍّ ويُترك آخر يحتل نصف الشارع، فإن الرسالة التى تصل إلى المجتمع ليست احترام القانون، بل البحث عن طريقةٍ للإفلات منه.
ولهذا فثقافة الإصلاح ليست حملاتٍ دعائية تقول للمواطن «كن منظمًا»، بل منظومةٌ كاملة: تعليمٌ يُعلّم الطفل منذ سنواته الأولى معنى المجال العام، وقانونٌ واضح يُطبَّق على الجميع، وإدارةٌ محلية تحمى الرصيف قبل أن تطلب من المواطن استخدامه، وتصميمٌ عمرانى يرى الإنسان قبل السيارة، وإعلامٌ يكفّ عن تطبيع الفوضى وتحويلها أحيانًا إلى ملمحٍ طريف من «الشخصية المصرية».
وكان من أهم ما فى مشروع طه حسين أنه لم يكن يتحدث عن استيراد ثقافةٍ أجنبية جاهزة، كما فهمه بعض خصومه، بل عن إنشاء المؤسسات التى تجعل المجتمع قادرًا على إنتاج ثقافته ومعرفته وتقدمه بنفسه. وكان يرى أن لمصر ثقافةً مركّبة تستمد قوتها من ميراثها المصرى القديم، والعربى الإسلامى، ومن تفاعلها مع الحضارة الحديثة. وهذا ربما هو الدرس الذى نحتاجه اليوم.
لسنا بحاجةٍ إلى أن نصبح نسخةً من باريس أو لندن أو دبى. ولسنا بحاجةٍ، فى المقابل، إلى تحويل الفوضى إلى خصوصيةٍ ثقافية ندافع عنها باسم الأصالة. فالنظافة ليست غربية، واحترام الطابور ليس استيرادًا ثقافيًا، والالتزام بالحارة المرورية لا يهدد الهوية المصرية، واحترام الرصيف ليس مؤامرةً على تراثنا. هذه ببساطةٍ شروطٌ للحياة المشتركة.
لقد استثمرت مصر كثيرًا فى تغيير شكل المكان. والتحدى الأصعب الآن هو أن يتزامن ذلك مع تغيير علاقتنا بالمكان: من منطق «أنا ومن بعدى الآخرون» إلى إدراك أن المدينة مِلكٌ مشترك، وأن الحرية ليست أن أفعل ما أشاء، بل أن أمارس حقى دون أن ألتهم حق غيرى.
الإصلاح الاقتصادى مهم، والبنية التحتية ضرورية، والتعليم أساس، لكن كل ذلك يحتاج إلى حاضنةٍ ثقافية تحوّله من مشروعاتٍ إلى طريقة حياة. وربما يبدأ مستقبل الثقافة فى مصر اليوم من مكانٍ أبسط بكثيرٍ مما تخيّل كثيرون: أن يجد المواطن رصيفًا يمشى عليه، وأن نؤمن جميعًا بأن من حقه أن يظل هذا الرصيف له.
أستاذ مشارك (حاصل على درجة الدكتوراه فى الدراسات الأمريكية من جامعة جورج واشنطن)