السابع من أكتوبر 2023م فشل استخبارى وعسكرى إسرائيلى بامتياز، كما تشير التحقيقات الداخلية، التى أجراها الجيش الإسرائيلى، التى استقال، على إثرها، كثيرٌ من القادة العسكريين، على رأسهم اللواء، أهارون هاليفا، رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية فى أبريل 2024م، الذى أعلن تحمله مسئولية الفشل عن السابع من أكتوبر، ورئيس الأركان، هرتسى هليفى، فى يناير 2025م، الذى أشار صراحة إلى مسئوليته، كقائد للجيش، عن الفشل، واللواء يارون فنكلمان، قائد القيادة الجنوبية فى يناير 2025م، واللواء آفى روزنفيلد، قائد فرقة غزة، التى انهارت أمام مقاومى «حماس» فى بضع ساعات، وأعلن تحمله المسئولية عن الفشل.
• • •
لكن ثمة أسبابًا أخرى تسبق الفشل فى الميدان العسكرى وتدقق فى الأسباب الحقيقية التى مكَّنت «حماس» من مفاجأة الهيئات الاستخبارية الإسرائيلية ومن شن هجومها المباغت، واقتحام المستوطنات المتاخمة لشمال القطاع، والقضاء على فرقة غزة. بعض هذه الأسباب يتعلق بالنظرة المستخفة من جانب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، للإشارات التحذيرية المبكرة، التى أتت من القطاع، وتمثلت فى مظاهرات على الجدار الحدودى، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية الصعبة فى القطاع، بسبب الحصار الخانق الذى فرضته إسرائيل عليه منذ اعتلاء «حماس» الحكم فى 2007م.
فى كتابه: «خمس دقات على الباب»، يقول الصحفى الإسرائيلى، الخبير فى الشئون العربية، جاكى حوجى: إنه ألقى محاضرة أمام قادة كبار بالقيادة الجنوبية قبل خمس سنوات من السابع من أكتوبر، إبان المظاهرات الأولى للغزاويين بالقرب من الجدار الحدودى، أشار فيها إلى أن حركة «حماس» تتعرض لضغوط شعبية لإنقاذ سكان القطاع من الحصار: «قلت للقادة إن من شأن هذه الضغوط، إذا استمرت وراكمت قوة، أن تدهور الأمن على امتداد الجدار الحدودى، ومن ثم فإنها تنذر بخطر فى المستقبل على المستوطنات المتاخمة للحدود».
لكن، الجيش الإسرائيلى لم يرَ فى مظاهرات سكان القطاع، بحسب، نوعم شيزاف، سوى «مجرد إزعاج، وتمثيلية أخرى من بنات أفكار الكفاح الفلسطينى، تستهدف استثارة تعاطف العالم وتعزيز صورة «حماس» كمن تقود المقاومة ضد إسرائيل».
يشير حوجى فى الكتاب المذكور إلى أن أحد أفراد الاستخبارات رد على تحذيره باستخفاف، قائلًا: «أى خطر ترى فى ثلاثة آلاف عنصر مشاغب»؟. لا تقتصر نظرة الاستخفاف بهذه الإشارات التحذيرية المبكرة، على القادة الصغار، وإنما تشمل رئيس أركان الجيش الإسرائيلى، نفسه، فى حينه، الجنرال، هرتسى هليفى.
إذ يحكى، عاموس هرئيل، كبير المعلقين العسكريين، بجريدة «هاآرتس»، فى كتابه: «6:29»، عن أن الشغل الشاغل لكبار قادة الجيش الإسرائيلى، طوال الوقت، هو استخلاص الدروس والعبر من حرب السادس من أكتوبر 1973م (حرب يوم الغفران)، وعن اعتياد رئيس الأركان السابق، هرتسى هليفى، على الاطلاع بنفسه على المواد الاستخبارية الخام، وعن حثه مرءوسيه على إيقاظه من نومه عندما تكون هناك مستجدات، وعن حرصه على تلقى المحادثات فى غرفة العمل وليس فى سريره؛ أما فى ليلة السابع من أكتوبر 2023م فإنه لم يصر على استدعاء أفراد هيئة الاستخبارات العسكرية لإجراء نقاش حول المؤشرات الاستخبارية الواردة من قطاع غزة. يتساءل، عاموس، متعجبًا: «كيف حدث أن رئيس أركان آل على نفسه ألا يتكرر يوم غفران ثان، قد تجاهل مثل هكذا ضرورة؟».
• • •
إلى جانب استخفاف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بغضب الفلسطينيين فى القطاع، فإن ثمة سببًا آخر لهذا الفشل، يتمثل فى غرور وغطرسة الهيئات العسكرية والأمنية، إذ تشير معظم البحوث التى انصب تركيزها على التقصير العسكرى التكتيكى، إلى أن هيئة الاستخبارات العسكرية، والقيادة العامة، والشاباك ــ جهاز الأمن العام ــ لم تُعر الإشارات البارزة الواردة من القطاع اهتمامًا من منطلق العجرفة، والكبرياء.
يشير عاموس إلى أن مفهوم الأمن الإسرائيلى انهار فى دقيقة واحدة فى صباح السابع من أكتوبر 2023م، لكنه انهار بالتدريج قبل ذلك بكثير؛ حيث حلَّت مظاهر من الغطرسة، والعجرفة والضحالة، فى غضون خمسين عاما، محل الاستفاقة التى تلت حرب يوم الغفران؛ متهمًا الحكومات الإسرائيلية المختلفة، التى رأس بنيامين نتنياهو معظمها، بأنها «استخفت بالإشارات التحذيرية». يلاحظ، نوعم شيزاف، أن هذه العجرفة كانت فى مواجهة الفلسطينيين، عامة، والغزاويين، خاصة، وليست فى مواجهة إيران، أو حزب الله، وهو يتساءل، مندهشًا: «لماذا نشأت هذه العجرفة فى مواجهة الفلسطينيين، وعلى حدود غزة، تحديدًا، وليس فى أى مكان آخر؟!».
يسعى رئيس الحكومة اليمينية المتطرفة، مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، كل الوقت، إلى اتهام المؤسسة العسكرية والأمنية بأنها المسئولة، الحصرية، عن الفشل أمام «حماس» فى السابع من أكتوبر، وإلى تبرئة نفسه، ومن ثم يرفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية لتقصى أسبابه، بيد أن المثير فى الأمر، أن الدوائر اليمينية، الحاكمة، تتبنى نظرية المؤامرة، فيما يخص الفشل فى السابع من أكتوبر، بل وتتهم كبار الضباط بالجيش، وقادة الشاباك، بأنهم كانوا على علم بالهجوم الذى تخطط له «حماس»، لكنهم اختاروا التستر عليه من أجل «إحراج وإهانة رئيس الحكومة، أو من أجل مناورته ومنعه من تحقيق سياسة اليمين»، كما يقول، نوعم شيزاف.
يختزل، جاكى حوجى، غضب الفلسطينيين، خاصة سكان القطاع، فى عبارة سطحية مائعة، تقول، إن «الجمهور الإسرائيلى كفَّ، ببساطة، عن الاهتمام بالفلسطينيين»، لكنه، لم يوضح خلفيات هذه اللامبالاة، ولا من المسئول عنها.
من المؤكد، أن هذا الجمهور، اللامبالى، لم يكف عن الاهتمام بالفلسطينيين ومحنتهم من فراغ. إذ خضع لعمليات غسيل مخ من جانب كبار المسئولين، الذين ولوا الظهر لفكرة الدولة الفلسطينية، وعبروا عن ذلك، فى كل مناسبة، وسعوا، عمليًا، إلى وأدها، من خلال الفصل بين الضفة والقطاع، وتكثيف الاستيطان فى الضفة الغربية المحتلة، وبيتوا نوايا لضمها وتهجير أهلها، وأمعنوا فى إذلال السلطة الفلسطينية، واستباحوا المقدسات الإسلامية، وتمادوا فى حصار القطاع، وقاوموا كل محاولة إنسانية، لفكه، ولو بشكل رمزى، ولم يصغ أحدٌ منهم إلى معاناة أهله.
• • •
فى مقابل، حوجى، الذى يختزل المسألة فى عدم الاكتراث بالفلسطينيين، يضع عالم الاجتماع والباحث فى الشأن العسكرى، ياجيل ليفى، الأمور فى نصابها، إذ يصف، فى مقال نشره بمجلة «هزمن هزيه»، النظرة الإسرائيلية إلى سكان غزة، بأنها تقوم على «النزع السلبى لإنسانيتهم»، مشيرًا إلى أن هذا الخطاب الإسرائيلى تجاه الغزاويين «لا يبرر ولا يوجب أيضًا إلحاق الأذى بهم وحسب، وإنما يتجاهلهم ببساطة».
ويرجح، ليفى، أن «نزع إنسانية الفلسطينى كانت فى صلب التصور الاستخبارى الخاطئ قبل السابع من أكتوبر، الذى جعل رؤساء هيئة الأمن يفهمون حماس على أنها موضوع منفصل عن الجمهور الغزاوى، الذى يمكن تشكيل سلوكه من خلال الجمع بين العصا والجزرة».
لم يأخذ الإسرائيليون، ومعهم المؤسسات العسكرية والأمنية، محاولات الغزاويين لفك الحصار، الذى مثَّل بالنسبة لهم هدفًا أسمى، على محمل الجد، كما يقول، نوعم شيزاف، ولم يربط أحدٌ من القادة بين يأس ملايين الغزاويين والتطورات الجيو سياسية أو الأمنية، ولم ينظر أحدٌ لا فى اليمين الحاكم، ولا فى دوائر المعارضة، بجدية إلى التحذيرات بشأن حدوث انفجار وشيك، ولم يفكر فى عرض أفق سياسى على الفلسطينيين.
من جانب آخر، يتهم، جاكى حوجى، المستويين، العسكرى والسياسى فى إسرائيل، بأنهما لم يأخذا رسائل وتحذيرات، يحيى السنوار، على محمل الجد، مشيرًا إلى أن السنوار أوضح نواياه مرارًا وتكرارًا، وبعث برسائل سياسية إلى إسرائيل من خلال مجموعة من الوسطاء ــ دبلوماسيين، ومسئوليين مصريين، وموفدين قطريين ــ ركز فيها على أمرين: «طلب من ضيوفه أن يبلغوا نتنياهو، أن حماس لن تكون حارسة لحدود إسرائيل، وأن النار هى رد حماس على الحصار المفروض على القطاع، وأنه إذا رُفع الحصار، فسيتوقف العنف».
من الواضح أن رسائل السنوار قوبلت باستخفاف وبلا مبالاة وبغطرسة من جانب نتنياهو. الآن، بعد مرور ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر 2023م، هل استخلصت إسرائيل الدروس؟ هل تخلت عن غطرستها؟ هل كفت عن استخفافها بالفلسطينيين، وعن تجاهلها لمطالبهم المشروعة؟ هل أدركت، أن استخدام القوة والمزيد من القوة ضدهم لن يردعهم، بل سيزيدهم إصرارًا وتمسكا بحقوقهم؟ هل تغيرت نظرتها العنصرية إلى الفلسطينيين، أم ما تزال تراهم «حيوانات بشرية» مثلما وصفهم وزير الحرب السابق، يوآف جالانت، وغيره من كبار المسئولين؟.
لا يوحى الخطاب الإسرائيلى الحالى بأن شيئًا قد تغير. فقد تعمقت النظرة التى تنزع الآدمية عن الفلسطينى، وازدادت القناعة بأن القوة والقوة وحدها هى السبيل لتركيعه، وبأن انتهاج أى سياسة أخرى قد يكون خطأ. لا تقتصر هذه النظرة على الدوائر اليمينية المتطرفة، الحاكمة فقط، وإنما تشمل أطيافًا سياسية أخرى، تأبى أن تمد يدها إلى الفلسطينى، وأن تسعى نحو تسوية ممكنة معه.
يقوم التصور الإسرائيلى، الحالى، حتى بعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر على ركيزتين أساسيتين، هما: العجرفة والاستقواء. لم تتعلم إسرائيل من دروس الماضى القريب. لم تتعلم من دروس حرب السادس من أكتوبر1973م، ولم تتعلم، أيضًا، من دروس السابع من أكتوبر 2023م. ولا يبدو فى الأفق، أن الجيل الجديد من الساسة بها يبشر بخير فى المستقبل.
أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة