الحرب الأهلية الإثيوبية.. التداعيات المحتملة! - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأحد 4 أكتوبر 2026 11:01 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

الحرب الأهلية الإثيوبية.. التداعيات المحتملة!

نشر فى : الأحد 4 أكتوبر 2026 - 9:35 م | آخر تحديث : الأحد 4 أكتوبر 2026 - 9:35 م

بحكم الصراعات المزمنة فى بنيتها الداخلية، لم تكن المواجهات المسلحة فى أرجاء إثيوبيا مفاجئة، أو مستغربة.
إنها موجة جديدة من الاقتتال الأهلى قبليا وعرقيا.
طرحت تساؤلات جوهرية عن حقيقتها وتداعياتها المحتملة على أزمتين كبيرتين تدخلان فى الشواغل المصرية الضاغطة والملحة.
أولاهما، النزاع الإثيوبى الحاد مع دولتى المصب، مصر والسودان، على خلفية الانتهاء من بناء سد النهضة دون اتفاق قانونى ملزم.
هذه قضية وجودية بالنسبة لمصر، التى تعتمد كليا على مياه النيل لتلبية احتياجاتها فى الشرب والزراعة.
وثانيتهما، النزاع الجيو استراتيجى فى القرن الإفريقى وعلى استراتيجية البحر الأحمر، وقد عبر عن نفسه فى مواجهات ومنازعات أخذت مداها بمشروعات الانفصال فى الصومال والسودان واليمن، وكلها تجرى بتحريض إسرائيلى معلن وظاهر وتداخل أطراف يفترض أنها شقيقة تعمل وفق أجندته ومصالحه.
هذه قضية أمن قومى على درجة عالية من الخطورة.
لإريتريا مخاوف معلنة من أن تكون المواجهات الداخلية المسلحة مقدمة لانتزاع منفذ بحرى لأثيوبيا على البحر الأحمر، إذا نجحت حكومة «آبى أحمد»، بدعم إسرائيلى، فى إجهاض التمرد العسكري.
منذ وصوله إلى السلطة عام (2018) تكررت دعواته لانتزاع منفذ بحرى على حساب اريتريا.
فى (26) ديسمبر (2025) كانت إسرائيل أول دولة تعترف رسميا بأرض الصومال لاند.
طرحت على الفور مسألة المنفذ البحرى، الذى تحتاجه أثيوبيا بفداحة، كما إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية.
تحركت مصر سريعا لوأد هذا السيناريو بالغ الخطورة، لكن التفاعلات سائلة، وكل السيناريوهات محتملة.
لا يمكن لمصر أن تتجاهل ما يحدث فى أثيوبيا وما حولها، وإلا فأنه تفريط بأبسط مقتضيات وجودها وأمنها معا.
التنبه ضرورى للغاية بكل حساب، والانزلاق دون تحسب فى المستنقع الأثيوبى مخاطره ماثلة.
فى مقاربة الاتحاد الإفريقى للحرب الأهلية الإثيوبية، ومقره أديس أبابا، دعا مصر وإريتريا وإثيوبيا إلى «أقصى درجات ضبط النفس» مبديا استعداده للوساطة السياسية بين الدول الثلاث.
كان ذلك انحيازا للرواية الإثيوبية للحرب الأهلية فوق أراضيها، التى تنزع عنها أسبابها الداخلية، وتعزوها مطلقا إلى خلافات حدودية مزمنة مع اريتريا، وخلافات أخرى بشأن مياه النيل مع مصر.
رغم نفى مصر القاطع لأى تداخل فى الحرب الأهلية الأثيوبية، فهناك إدراك ما أن أية تداعيات داخلية تضعف حكومة «آبى أحمد»، يضفى على خطابها السياسى قوة وصدقية افتقدتها من طول التحذير والتلويح بالخطوط الحمراء دون فعل يردع.
فى منتدى العلمين الإفريقى، الذى تزامن مع الحوادث الإثيوبية، بدا الموقف المصرى المعتاد والتقليدى أكثر قوة وتماسكا وإقناعا عن أية مرة سابقة: «أن حقوق مصر ومصالحها المائية تمثل قضية وجودية وأن الإجراءات الأحادية، التى تمس مصالح دولتى المصب لا يمكن قبولها».
التوظيف السياسى مشروع تماما لخفض مستوى التعالى الأثيوبى غير المبرر وغير المقبول.
لم يكن معقولا اتهام مصر بأنها بنت السد العالى دون إذن مسبق من إثيوبيا!
مصر دولة مصب، والكلام على هذا النحو فيه استهتار بالمنطق، لكنه جاء فى سياق اتهامها دون دليل بالعمل على إثارة النزاعات الداخلية لتقوية موقفها التفاوضى فى أزمة سد النهضة، الذى أصبح أمر واقعا منذ أكتوبر (2025).
يتلخص النزاع حاليا حول قواعد تشغيل سد «النهضة» والتصرفات الإثيوبية المستقبلية على النيل الأزرق حيث تعتزم حكومة «آبى أحمد» بناء مشروعات كهرومائية أخرى إضافية.
لسنوات طويلة أرجع الخطاب الدبلوماسى المصرى أخفاق جولات التفاوض، واحدة إثر أخرى، إلى غياب الإرادة السياسية عند الإثيوبيين.
الحقيقة كانت المماطلة الأثيوبية تعبيرا عن إرادة سياسية، لا عن غيابها، حتى تحكم الحصار المائى على مصر ويكون ممكنا فى وقت لاحق إخضاعها لدعوات شراء الماء، أو تمريره بصفقة أخرى إلى إسرائيل، التى تعانى من شح مائى.
فى الوقت نفسه ترددت اتهامات أخرى لاريتريا عزت قوة التمرد العسكرى إلى انضمامها بالقوات والأسلحة الثقيلة لجبهة «التيجراى» وحلفائها، فى الحرب على الحكومة الفيدرالية، التى يقودها رئيس الوزراء «آبى أحمد».
هكذا أعفت الحكومة الإثيوبية نفسها من كل حساب ومسئولية عن تقصيرها الفادح فى إدارة الأزمات الكامنة والمزمنة، التى تنفجر مرة بعد أخرى.
يراد الآن أن تلقى مسئولية التدهور الأمنى الأثيوبى على مصر وحليفتها إريتريا للهروب من تداعيات الفشل.
طردت أديس أبابا دبلوماسيا مصريا بغير حيثيات، وردت القاهرة بالمثل وفق الأعراف الدولية وقطعت فى نفس الوقت علاقاتها الدبلوماسية مع اريتريا، التى لجأت إلى نفس الإجراء.
كان ذلك تصعيدا مقصودا لتصوير الحرب الأهلية الداخلية، كأنها مؤامرة لإسقاط حكومة «آبى أحمد»، لا تعبيرا عن فشلها الذريع فى الحفاظ على الوحدة الداخلية فى بلد متعدد الأعراق وله تاريخ طويل من الصراعات والحروب الداخلية والانقلابات فى بنية الحكم.
المثير فى القصة الأثيوبية المستجدة، أن الرجل الذى يتحمل المسئولية السياسية والعسكرية قبل غيره بالتصدع الداخلى حصل على «جائزة نوبل للسلام» عام (2019) بعد صعوده للسلطة بعام واحد لـ«جهوده فى تحقيق السلام ومبادرته الحاسمة لحل النزاع الحدودى مع إريتريا»!!
كان ذلك تحليقا فى الأوهام، التى لا تقف على أى أرض.
أخفقت «رهانات نوبل» على «آبى أحمد»، فيما حققت الرهانات الإسرائيلية عليه اختراقا خطرا فى سعيه لحصار مصر وجوديا واستراتيجيا.
لم تتردد فى إمداده بالسلاح مباشرة، أو عبر حلفاء من المنطقة، لوقف صعود معارضيه من «جبهة التيجراى» وحلفائها.
الصراع ما يزال محتدما، وتداعياته تتفاعل تحت الأفق السياسى المشتعل بالنيران والمخاطر.