حين يصبح صابر سؤالًا - سمر عادل - بوابة الشروق
الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 10:23 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

حين يصبح صابر سؤالًا

نشر فى : الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 - 8:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 - 8:55 م

 

بمناسبة مرور عشرين عامًا على رحيل نجيب محفوظ، أود أن أتحدث عن صابر فى رواية الطريق، وهى أول عمل أقرأه له. فشخصية صابر تظل لم تكن مجرد شخصية روائية بل سؤالا يطرح لفتح آفاق مختلفة ربما تختلف باختلاف من يقرأ، فحين قرأت الطريق، لم أستطع أن أضع صابر فى خانة واضحة كان إنسانًا مرتبكًا ناقصًا مندفعًا، يبحث عن شىء لا يعرف كيف يسميه. وربما كان هذا أكثر ما جعل الشخصية تترك أثرًا فى نفسى. فالإنسان الحقيقى نادرًا ما يكون أبيض أو أسود، وإنما يقف دائمًا فى تلك المنطقة الرمادية التى تتصارع فيها الرغبة والخوف والضعف والاختيار.

• • •

نشأ صابر فى بيئة مضطربة حيث عاش سنوات طويلة فى كنف أمه، التى فرضت عليه نمطًا من الحياة يقوم على السرية والانغلاق والخوف، ثم تأتى وفاتها لتضعه فجأة أمام فراغ هائل ومع موتها يكتشف أنه لا يملك إجابات واضحة عن حياته، ولا يعرف على وجه اليقين من يكون أو ماذا يريد. ومن هنا تبدأ علاقته بفكرة الأب فالأب بالنسبة إليه ليس مجرد شخص غائب، وإنما يتحول إلى رمز للسلطة والأمان والهوية ولذلك يصبح البحث عنه محاولة لاستعادة شىء يعتقد صابر أنه فقده منذ البداية. ولذا شخصية صابر تضعنا أمام طريق ملىء بالأسئلة التى ربما لا نستطيع فيه أن نصل لإجابات قطعية. 

كم منا قضى جزءًا من حياته يبحث عن إجابات فى الخارج، بينما كانت الأسئلة الحقيقية تسكن فى الداخل؟ كم مرة اعتقدنا أن العثور على شخص بعينه، أو الوصول إلى مكان معين، أو امتلاك فرصة ما، سيضع نهاية لحيرتنا؟ ثم اكتشفنا أن الإنسان يستطيع أن يصل إلى ما ظنه خلاصًا، ليكتشف أنه وضع أمام سؤال أكثر صعوبة؟ ولذا صابر يجعلنا نفكر فى هذه المسافة بين ما نبحث عنه وما نحتاج إليه فعلًا. 

• • •

كما أن صابر شخصية ممزقة بين الرغبة والضمير فهو ليس شريرًا بالمعنى التقليدى، لكنه ليس برىء تماما. فهو إنسان تدفعه حاجاته ورغباته وخوفه من المستقبل إلى اتخاذ اختيارات خاطئة، ثم يجد نفسه تدريجيا داخل دائرة يصعب الخروج منها وهذه المنطقة الرمادية فى الشخصية هى ما يجعلها إنسانية ومعقدة فمحفوظ لا يقدم صابر بوصفه مجرم منذ البداية، وإنما يرصد كيف يمكن للضياع النفسى وغياب الهدف أن يدفع الإنسان إلى الانحراف.

واللافت أن صابر رغم بحثه المستمر عن أبيه لا يبدو أنه يبحث عن الأب الحقيقى بقدر ما يبحث عن الصورة المثالية للأب، إنه يتخيل أن العثور على الأب سيمنحه الإجابة عن أسئلته كلها، وكأن وجود الأب قادر وحده على إعادة ترتيب حياته وأفكاره ويكسبه الاتزان النفسى وهنا تتحول شخصية الأب إلى غاية وهمية، بينما يظل صابر عاجزًا عن مواجهة السؤال الأهم ماذا سيفعل هو بحياته إذا لم يجد الأب؟ ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى صابر باعتباره شخصية وجودية يعيش أزمة معنى أكثر مما يعيش أزمة مكان. 

• • •

وهنا يظهر نجيب محفوظ بفلسفته ووضع القارىء أمام طريق ملىء بالتساؤلات فهو لم يكن يكتب شخصيات ليقدم لنا معها إجابات جاهزة كان يضع الإنسان أمام مرآته ثم يتركه ليتأمل. فالطريق فى الرواية ليس مجرد مكان تتحرك فيه الأحداث، وإنما هو حالة إنسانية كل واحد منا يسير فى طريق، ويتخذ قرارات تبدو أحيانًا بلا أهمية، ثم يكتشف بعد سنوات أن هذه القرارات صنعت اتجاه حياته وقد نصل إلى لحظة نتوقف فيها ونسأل هل أنا الذى اخترت هذا الطريق فعلًا، أم أننى تركت الظروف والرغبات والآخرين يختارونه عنى؟

 

سمر عادل كاتبة وباحثة في الاقتصاد السياسي والدولي
التعليقات