أرتبك كثيرًا فى كتابة هذا المقال. يرتبك قلمى، ويرتعش قلبى، وتعجز كلماتى، قد أكون طليقة اللسان عند الحديث عن كثيرين أحبهم، لكن الأمر يختلف تمامًا حين يكون الحديث عن إنسان أشاركه تفاصيل الحياة، وأشهد عن قرب مواقفه قبل كلماته. ولعل سر هذا الارتباك أنه ليس مجرد زوج أكتب عنه، بل هو الإنسان الذى يحتل المكانة الأهم فى حياتى، وصاحب الأثر الأعمق فى رحلتى، لذلك أخشى أن تخوننى الكلمات، وأن تقف عاجزة عن التعبير. وكل ما أرجوه أن أستطيع، عبر هذه السطور، أن أوفى زوجى النبيل الدكتور محمد بدوى، ولو بعضًا من حقه. فالكتابة عن الأقربين ليست سهلة كما يظن البعض، فالقرب لا يمنحنا فرصة المعرفة فقط، بل يحملنا أيضًا مسئولية الإنصاف. يعرفه كثيرون فى مصر، ويمتد حضوره الفكرى إلى أنحاء الوطن العربى، ناقدًا ومفكرًا وصاحب مشروع ثقافى ترك أثره فى الفكر والثقافة العربية، ولذلك، فإننى لا أكتب اليوم عن زوجى باعتباره شريك الحياة فحسب، وإنما أكتب عن إنسان رأيت فيه نموذجًا للمثقف الحقيقى؛ المثقف الذى لا يكتفى بإنتاج الفكر، بل يجسده فى سلوكه اليومى ومواقفه الإنسانية. ولذلك، لم يكن مشروعه الفكرى مجرد كتب أو مقالات أو دراسات نقدية، وإنما كان مشروعًا يقوم على الإيمان بقيمة الثقافة، وصناعة الوعى، والدفاع عن الجمال فى مواجهة القبح وكل ما يهدد الذوق والعقل.
على امتداد مسيرته الفكرية، ظل محمد بدوى منحازًا إلى الفكر الرصين، مترفعًا عن الضجيج، مؤمنًا بأن النقد الحقيقى ليس شرحًا للنصوص أو تفكيكًا لها بل يقدم قراءة إبداعية موازية للنص، تفتح آفاقًا جديدة للتأمل، وتثير الأسئلة، وتمنح القارئ قدرة أعمق على رؤية النص والعالم برؤية أكثر اتساعًا ووعيًا وجمالًا. ومن بين مؤلفاته الكثيرة، يظل كتاب «لعب الكتابة.. لعب السياسة» - الصادر فى طبعة جديدة - من الكتب التى أعود إليها كلما أردت أن أفهم كيف يمكن للنقد أن يتجاوز حدود النص ليقرأ العالم من خلاله. لم يتعامل محمد بدوى مع الأدب باعتباره حكايات تُروى، بل باعتباره نهج نكتشف من خلاله حركة المجتمع، وتحولات الفكر، وصراع الإنسان مع الواقع وموازين القوة. فى هذا الكتاب، يجعل القارىء قادرًا على مساءلة المسلمات، وكشف ما تخفيه النصوص من دلالات، دون أن يتحول إلى خطاب مباشر. ولذلك، أرى أن هذا الكتاب يمثل واحدًا من أهم تجليات مشروعه النقدى الثرى، لأنه يثبت أن الإبداع والحياة لا ينفصلان، وأن الأدب العظيم يظل شاهدًا على عصره.
أما كتاب «مملكة الله: نجيب محفوظ فى أولاد حارتنا» ، فهو بالنسبة لى ليس مجرد كتاب فكرى ونقدى عن إحدى أهم روايات نجيب محفوظ، بل رحلة فكرية عايشتها؛ وعايشت قلق الكاتب وجهده وعدم تعجله لأن هاجسه لم يكن إصدار كتاب جديد، بل إنجاز كتاب يرضى عنه وما أدراكم صعوبة أن يرضى، وفى هذه الرحلة الممتدة لسنوات فتح بدوى بابًا جديدًا للتأمل، وقراءة تستند إلى المعرفة العميقة، فهو لم يكن يكتفى بمراجعة ما يكتب، بل كان يعيد كتابة فصول كاملة مرة بعد أخرى، حتى يشعر بأنه بلغ الصيغة التى تليق بالفكرة التى امتلأ بها وآن الآوان لسردها. ولذلك، حين أمسك هذا الكتاب، أعى تمامًا مقدار ما بُذل فيه لتقديم فهم أعمق للعلاقة بين السرد الروائى والسرد المقدس، وهى فكرة ظل يعود إليها مرة بعد أخرى، يقرأ ويقارن ويعيد النظر، حتى استقرت فى صورتها التى خرج بها الكتاب. وربما لهذا لم أشعر يومًا بأننى أمام كتاب نقدى عادى، بل أمام مشروع فكرى استغرق سنوات من البحث والتأمل قبل أن يذهب لقرائه.
أما على المستوى الإنسانى، فكان بدوى دائمًا السند الحقيقى. لم يكن داعمًا بالكلمات وحدها، بل بالمواقف. كان يؤمن بقدرتى حتى فى اللحظات التى كنت أشك فيها بنفسى، ويشجعنى على أن أكتب، وأتعلم، وأبحث، وأخوض تجارب جديدة دون خوف. لم يحاول يومًا أن يصنع منى نسخة تشبهه، بل كان حريصًا على أن أكون نفسى، وأن أجد صوتى وطريقى. وربما يكون هذا هو المعنى الأجمل للحب؛ أن يمنحك الطرف الآخر مساحة لتنمو، لا أن يفرض عليك ظله. وقد يظن البعض أن الحديث عن الزوج يحمل قدرًا من الانحياز، وربما يكون ذلك صحيحًا إلى حد ما، لكننى أؤمن أيضًا أن الإنصاف يقتضى الاعتراف بالفضل لأصحابه. وسيظل محمد بدوى، فى نظرى، مثالًا للرجل الذى جمع بين العلم والأدب، وبين الفكر والإنسانية، وبين المكانة والتواضع وإذا كان لكل إنسان أثر يتركه فى الحياة، فهو الأثر الأكبر فى حياتى.
كاتبة وباحثة فى الاقتصاد السياسى والدولى