«أنا اسمى عبد الرحمن محمد السيد».
هكذا عرّف نفسه بلغة عربية متمكنة فى خطاب النصر عقب إعلان فوزه بمقعد مجلس الشيوخ الأمريكى عن ولاية ميتشجان كأول عربى مسلم.
لم يقل «عبدول» على ما اعتاد الأمريكيون أن ينطقوا اسمه.
كان ذلك اعتزازًا بهويته الأصلية دون أن ينسب انتصاره إليها.
قال: «كنت أقول إن شاء الله.. والآن أقول الحمد لله».
دوت فى المكان زغاريد مبتهجة ومعتادة بالأفراح المصرية، وترددت أهازيج عربية احتفالًا بـ«ابننا»، الذى تحدى البيت الأبيض والإيباك وتمويلاته الضخمة لكى لا يدخل مجلس الشيوخ، وطعنات فى الظهر من داخل حزبه الديمقراطى.
المثير للالتفات، والأسى معه، أنه تعرض فى الوقت نفسه لاتهامات مرسلة من داخل وطنه الأم مصر، كأنها تطلب إسقاطه بالشبهات فى أكثر انتخابات الكونجرس شراسة فى العصر الحديث، حيث تصادمت المصالح والسياسات والتوجهات المتناقضة بصورة غير مسبوقة.
بأى حساب، لم يكن معقولًا أن يقف أحد هنا فى مصر بذات الخندق الذى يقف فيه الإيباك، يردد كلامًا يستخدمه ضده الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» ونائبه الطامح لخلافته بعد عامين فى المقعد الرئاسى «جى دى فانس».
لم تكن ديانته موضوع الصراع المحتدم، ولا هويته الأصلية.
فهو مواطن أمريكى يخاطب مصالح مجتمعه بكل التنوع السياسى والدينى والعرقى فيه.
حملته الانتخابية بناها على فكرة رئيسية هى منع تسليح دولة الاحتلال والتمييز العرقى والإبادة الجماعية بأموال دافعى الضرائب، فيما هم بأمس الحاجة إلى إدخال تحسينات جوهرية على ملفات الصحة والتعليم والبنية التحتية ومستوى المعيشة.
بدت حملته الانتخابية ذات طبيعة مزدوجة، تربط بين مناهضة الحرب على إيران، بتحريض إسرائيلى، والأوضاع الاقتصادية المتأزمة، التى نالت بفداحة من جيوب المواطنين إثر إغلاق مضيق هرمز ونشوب أزمة طاقة شملت العالم بأسره.
الحرب والاقتصاد معًا أديا إلى تراجع شعبية «ترامب» بمعدلات لم يسبقه إليها أى رئيس أمريكى سابق.
لم يكن «عبد الرحمن السيد» أول من ارتفع صوته عاليًا ضد الهيمنة الإسرائيلية على صناع القرار الأمريكى، ولا أول من دعا إلى وقف المساعدات العسكرية والاستخباراتية لإسرائيل، لكنه بدا الأكثر وضوحًا وإقناعًا فى بيئة سياسية واجتماعية مهيأة لتلقى هذا الخطاب الراديكالى، الذى لم يكن ممكنًا تخيله قبل السابع من أكتوبر (2023) وما تلاه من إبادة جماعية وتجويع منهجى لأهالى قطاع غزة.
انسجم صوته مع موجات الغضب التى اجتاحت جامعات النخبة فى الولايات المتحدة وشوارع مدنها الكبرى على مدى ثلاث سنوات.
بالمفارقة، تصدر نشطاء يهود الاحتجاجات الطلابية والشعبية ضد آلة الحرب الإسرائيلية.
كان من أبرزهم السيناتور «بيرنى ساندرز»، الأب الروحى للتيار الراديكالى بالحزب الديمقراطى، الذى ينتسب إليه عمدة مدينة نيويورك «زهران ممدانى»، وجيل شاب جديد، من بينهم طبيبان من أصل مصرى هما «عبد الرحمن السيد» و«آدم حموى»، العضو المنتخب عن ولاية نيوجيرسى لمجلس النواب.
فى سجله دخول غزة المحاصرة عام (2024) للقيام بعمليات تجميل وترميم للذين نالت من وجوههم وأجسادهم وحشية القنابل الإسرائيلية.
هناك فارق جوهرى بين المتن والهامش فى قضية «السيد» و«حموى».
إنها هزيمة موجعة للتيار الصهيونى بالبيت الأبيض ومجلسى الكونجرس، لكنها جولة فى حرب طويلة وشرسة وليست نهايتها.
كما أنها مقدمة شبه معلنة لصدامات مقبلة بين تيارى الجمود والتجديد داخل الحزب الديمقراطى.
بدا الحزب قرب نهاية ولاية «جو بايدن» مترهلًا ومنقسمًا على نفسه.
لم تجرؤ «كاميلا هاريس» نائبة الرئيس على إدانة الإبادة الجماعية، أو الخروج بشىء من تحت عباءته المتهالكة.
كان ذلك من أسباب هزيمتها فى السباق إلى البيت الأبيض مع المرشح الجمهورى «ترامب».
عبرت أجيال الغضب عن نفسها فى انتخابات التجديد النصفى لمجلسى الكونجرس، التى كانت فى حقيقتها استفتاءً على «ترامب» وسياساته العسكرية والاقتصادية.
كان «ممدانى» أول تعبير عن شعبية تيار الغضب والتجديد فى صفوف الأجيال الجديدة.
ثم جاء «عبد الرحمن السيد» بقدراته الخطابية وما يتمتع به من كاريزما ليكون رأس الحربة فى المواجهة الكبرى ضد السياسات الترامبية فى الانتخابات الأخيرة.
بدت انتخابات ميتشجان ميدانًا مفتوحًا لصدام الخيارات والتوجهات والاستراتيجيات، خاصة ما يتعلق بإسرائيل وطبيعة العلاقات معها.
أدت شتائم وتجاوزات «ترامب» إلى رفع شعبية المرشح الديمقراطى الشاب من أصل مصرى، الذى تجاوز كل العقبات والحواجز والألغام التى وُضعت أمامه.
بدت مساجلاته مادة إعلامية ساخنة، حتى كادت انتخابات ميتشجان تكون مقياسًا لما قد يحدث فى الولايات الأخرى.
استثمر «عبدالرحمن» حماقات «ترامب» بكفاءة غير عادية، تبدّت فيها روح السخرية كـ«إسكندرانى» غرست فيه جينات شعبه.
لم ينكر أصله الفقير ولا ولعه بـ«الطعمية» و«المانجو» وأعمال «عادل إمام» المسرحية والسينمائية.
أكسبته روح الدعابة قدرة غير عادية على اجتذاب العقول والمشاعر معًا.
«جى دى.. حبيببى».
كان ذلك تعبيرًا شاغب به نائب الرئيس الأمريكى «فانس» فى خطاب النصر، الذى اتهمه بالإرهاب والتطرف، لكنه مضطر الآن، وفقًا للدستور، أن يشهد وقائع حلف اليمين مطلع يناير المقبل سيناتورًا بمجلس الشيوخ.
ذلك التعبير الساخر تحول إلى «ترند» اجتاح وسائل التواصل الاجتماعى، غطته الفضائيات الدولية، التى أخذت تشرح لمشاهديها معنى «حبيبى» فى اللغة العربية. كُتب على بوسترات وتيشيرتات، كأنه صرعة شبابية واسعة النطاق.
بدا ذلك التعبير، دون قصد، افتتاحًا مبكرًا لاحتمال أن يتواجه الرجلان فى الانتخابات الرئاسية المقبلة.
بصورة أو أخرى، طرح ابننا نفسه على جدول أعمال المستقبل
حسب خبراء ومختصين، فإنه ربما يأخذ مسار «باراك حسين أوباما»، الذى شغل منصب الرئيس الرابع والأربعين فى (20) يناير (2009)، وهو من أصل كينى، ووالده مسلم، وعائلته اسمها الأصلى «أبو عمة»، التى حُرّفت إلى «أوباما».
تمكن «أوباما» من كسب عضوية مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوى قبل أن يصعد بوقت قياسى إلى رئاسة الولايات المتحدة.
هذا سيناريو لا يمكن استبعاده مع ابننا، لكنه ليس مؤكدًا، فالصراعات محتدمة داخل الحزب الديمقراطى بين التيار التقليدى المحافظ، الموالى لإسرائيل، كـ«بايدن» الذى كان يصف نفسه بأنه صهيونى، وتيار الغضب والتجديد الذى يُعزى إليه اكتساح الانتخابات الأمريكية الأخيرة.
إذا حدث مثل هذا السيناريو، فماذا نحن فاعلون؟!
أية إجابة عاقلة تستدعى الاحتفاء بـ«عبد الرحمن السيد»، والاتصال به والتواصل معه، واعتبار فوزه نصرًا حقيقيًا ومعتبرًا لمصر وقدرتها على إنتاج القيادات السياسية والفكرية والأدبية والعلمية داخلها وخارجها على قدم المساواة.
باليقين، هناك ما يستحق المراجعة بالحوار مع السيناتور المنتخب من أصل مصرى، لكن للحوار أصوله وأدبياته حتى يكون التفاهم ممكنًا.
أى كلام آخر يستحق الوصف الشهير المنسوب لأمير الشعراء «أحمد شوقى»: «شىء ما أعلى الرأس تعطل».