ترامب وماركيز.. جائزة «نوبل فى الإبادة»! - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأحد 11 أكتوبر 2026 8:29 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من يحسم القمة الـ133؟

ترامب وماركيز.. جائزة «نوبل فى الإبادة»!

نشر فى : الأحد 11 أكتوبر 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الأحد 11 أكتوبر 2026 - 7:20 م

بمناسبة، أو بغير مناسبة، يردد الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، دون كلل، أنه أكثر من يستحق جائزة «نوبل للسلام»، لكن «مثله لا يحصل عليها»، كما قال قبيل إعلان القاضية الدولية الجنوب إفريقية «نافى بيلاى» فائزة بها لعام (2026).
الحيثيات، التى حصلت بمقتضاها «بيلاى» على الجائزة الدولية المرموقة، تسحب من «ترامب» أى استحقاق سياسى، أو أخلاقى، فهى ذات تاريخ مشرف فى الدفاع عن العدالة الدولية وسيادة القانون ومحاسبة المسئولين عن الجرائم ضد الإنسانية، عكس سجله تماما.
مع ذلك لا يكف عن الادعاء بأنه أوقف ثمانى حروب، يعددها أمام الإعلام كأنها حقائق لا تقبل شكا تجعل من تخطى أحقيته فى الحصول على جائزة «نوبل للسلام» أمرا غير مفهوم!
فى عام (2003) أصدر الأديب الكولومبى العالمى «جابرئيل جارسيا ماركيز» الحائز على جائزة «نوبل للأدب» بيانا «لا يوقع عليه سواى» يقترح فيه منح رئيس الوزراء الإسرائيلى اليمينى المتطرف «إريئيل شارون» جائزة «نوبل للقتل» أسوة بحصول «مناحيم بيجين» على جائزة «نوبل للسلام» لعام (1978) مناصفة مع الرئيس المصرى «أنور السادات» كـ«نوع من المكافأة على اتفاقية براقة أرست قواعد السلام من طرف واحد هو العربى».
كانت تلك إحدى عجائب الدنيا!
«الرجلان اقتسما الجائزة، لكن المصير اختلف، من أحدهما إلى الآخر».
«ترتبت عليها فى حالة أنور السادات انفجار بركان الغضب داخل جميع الدول العربية، فضلا عن أنه ذات صباح من أكتوبر 1981 دفع حياته ثمنا لها، أما بالنسبة لبيجين فقد كانت هذه الاتفاقية بمثابة الضوء الأخضر ليستمر بوسائل مبتكرة فى تحقيق المشروع الصهيونى، الذى لا يزال يمضى قدما».
إذا ما قدر لـ«ماركيز» أن يطل وقتها فى مرآة المستقبل على ما حدث فى قطاع غزة من حصار وتجويع وإبادة بعد عملية السابع من أكتوبر (2023) فإنه لم يكن يتردد أن يقترح منح جائزة «نوبل للإبادة الجماعية» مناصفة بين رئيس الوزراء الإسرائيلى الحالى «بنيامين نتنياهو» و«ترامب.
تضمنت حيثيات منح «بيلاى» «نوبل للسلام» عملها فى لجنة التحقيق الأممية بشأن الجرائم المرتكبة فى غزة، وعلى رأسها الإبادة الجماعية.
بصورة، أو أخرى، شاركت كجنوب إفريقية فى إعداد مذكرات الاتهام الواضح والموثق، الذى تقدمت به بلادها ضد إسرائيل، أمام محكمة العدل الدولية بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية لأهالى غزة.
إنها أبشع تهمة يمكن أن توجه لدولة ما.
فى حالة إسرائيل فإنها تنزع عنها جانبا رئيسيا من شرعيتها المنتحلة، التى تأسست لدى قطاعات واسعة من الرأى العام الغربى على جرائم الهولوكوست ضد اليهود فى معسكرات النازى أثناء الحرب العالمية الثانية.
لم يكن الفلسطينيون طرفا فى تلك الجرائم البشعة، لكنهم دفعوا وحدهم بغير ذنب أثمانها الباهظة من أراضيهم وأرواحهم وأى مستقبل يتطلعون إليه.
بأثر عملية السابع من أكتوبر بدت إسرائيل فى انكشاف عسكرى واستخباراتى غير مسبوق، وعلى أعتاب هزيمة استراتيجية، غير أن إدارتى «بايدن» الديمقراطية و«ترامب» الجمهورية تكفلتا على التوالى فى توفير الغطاء اللازم لمنع انهيار إسرائيل وتمكينها بالوقت نفسه من ارتكاب أبشع جرائم حروب الإبادة والتجويع فى التاريخ الإنسانى الحديث لإخافة من حولها دون خشية عقاب، أو ملاحقة.
بدا فوز «بيلاى» بـ«نوبل للسلام» صفعة مدوية للسياسات، التى تتبناها إدارة «ترامب»، ولنوع السلام، الذى حاول فرضه على الفلسطينيين.
بعد سنة كاملة من خطة «السلام المدعاة»، المنسوبة إليه، لم تتوقف آلة الحرب وحصد الأرواح، ولا انسحبت أى قوات إسرائيلية من القطاع المحتل، ولا خفت حدة الجوع، ولا عادت الحياة إلى شىء من طبيعتها.
هكذا تبدت صفعة أخرى، لـ«ترامب»، كأنها مقصودة بتوقيتها وسياقها فى الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر وما تلاه من جرائم إبادة جماعية.
بحكم أدوارها فى المحكمة الجنائية الدولية، أو عندما ترأست لجنة تحقيق أممية بالجرائم التى ارتكبت فى غزة، بدا حصولها على الجائزة الدولية نوعا من الانتصار الرمزى للضحايا الفلسطينيين وتأكيدا على ضرورة عدم إفلات المجرمين من العقاب.
كان فوزها بذاته إشارة إلى ضرورة انفاذ مذكرتى الاعتقال الصادرتين من الجنائية الدولية بحق مجرمى الحرب «نتنياهو» ووزير دفاعه السابق «يوآف جالانت».
إنها «معادية لإسرائيل».
كان ذلك أول تعليق من الرجل، الذى يزعم أحقيته بالحصول على جائزة «نوبل للسلام».
فرضت إدارته على الفور عقوبات جديدة على المحكمة الدولية، لشل قدرتها على الوفاء بمهامها.
بدا ذلك تصعيدا فى مستوى الصدام مع العدالة الدولية كقيمة سياسية وقانونية وإنسانية.
استدعى التصعيد الأمريكى فى الحرب المفتوحة ضد المحكمة الجنائية الدولية، اعتراضا جديا من خمس دول أوروبية كبرى بالإضافة إلى كندا واليابان.
فى بيان مشترك أكدوا أنهم ملتزمون بدعم استقلال المحكمة ونزاهتها وحيادها.
كانت تلك هزيمة «ترامبية» أخرى من داخل معسكره الغربى!
رغم وحشية القوة الإسرائيلية، وجرائم الحرب، التى ارتكبتها فى غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان وإيران، فإنها خسرت بالكامل حرب الصورة.
تقوضت سرديتها تماما، حتى باتت معزولة وكل من يدافع عنها فى موضع اتهام سياسى وأخلاقى، كما هو حادث الآن فى أجواء الانتخابات النصفية لمجلسى الكونجرس الوشيكة.
فى الاحتجاجات الطلابية الفرنسية الصاخبة بدت الكوفية الفلسطينية رمزا للغضب والتمرد عند الأجيال الجديدة كما بدا العلم الفلسطينى بالاحتجاجات الاجتماعية، أو السياسية، التى شهدها يوم واحد فى بروكسل ولندن وكوبنهاجن تعبيرا عن مستوى مرتفع من التضامن مع أعدل القضايا الإنسانية.
إنها إدانات حية لـ«ترامب» بالميادين الأوروبية تؤكد استحقاقه لـ«جائزة نوبل للإبادة»، على ما كان سوف يقترح «ماركيز».