تتقدم المجتمعات حين يعترف الناس بأخطائهم، ويتجهون إلى تصحيحها، وهو ما يسمى ثقافة الذنب، وتتأخر المجتمعات حين يدارى الناس فيها على أخطائهم، يهيلون التراب عليها، أو يسعون لتبريرها متى افتضح أمرهم، وهو ما يطلق عليه ثقافة العار.
أى الثقافتين أفيد للمجتمعات: ثقافة الذنب أم ثقافة العار؟
عند حدوث واقعة التمييز ضد الطفل مكارى فى ناديه الرياضى، تصدى لها سريعًا وزير الشباب والرياضة، وشكل لجنة تحقيق انتهت إلى إثبات الواقعة، واتخذ بناء على ذلك إجراءات تصحيحية، مما كان له صدى إيجابى.
وفى واقعة المشادة بين ضابط الشرطة والطبيب بسوهاج، بادرت وزارة الداخلية بإصدار بيان حول ملابسات الواقعة، وأعلنت مساءلتها للضابط إداريا لتجاوزه فى التعامل مع الطبيب، رغم تحمله للضغوط فى ذلك اليوم.
وفى واقعة مكتب التأمينات الاجتماعية، والتى صور فيه أحد المواطنين الواقعة، وأطلقها على الفضاء الرقمى، اتخذت أولا هيئة التأمينات قرارا بوقف التصوير فى منشأتها إلا بإذن مسبق، رغم أنها منشأة مدنية، يعمل فيها موظفو خدمة مدنية، مما يعكس رغبة فى إغلاق نوافذ الكشف عن تجاوزات جديدة قد تحدث فى حق المواطنين، رغم أن الهيئة اتخذت إجراء تأديبيًا بحق الموظفة المخطئة، تمثل فى نقلها، ووقف تعاملها مع الجمهور بناء على الفيديو الذى صوره المواطن.
ومنذ يومين أُثير حديث عن الطالبة جومانة التى تشكو من إساءة التعامل معها فى حفل التخرج بالجامعة التى تنتمى لها، وصار الأمر موضع تحقيق فى انتظار ما سوف يسفر عنه، رغم أن البعض على وسائل التواصل الإلكترونى يقف بجانب الطالبة فى موقفها، والبعض الآخر اتجه للحشد دفاعًا عن عميد الكلية المشكو فى حقه، وكلا الفريقين لم يكونوا شهود عيان الواقعة، وليسوا طرفًا فيها بل اعتمدوا فى مواقفهم على الروايات المتداولة. وقد أعلنت الجامعة، فى بيان لها، أنها ستعاقب المتجاوز أيًا كان.
كل ذلك يدفعنا إلى السؤال هل اكتشاف الأخطاء ثم تصحيحها ينال من هيبة ممارسة الوظيفة العامة، أم يساعد على الإبقاء على لياقتها، ونزاهتها؟
أولا: اكتشاف الأخطاء أو أوجه القصور ليس الغرض الأساسى منه إنزال العقاب على المخطئ، بل تصويب الأداء بنظرة أشمل. فمثلًا قد يقود البحث والتحليل لأسباب تكرار حدوث مشاحنات بين الموظف والجمهور، كظاهرة عامة متكررة، إلى تكثيف تقديم الخدمات عبر الوسائط الرقمية مما يقضى على الكثير من أمراض البيروقراطية المعروفة مثل الروتين والتلكؤ فى تقديم الخدمة والتعالى على المواطن من ناحية، ويخفف الضغط على المكاتب الحكومية من جهة أخرى، ولا نغفل أنه فى بعض الأحيان يسىء المواطن التعامل مع الموظف أو يبادر بالإساءة.
ثانيًا: ممارسة الوظيفة العامة تقتضى الشفافية، لأنها شأن عام، وليست شأنًا خاصًا، حيث يقود التعتيم إلى التستر على التجاوزات، والفساد، ما يخل بقواعد العدالة، والإدارة الرشيدة.
ثالثًا: التطهر ليس فقط فعلًا دينيًا، ولكنه عمل ثقافى، فلا يصح أن نتحدث عن المثل والقيم والأخلاق فى المجتمع دون أن نمارسها أو نتغاضى عمن يسىء إليها.
واقع الحال لن يتقدم المجتمع إذا ظل الناس فيه لا يعترفون بأخطائهم أو يختلقون المبررات لحدوثها. وللأسف تساعد السوشيال ميديا على تلك الممارسة البغيضة من خلال السماح للعوام، فى أفكارهم ومشاعرهم، بالدفاع عن تحيزاتهم، وترويج أفكارهم المغلقة علنًا. الأمثلة على ذلك كثيرة.
فى حادث اعتداء شابين على والدتهما فى حى السيدة زينب، والذى أسفر عن القبض عليهما، واتخاذ الإجراءات القانونية حيالهما، لاحظت أن بعض الأصوات النشاز -ليست أغلبية بالطبع- على السوشيال ميديا أدانت الأم بهدف تبرير السلوك الممجوج لأبنائها بدعوى أنها لم تحسن تربيتهما أو اكتشف الابنان أمرًا سلبيًا بالنسبة لها، يعنى ذلك تبرير سلوك الجانى والطعن فى الضحية، وهو توجه سلبى يمارسه بعض الحمقى، والمتزمتين والمتطرفين، ويطول دائمًا الفئات الأضعف عندما تكون فى موقع الضحية مثل المرأة. وقد رأينا نفس المنطق المعوج فى حوادث أخرى مثل مقتل نيرة أشرف أو حادث التحرش بفتيات، أو حتى محاولة اختطاف الفتاة التى حدثت مؤخرًا، وألقى القبض على الجناة، لم تسلم الفتيات فى كل هذه الحوادث من الغمز واللمز، والطعن فى سلوكهن على وسائل التواصل الاجتماعى.
الخلاصة أن الاعتراف بالأخطاء، وتصحيحها سمة المجتمعات، مؤسسات وأفراد، التى تثق فى قدراتها، وترتقى بأحوالها، وتبحث عن تقدمها، ولا تتسامح مع النقائص، وكلما فعلنا ذلك كنا أقرب إلى العدالة، والقانون، والأخلاق العامة، بل والتدين السليم.